آخر تحديث:08:28(بيروت)
الثلاثاء 27/12/2016
share

أبعد من "قضية عبدلكي"

عمر قدور | الثلاثاء 27/12/2016
شارك المقال :
  • 0

هناك مبالغة واضحة في ردود الأفعال التي أثارها مقال يوسف بزي في "المدن" عن معرض يوسف عبدلكي الأخير في دمشق، ولعل هذه المبالغة وحدها توضح أن النقاش حول حدث افتتاح المعرض وحول المقال لم يكن سوى نقاش في قضايا أخرى، أغلبها مزمن يتكرر منذ السنة الأولى للثورة، وبعضها تعود جذوره إلى ثلاثة عقود سابقة على الثورة، الأمر الذي يوضحه مقال إبراهيم الجبين "في المدن أيضاً". ذلك قد يدعو إلى تحييد عبدلكي شخصياً، دون تحييد تعرضه للتسييس أو مساهمته هو فيه، وهو أمر مختلف عن إقفال السجال الآن تحيناً لفرصة أخرى يتجدد فيها على المنوال نفسه.

أشار إبراهيم الجبين في مقاله إلى ذاك الانقسام الشهير في صفوف المعارضة السورية، إبان المواجهة بين الإخوان والسلطة في مستهل الثمانينات، ومن المعلوم أن ذاك الانقسام خيم على عمل المعارضة السورية منذ استأنفت نشاطها الجديد على خلفية الثورة. موقع عبدلكي من الانقسام واضح جداً، فالرجل قيادي في حزب العمل وفي هيئة التنسيق، أي لا لزوم لتكرار ما هو بديهي. ما لا يجب أن يحتل موقع البداهة هو أن تسيطر "طبقة" أو "نخبة" سياسية على تمثيلات الثورة، الثورة الشعبية باعتراف الجميع، على رغم فشلها قبل عقود في ميدان العمل السياسي، وعلى رغم تكرار الفشل طوال الثورة الحالية.

باسترجاع مبسّط لأسباب الانقسام القديم في صفوف المعارضة هناك تياران، واحد له عداء من حركات الإسلام السياسي يفوق عداءه للنظام، وآخر يغلّب عداءه للنظام على اختلافاته الأيديولوجية المفترضة مع الإسلام السياسي أو الحركي. وكما نعلم لم يؤتِ هذا الخلاف قديماً ثماراً إيجابية للطرفين، فالذين رأوا في الإسلاميين شريكاً محتملاً عوقبوا بالاعتقال حوالي عقدين من الزمن، والذين رأوا في النظام خياراً أفضل من الإسلاميين كافأهم النظام بالعقوبة ذاتها تقريباً. في ما بعد بدا أن تلك التجربة تُركت في تاريخها وظروفها، فلم يتبرع أطرافها بنقدها، وكانت حالة التفسخ التنظيمي المعارض تمنح عذراً كافياً للتملص من النقد، يُضاف إليها ذلك التفسخ التنظيمي الناجم عن تراجع جاذبية الأيديولوجيات كلها في حقبة التسعينات وما تلاها.

المؤسف أن الثورة اضطرت إلى استعارة تلك الطبقة السياسية، وكان يُنظر إلى استعارتها بصفة مؤقتة لعدم وجود كوادر معروفة بخبرتها السياسية، لكن المؤقت أصبح دائماً، أو أحسن استغلال الفرصة ليبقى، حتى إذا كان معزولاً عن الثورة وعن الصراع المسلح في ما بعد. الأسوأ هو أن تلك النخبة أتت بقديمها معها، وأتت بانقسامها القديم أيضاً، بينما غالبية جيل الثورة من أولئك الذين لم يعيشوا الانقسام القديم، وربما لا يعني لهم شيئاً البتة، بخاصة لأن أصحابه لم يقدموا نقداً لتجربتهم يمكن الاستفادة منه.

إذاً، يتجدد حوار سوري سياسي قديم، وعقيم، بمناسبة يوسف عبدلكي. طرفاه تناسلا في وسط الثورة من أبوة المعارضة القديمة، ولا حاجة إلى فراسة عميقة لتبيان أنهما هُزما من قبل ويُهزمان الآن، فلا التشارك مع الإسلاميين جعلهم أكثر اعتدالاً إلا بما تقتضيه البراغماتية أحياناً، ولا تفضيل النظام عليهم جعل النظام أكثر تسامحاً مع معارضيه، ولنا في المصير المجهول لعبد العزيز الخيّر ورجاء الناصر إثباتاً كافياً، مثلما لنا في أداء الإسلاميين سواء في بعض تنظيمات المعارضة أو من خلال الفصائل الإسلامية ما يكفي من البراهين.

ولأننا في حقل التسييس يكون ملحاً دائماً السؤال عن المستفيد من الانقسام، ولا حاجة لفراسة عميقة للقول بأن من يستفيد منه هو النظام والإسلاميين أيضاً، أي الخصمين المفترضين لطرفي الانقسام. نظرياً، نحن نتحدث عن شريحة يُفترض أنها تتشارك وعياً حداثياً وديموقراطياً، ويُفترض أيضاً امتلاكها سوية من الوعي تؤهلها لمعرفة المستفيد من انقساماتها. أهم من هذا، يُفترض بها البحث عن حل لمعضلة التعامل مع الإسلاميين، إذ لا قمع النظام لهم دفعهم إلى الاعتدال، ولا التشارك معهم جعلهم أكثر ديمقراطية. لا يضرّ هنا النظر إلى حال الإسلاميين أنفسهم، حيث تؤكد انقساماتهم على ضيقهم بالرأي الآخر الإسلامي، مثلما يدلل تشرذم أطياف المعارضة الأخرى على ضيقها بالرأي الآخر. فضلاً عما سبق، لم تثبت الحرب الدولية على "الإرهاب" حتى الآن نجاعتها، وثمة انتقادات عميقة موجهة لها في الغرب والشرق، لأن قضية متكاملة بأسبابها لا يمكن حلها بتبسيط شديد على شاكلة العداء فقط، أو التحالف فحسب.

العقل التبسيطي وحده مَن يسأل: هل يستطيع عبدلكي إقامة معرض عن العري في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة؟ الإجابة بـ"لا" تضمر أن النظام أفضل من تلك الجماعات، وتتجاهل أنه قصف بالبراميل معرضاً لرسوم الأطفال في حلب، ولن يتورع عن قصف معرض عبدلكي لو غضت تلك الفصائل نظرها عن إقامته، وهذه بالطبع فرضية مستحيلة بسبب أداء تلك الفصائل وبسبب موقف عبدلكي منها ومن قضية التسلح برمتها ما لن يدفعه أصلاً إلى إقامة معرض هناك. أيضاً، العقل التبسيطي وحده لا يميز بين مُثُل الثورة والحرب المركبة التي لا يمكن القول بأن حضور الإرادة السورية هو الأقوى فيها، ولا يميز بين تحالفات الحرب "أية حرب" واختلاف أجندة الأطراف المنخرطة فيها دولياً وإقليمياً وداخلياً، مثلما لا يرى وجود مظاهرات شعبية ومدنية تصدت مراراً لنهج فصائل مسلحة مسيطرة على الأرض وجوبه بعضها بالعنف والسلاح، الأمر الذي يطرح  بدوره تساؤلات عن النضال السلمي الممكن في مناطق النظام، لمن ينسى كيف تصدى له النظام بالرصاص الحي.

ومما يخدم النظام على أكمل وجه، ما تكرر أيضاً بمناسبة الجدل حول معرض يوسف عبدلكي، ذلك الفصل بين سوريي الداخل والخارج. ولعلنا نذكر أن أول من أقام الفصل هو النظام، بين معارضة داخلية وطنية وأخرى خارجية عميلة. بهذا المعيار ذاته يتأرجح عبدلكي بين الوطنية والعمالة، فهو قضى ربع قرن في المنفى قبل عودته عام 2005. الأدعى إلى الاستغراب أن يستسهل عبدلكي نفسه، الذي عرف المنفى، اتهام منتقدي إقامة معرضه في هذا التوقيت بأنهم "بعض المهتمين بالسياسة في الخارج" وبأن "الغربة أضاعت بوصلتهم". نعم هي الغربة "لا المنفى القسري أو الطوعي"، مع أنه في الحوار نفسه في جريدة "السفير" يثمّن الخبرات التي اكتسبها من وجوده في المنفى الباريسي! الغريب في الأمر أن بعض من يعيّرون "سوريي الخارج" في الضفة الأخرى من الانقسام هم أيضاً اضطروا إلى مغادرة مناطق النظام إلى المنفى، إثر ضغوط أو اعتقالات، ما يعني تقسيم المنفيين أيضاً على أساس الانقسام الأصلي، بين مَن ينتقص المنفى من وطنيتهم وآخرين خارج الشبهات.

كي نتجاوز اتهامات الفاشلين في حق فاشلين آخرين، نحتاج سجالاً أكثر وضوحاً، سجالاً يذهب إلى مراميه بلا مداورة، إذا كانت غايته الاستفادة من الدرس وعدم تكراره وتوريثه ثانية. ولعل أول ما يؤخذ في الاعتبار أن الفشل لا يأخذ قيمته من فشل آخر، ففشل الخيار العسكري مثلاً ينبغي ألا يُنسي فشل الخيار السلمي، ومن الأولى البحث عن أسباب الفشل في الحالتين. بالمثل، الإسلام المتطرف الذي يجهر بالعداء للديمقراطية ينبغي ألا يمنح قيمة لنظام عُرف بالقمع طيلة خمسة عقود، العكس صحيح ولا معنى للمفاضلة بين سيء وأسوأ، والاختلاف حول من هو الأسوأ، لمن يريد الأفضل حقاً. في مثال آخر، في الحقل السياسي لا تفاضل بين داخل وخارج، أو بين السوريين عموماً، إلا بمقدار فعاليتهم السياسية متى نسبوها إلى أنفسهم، ولا وجه حق لمن ينسب إلى الآخرين "اهتماماً" بالسياسة فقط، وينسب لنفسه فعالية فيها، إلا بقدر ما يمكن قياس القدرة على المشاركة في تكوين رأي عام سوري في الداخل والخارج، ومن ثم القدرة على "تسويق" مطلب الحرية لدى الرأي العام خارجياً. ذلك يعني تالياً ألا ينسب طرف أو شخص قيمة لنفسه بناء على فشل خيارات آخرين، بالضبط متجاوزاً مساءلة نفسه عن مصير خياراته ومقدار ما فعل لأجلها.

من المؤكد أن استقرار الانقسام ما يزيد على ثلاثة عقود ونصف يجعل من ردم الهوة صعباً أو مستحيلاً، وثمة متمترسون على جانبيها مستفيدون منها لمجد شخصي، أو للتغطية على ما يريدون إشهاره من توجهات سياسية حقيقية. لذا قد يكون أفضل المتاح أن يغادر ذلك "الثأر" مَن ليس له "ناقة أو جمل" فيه، تركُه للقلة الوفية له من صقوره الأصليين يوفّر وقتاً سيُهدر بلا طائل، ويخلّص تلابيب الحاضر من مخالب الماضي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب

في أننا حُرمنا من حربنا الثلاثاء 28/03/2017
الأسد في الخدمة، لكنْ! الثلاثاء 21/03/2017
ثلاث هزائم كبرى في سوريا الثلاثاء 14/03/2017
دولة "الباب" السنّيّة الثلاثاء 07/03/2017
المزيد