آخر تحديث:23:30(بيروت)
الثلاثاء 08/12/2015
share

الإسكندراني والمهجر كمنفى

شادي لويس | الثلاثاء 08/12/2015
شارك المقال :
  • 0

انضم إسماعيل الإسكندراني، إلى 32 صحافياً مصرياً على الأقل، محبوسين أو يواجهون إتهامات متعلقة بممارستهم المهنية، وإلى قائمة أطول بكثير من المحتجزين على ذمة قضايا سياسية، لم تبت المحاكم فيها بعد شهور، وفي أحيان كثيرة سنوات من الحبس الإحتياطي. والتحق أيضاً بالألوف ممن أدينوا بالفعل في قضايا تتعلق بالتظاهر، والإنتماء السياسي، والتعبير عن الرأي. لكن إسماعيل، بالنسبة إلي، ليس مجرد اسم آخر ينبغي التضامن معه، ولا قضيته واحدة من قضايا الشأن العام التي لا مناص من اتخاذ موقف منها. بل إن ملابسات القبض عليه والتهم التي يواجهها باتت أمراً شخصياً جداً، وفي غاية الخصوصية، ولأسباب لا تتعلق بالضرورة بعلاقتي به أو بشخصه.

لم اقابل إسماعيل وجهاً لوجه، كعشرات من الأصدقاء والزملاء الذين تعرفت عليهم بعد الثورة عبر الفضاء الألكتروني، وتطورت علاقتي بهم خارجه، أو استمرت داخله فقط بعمق وحميمية تليق بعالم تتلاشى فيه الحدود بين الإفتراضي والمادي، حتى كادا يتماهيا تماماً، أو أن يضحي الأفتراضي هو الأكثر أصالة ومباشرة وحضوراً. جاء تعارفنا بعدما نشر كل منا، مقالة، في يومين متتاليين، للرد على مقال بعينه كان يحرض على تحقير وكراهية جهوية ضد سكان الريف المصري، وهي تيمة مفضلة لأنصار التنوير المتأخر في مصر. كانت تلك المصادفة سبيلنا إلى إدراك تشاركنا في الإنتماء لذلك الهامش الضيق جداً، المعارض لكل من الديكتاتورية العسكرية والإسلامية، والمناهض في الوقت ذاته لخطاب التنوير المتأخر والعلمانية السلطوية، مع إختلاف مواقعنا داخل هذا الهامش. تزاملنا أيضاً، ولفترة قصيرة كتب خلالها إسماعيل في "المدن". تبدو تلك العلاقة الرمزية وحدها مبرراً كافياً بالطبع لأن يكون القبض على الإسكندراني أمراً شخصياً، لكنها لا تفسر ذلك الإضطراب العميق الذي تركته القضية لدي.

خلال العامين الماضيين، غادرت وجوه سياسية كثيرة، ومعها منخرطون في الشأن العام، إلى الخارج، لأسباب تراوحت بين الهرب من الملاحقة الأمنية، أو الخوف على سلامتهم الشخصية، وفي أحيان كثيرة كانوا مدفوعين بخيبة الأمل ولا جدوي الإستمرار في مصر أو لتحقيق طموحاتهم الأكاديمية والمهنية. ضمت القائمة محمد البرادعي، وباسم يوسف، بالإضافة إلى أسماء أقل شهرة، و الكثير من غير المعروفين على الإطلاق. استقبلت اسطنبول والدوحة مئات المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وتيارات الإسلام السياسي، وتوزع ذوو الميول العلمانية، الأقل عددا، على العواصم الأوروبية والمدن الأميركية الكبرى. غادر البعض ممن عادوا لمصر بعد الثورة أو قبلها بقليل، وخرج البعض للمرة الأولى، بعضهم متسللاً، والبعض الآخر للاستفادة من منح أكاديمية، أو عروض عمل في الخارج، والقليل جداً ممن أعرفهم تقدموا بطلبات للجوء السياسي في مواطنهم الجديدة. يتردد البعض على القاهرة بين حين وآخر، بينما يبقى الكثيرون منهم محرومين من العودة، بفعل أحكام قضائية أو تهديدات مبطنة من النظام، وأحياناً الإثنين معاً.

كان إسماعيل ينتمي للفريق الأوفر حظاً، ممن لم يكونوا في حاجة لأن يغادروا تسللاً. فهو لم يكن تحت تهديد قضايا سياسية أو ملاحقات أمنية حين مغادرته. وفي الشهور الماضية قبل إلقاء القبض عليه، تنقل بين قارات ثلاث، للاستفادة من منح دراسية ومهنية وحضور مؤتمرات أكاديمية.. حتى قرر العودة، وبملء إرادته، لزيارة عائلية. كان المربك في ملابسات القبض على إسماعيل، بمجرد وصوله إلى مطار الغردقة، أن التهم التي وجهت إليه لم تكن تبرر قرار النظام المفاجئ بملاحقته، خصوصاً أنه لم يغير من نبرة كتاباته أو حدّتها، و لم يستجدّ في مواقفه شيء أثناء فترة سفره: فلماذا سُمح لإسماعيل بالمغادرة من الأساس إذا كان مطلوباً؟ أو كيف اكتشفت الأجهزة الأمنية فجأة عضويته في جماعة الإخوان أو إذاعته أخباراً كاذبة، بعد مغادرته؟

كشفت القضية عن عشوائية منطق الملاحقات الأمنية، ومزاجيتها، وافتقادها للقواعد، أو تقلب قواعدها بشكل غير خاضع لحسابات واضحة تسمح بالتنبؤ بها. فتقرير من أحد موظفي سفارة مصرية بالخارج، عن مؤتمر بحثي، أو فاعلية ثقافية، من الممكن أن يفضي بك في السجن، وبتهمة الإنتماء لجماعة قضيتَ الأعوام القليلة الماضية من عمرك في معارضتها علناً وبشكل متواصل.

يميل البشر للتعاطف أكثر مع الذين يتعرضون لنكبات يبدون محصنين منها أكثر من غيرهم. فالموت المفاجئ لشاب صحيح البنية، يقابَل بصدمة أشد عمقاً من وفاة رجل متقدم في السن ومعتلّ الصحة. هكذا، فإن وقع القبض على صحافي أو ناشط سياسي في مصر يبدو أقل مأساوية من القبض على واحد ممن بدوا وكأنهم قد أفلتوا من عسف النظام الحاكم، بسبب إقامتهم في الخارج. لا يخلو ذلك الميل لدينا من مبررات لإضفاء مسحة بطولية على مَن يعودون بملء إرادتهم، وهم مدركون للمخاطرة، وبالأحرى على الذين يبقون وهم قادرون على المغادرة وتجنب احتمالات الأذى. يحمل هذا الميل، ثقلاً استثنائياً لديّ، ولغيري ممن اختاروا الهجرة طوعاً، وتمسكوا بها لسنوات كخيار نهائي، إلى حدّ يؤدي إلى شعورغير منطقي بالذنب والتقصير وقلق لاواعٍ تؤججه "عقدة الناجين".

تحطم ملابسات القبض على إسماعيل، ما تبقى من ذلك الأمان المفترض الذي يكفله العيش في المهجر، مؤكدة الحرمان من خيار العودة لدي الكثيرين، وفارضة قلقاً دائماً من رفاهية الزيارة أو ضروراتها، ومن احتمالات مرض الوالدين، أو حتى زواج الأخ أو الأخت الذي يستدعي حضوراً لمشاطرة البهجة أو بحكم الواجب. لم تكتف عشوائية القبض على إسماعيل، وتوقيتها ومكانها، بتوجيه تهديد للعاملين في الصحافة والبحث الأكاديمي وللمنخرطين في العمل العام في الداخل، بل أيضاً أحالت الطوعي في الهجرة إلى قسري وإجباري لدى الكثيرين، وقلبت خبرة المهجر بالنسبة إليهم إلى منفى، يبدو الأكثر إيلاماً فيه أنه لم يكن مقصوداً في الأصل كمنفى، وأنه لم يضحِ قطعاً ويقيناً واحداً بعد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها