آخر تحديث:06:57(بيروت)
الثلاثاء 13/12/2016
share

الأقباط ليسوا ضحايا فقط

شادي لويس | الثلاثاء 13/12/2016
شارك المقال :
  • 0

في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2010، وقبل إندلاع الثورة المصرية بأسابيع قليلة، نقلت شاشات الأخبار مشهداً استثنائياً: اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن ومئات الأقباط المتجمهرين أسفل كوبري المنيب بمحافظة الجيزة، اشترك خلالها العشرات من الأهالي المسلمين في الاعتداء على الأقباط إلى جانب قوات الشرطة. لم تكن المواجهات بين الأمن والمواطنين حدثاً إستثنائياً في عهد مبارك، خصوصاً في سنواته الأخيرة. لكن الملفت حينها أن اشتباكات المنيب كانت حلقة في سلسلة من المواجهات، في ما عرف حينها بأزمة كنيسة العمرانية، والتي امتدت لأيام، بين اعتصام للأقباط أمام الكنيسة وتظاهرهم أمام مبنى محافظة الجيزة، ومحاولتهم لاحقاً اقتحام مبنى حي العمرانية، وقطع الطريق الدائري بالإطارات المشتعلة أكثر من مرة. كان اتساع الاشتباكات وتمددها، منبئاً بتداعي قدرة النظام على ضبط الغضب الشعبي، خصوصاً بين الفئات الإجتماعية الأضعف والأسهل على الضبط كالأقباط.

بعد خمسة أسابيع، اتخذت الأحداث منحى أكثر مأساوية. ففي الأول من كانون الثاني/يناير2011، حاصرت قوات الأمن مبنى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وقطعت الطرق المؤدية لها، إثر اشتباكات بين الأقباط وقوات الأمن المركزي في ساحة الكاتدرائية على خلفية تفجير كنيسة القديسين. لم يكن الأمر الأفدح، مشاهدة قوات الأمن وهي تحاصر المقر الباباوي للمرة الأولى (وهو المشهد الذي تكرر لاحقاً)، بل كانت صور جنود الأمن المركزى وهم يلقون الحجارة والعبوات الزجاجية على الأقباط داخل أسوار الكنيسة في ما يوحي بفقدان النظام لما تبقى من رُشده، وحتى قدرته على الحد الأدنى من ضبط أذرعه الأمنية، والتي تبدت صورها الأكثر وحشية لاحقاً في أحداث الثورة وما تلاها.

سقطت أحداث شتاء التمرد القبطي ودلالاتها من مرويات الثورة المصرية، وأحياناً كان الاكتفاء بذكرها بوصفها مواجهات عارضة، ذات دلالات متعلقة بأفول نظام مبارك ومنطقية تهاويه اللاحق. ما غاب دائماً هو محاولة لفهم مدى تعقيد علاقة الأقباط بالنظام، وموقعهم المتقدم بفعل الضرورة في الصدام مع الدولة، نتيجة حصرهم في صورة الضحايا الجديرين بالتعاطف حيناً، أو الأقلية الدينية المستحقة للوم لتماهيها مع نظام الحكم بحكم الخوف حيناً آخر.

لكن معضلة تلك التصورات عن الأقباط كضحايا أو متواطئين، والتي يروجها النظام والإسلاميون، إضافة إلى بعض المعارضين العلمانيين الذين لا يكفون عن لوم الأقباط على موقف الكنيسة المؤيد لنظام 30 يونيو، لا تكمن فقط في تبريرها ضمنياً للاعتداءات الموجهة ضد الأقباط، بل أيضاً في مناقضتها للواقع. ففي حين شهدت العلاقات بين نظام السادات، الرئيس المؤمن، وجماعة الإخوان المسلمين، تحسناً ملحوظاً، في سياق بناء دولة العلم والإيمان، كان الصِّدام بين النظام والأقباط قد بلغ ذروة غير مسبوقة. فبين مواجهات الزاوية الحمرا، وتحديد إقامة البابا شنودة، وإلقاء عدد من القساوسة في السجون، كان السادات يهاجم القيادات الكنسية في مبنى البرلمان، فيما ينقل التلفزيون الرسمي مشاهد التصفيق الحاد لنواب مجلس الشعب، الواقفين إجلالاً لإتهامات الرئيس للكنيسة الساعية إلى "إنشاء دولة داخل الدولة".

وفيما لم يكن الصدام بين الأقباط ونظام مبارك أقل حدة، وإن كان أقل وضوحاً بفعل تخلي مبارك عن رعونة سابقة في التعامل مع الملف القبطي، فإن الصدامات الدموية المتكررة بين الأقباط والدولة، بعد ثورة يناير، تثبت أنها لم تكن مجرد أحداث مؤسفة سقط ضحاياها من الأقباط عرضاً في منعطفات وقت مضطرب ووضع سياسي شديد السيولة والهشاشة. بدءاً من دهس مدرعات الجيش للأقباط في "ماسبيرو"، وتحريض التلفزيون الرسمي للمواطنين على النزول للشوارع للدفاع عن الجيش الوطني في مواجهتهم، واعتداءات الخصوص في نيسان/أبريل2013، في عهد الرئيس مرسي، وحصار الأمن للكاتدرائية مرة أخرى، وصولاً إلى قيام أفرادها بالاعتداء على الأقباط المتظاهرين في ساحاتها، بدعم من جماعات من الأهالي و"المواطنين الشرفاء"، والهجمات الواسعة ضد الأقباط بعد فض "رابعة" الدموي... وجد الأقباط أنفسهم، بوصفهم الأقلية الأكبر في مصر، والأسهل للتمييز، وفي سياق حكم أنظمة قمعية، وهيمنه للخطاب الطائفي الذي روجته تيارات الإسلام السياسي على تنوعها، مضطرين لأخذ موقع متقدم في الصدام مع الأنظمة الحاكمة، وتيارات الإسلام السياسي المناوئة لها، والتي مع خلافتها اتفقت على استهداف الأقباط، وكذلك اتخاذ مواقع حادة وصفرية أحياناً شديدة الجرأة، وبوعي عميق لتبعاتها الدموية بحكم الضرورة وانعدام الخيارات الأخرى.

فيما يبدو النظام اليوم غير قادر على حماية نفسه، وأجهزته المسلحة التي يسقط أفرادها قتلى في كمائنهم وأمام منازلهم، بشكل شبه أسبوعي، من سيناء ومدن الدلتا، إلى ضواحي العاصمة ووسطها، وإدراكنا لتراجع مسألة أمن المواطنين عموماً، والأقباط خصوصاً، على قائمة أولويات النظام، وفي سياق خطاب طائفي وتحريضي ضد الأقباط تروجه تيارات الإسلام السياسي وغيرها، فإن تفجير الكاتدرائية الأخير لا يبدو متوقعاً فحسب، بل ربما جاء متأخراً عما توقعنا.

وتبدو ردود الأفعال المبدئية للأقباط، كرفضهم دخول قيادات الأمن إلى الكاتدرائية بعد الإنفجار، واشتباكهم لفظياً مع الأمن، واعتداء جموعهم الغاضبة على إعلاميي النظام، أحمد موسى وريهام سعيد، ومنعهم من دخول ساحة الكنيسة، تعبيراً عن وعي الأقباط بأن خصومتهم مع النظام وأمنه وإعلامه لا تقل ضراوة وأصالة عن خصومتهم مع الإرهاب ومنفذي الاعتداء الأخير. كما تبدو تأكيداً جديداً على هشاشة التصورات الرائجة عنهم كضحية مستسلمة أو كمتواطئين يستحقون مصيراً مأسوياً. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب