آخر تحديث:19:20(بيروت)
السبت 17/12/2016
share

أسئلة حلب ودروسها

إياد الجعفري | السبت 17/12/2016
شارك المقال :
  • 0

لماذا تمكنت مدن صغيرة، مثل داريا مثلاً، من الصمود في ظل حصار مُطبق، وحملات عسكرية شعواء، 3 سنوات ونصف السنة، فيما انهارت فصائل شرق حلب في أقل من ستة أشهر؟

تلك واحدة من الأسئلة العصيبة التي طرحها مراقبون سوريون أثناء الجدل حول أسباب ما آل إليه واقع المعارضة المسلحة في ثاني كبريات المدن السورية.

المراجعات عند منعطف شرق حلب، الذي لم يصل بعد إلى خواتيمه، تتطلب الكثير من الموضوعية لدى معسكر المعارضة، ليس على سبيل جلد الذات، ولا الإقرار بالهزيمة، بل على سبيل التعلم من دروس حلب.

هل يمكن المقارنة بين الواقع الذي عاشته المعارضة المسلحة شرق حلب، وبين نظيره في داريا أو المعضمية مثلاً؟

تفتح هذه الأسئلة الباب واسعاً للنقاش. وبهذا الصدد، نظر مراقبون سوريون كُثر بعين الريبة للانهيار السريع الذي حل بفصائل شرق حلب، مقارنة بصمود داريا، البلدة الصغيرة المحاصرة بإحكام، قرب قلب دمشق، التي بقيت شوكة في عين الأسد، ثلاث سنوات ونصف السنة.

إحدى الإجابات التي يطرحها عارفون بالوضع في داخل داريا سابقاً، هي محدودية تعداد وتعدد الفصائل المقاتلة داخلها، الأمر الذي عزز صمودها، وهو ما انتفى في شرق حلب، إذ تعددت الفصائل، واختلفت الرايات والأجندات والولاءات.

سؤال آخر يطرح نفسه في السياق: لماذا كثُرت اختراقات النظام في أوساط الفصائل المقاتلة شرق حلب، كما انكشف بجلاء في الأسابيع القليلة الماضية، فيما كانت تلك الاختراقات أقل بكثير، إذ لم نسمع عن أي اغتيالات أو فرار قادة ثوار إلى "حضن النظام" في مناطق تعرضت لحصار وحملات عسكرية قاسية، مثل داريا أيضاً؟

بالمثل، يجيب عارفون بالوضع في داخل داريا سابقاً، أن محدودية تعداد وتعدد الفصائل المقاتلة لعب دوراً في محدودية الاختراقات من جانب النظام. فالجميع في فصائل داريا كان يعرف بعضه. وكان الجهاز الأمني في أوساط المعارضة بداريا، قوياً، وقد حصل أن اكتُشفت محاولات لتجنيد عملاء من جانب النظام بهدف تنفيذ اغتيالات.

الحالة التي شهدناها في شرق حلب، لها مؤشرات مشابهة في إدلب، التي يُعتقد أنها قد تكون الوجهة القادمة للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين. هناك، تكثر الرايات، وتختلف الأجندات والأولويات بينها، ويكثر المقاتلون، وتكثر الاختراقات، فقد شهدنا في الأشهر القليلة الماضية عدداً كبيراً من حوادث الاغتيال لقادة في فصائل جيش الفتح، ظل الفاعل فيها مجهولاً.

هل من جوانب أخرى للمقارنة بين المشهد في شرق حلب، ونظيره في داريا، والفروق بينهما التي أهلت الأخيرة للصمود فترة أطول بكثير؟.. أحد تلك الجوانب البارزة، حسب العارفين بداخل داريا أيضاً، أن داريا فرغت من مدنييها بنسبة تقترب من 90%. ورغم تعرضها لحملات إسقاط البراميل المتفجرة، بكثافة من جانب النظام، لم نكن نسمع عن سقوط عدد كبير من القتلى فيها. داريا تحولت فعلياً إلى منطقة عسكرية، وظيفة الموجودين فيها إرهاق النظام، والبقاء كشبح يخيفه على بعد مسافة قصيرة من عمق عاصمته.

في شرق حلب، كان السكان عبئاً على المقاتلين، أو ربما بالعكس. كان المقاتلون عبئاً على السكان.

جانب آخر لا يمكن إغفاله في تجربة داريا. فالأخيرة كانت تُفيد من صلتها الجغرافية بجارتها المعضمية، التي توصلت إلى اتفاقات هدنة ومصالحة جزئية مع النظام، أتاحت لها تمرير بضائع وسلع، كان بعضها يمر إلى داريا، فيخفف من وطأة الحصار عليها. ومنذ أن تمكن النظام من قطع الصلة الجغرافية بين البلدتين، صار الوضع في درايا أسوأ، وبعيد ذلك بفترة قصيرة، انتهت القدرة على المقاومة لدى فصائل المعارضة بداريا، وآل الأمر إلى اتفاق الإجلاء الأخير الذي أغلق ملف المقاومة في تلك البلدة.

هو درس لم تستفد منه فصائل المعارضة المتمركزة شرق حلب، إذ كانت مساعي النظام لحصار المدينة واضحة وجلية منذ مطلع العام الجاري. ورغم ذلك، لم تقم فصائل المعارضة المعنية بأي تحرك نوعي جدي لعرقلة تلك المساعي، وكانت استجابتها لذلك التحدّي بطيئة جداً. ولم تبدأ فصائل المعارضة بالتحرك النوعي، إلا بعد أن أتم النظام حصار شرق حلب، وقطع طريق الكاستيلو، حينها بدأت فصائل المعارضة بمحاولاتها لفك الحصار عن المدينة، فيما كان يتوجب عليها التحرك قبل أن يتم إطباق الحصار. قد يكون السبب الذي يفسر تأخر استجابة الفصائل المعارضة لذلك التحدي في الوقت المناسب، في تشرذم الفصائل، وتعدد أجنداتها، وغياب غرفة عمليات عسكرية واحدة تنظّم مسار عملياتها، بحيث تتحرك كل الفصائل في حلب وفي إدلب وفي شمال حماه، بصورة متزامنة، تمنع تطويق أي جبهة من تلك الجبهات.

هل تحيلنا الأسئلة السابقة، وإجاباتها، إلى دروس مستفادة من تجربة شرق حلب، التي لم تُختم بعد؟.. أعتقد أن الدروس جلية، أبرزها، أن تعدد الفصائل والولاءات والأجندات، يضعف المناعة الداخلية والقدرة على الصمود. والتمركز الميداني في مناطق فيها كثافة سكانية، يجعل المقاتلين عبئاً على السكان، وكذلك يجعل السكان عبئاً على المقاتلين. ويصبح المدنيون أداة ابتزاز يستخدمها النظام عبر استهدافهم المكثف، كوسيلة للضغط على المعارضة المسلحة، وإثقال كاهلها بالعبء الإنساني والصحي والخدمي أيضاً.

إلى جانب ما سبق، هناك درس آخر، فعلى المعارضة بفصائلها المختلفة، في منطقة ما، أن تتنبه مبكراً لخطوات النظام في القضم، وألا تنتظر إلى أن يقترب الخطر منها، بل عليها المبادرة، والتحرك وفق عقلية استراتيجية، لا وفق مبدأ رد الفعل.

يقودنا ذلك إلى خلاصة موجزة مفادها، أن الخروج من التجمعات السكانية الكبرى، وبالتالي، اعتماد استراتيجية حرب العصابات، بالتزامن مع توحيد الرايات والفصائل، الوصفة الناجعة لتعزيز قدرة المعارضة المسلحة على الصمود، وربما المبادرة أيضاً، بدلاً من تلقي الضربات.

تلك دروس ميدانية متأتية من تجربة شرق حلب المريرة، يمكن الإفادة منها في قادم الأيام، في معسكر المعارضة المسلحة. لكن علينا أن نقرّ بأن جانباً آخر من دروس حلب، أكثر عمقاً من تلك الميدانية. هي دروس يتعلق بعضها بعبثية الظن بامتلاك الحق والصواب، وجدوى الإقرار بالاختلاف، وترحيله إلى ما بعد مرحلة الحرب، ليكون حسمه في هامش من الإقناع وليس بقوة السلاح. وتبقى الحيثية الأخيرة في رسم قادة فصائل المعارضة المسلحة الفاعلة، خاصة تلك التي تنتظر دورها في حملات النظام وحلفائه، في إدلب، وفي شمال حماه وحمص، وكذلك حول دمشق، وجنوبها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها