آخر تحديث:06:07(بيروت)
الأربعاء 17/04/2013
share

لم يطُل خجل الفاسدين

راتب شعبو | الأربعاء 17/04/2013
شارك المقال :
  • 0

أعلت الثورة السورية عند انطلاقتها من شأن قيم باتت، منذ زمن طويل، مغلوبة وبلا شأن. خلال سنوات طويلة من "الاستقرار" البعثي الظالم والقائم على أسس باطلة، تعرّض أثمن ما يراكمه المجتمع البشري من قيم النزاهة واحترام الحق العام وتقدير العدل، إلى هجوم دائم ومركز أفضى، ليس فقط إلى شل فاعلية هذه القيم وتحييدها بل، والأخطر من ذلك، إلى تحقير هذه القيم على أنها دلالة ضعف أو استكانة أو حتى غباء، ليظهر احتقار هذه القيم على أنه معيار للقوة والشطارة الداعية إلى الفخر. وما كان يمكن لهذا أن يتم لولا حدوث تبدلات مهمة في الوعي العام، تواكب التبدلات السيئة في الواقع وتجترح حلولاً انهزامية لها. 
لا يمكن للمرتشي أو لناهب المال العام التفاخر "بشطارته"، لولا أن تغيّراً هاماً حصل في وعي الناس، جعلهم يتقبلون هذه "الشطارة" ويحسدون صاحبها. أي لو لم يصبح الحق العام (حق الناس) محتقر في الوعي العام (وعي الناس). 
تكتسب هذه الآلية قوة توالد ذاتية ما إن تتكامل عناصرها، وهي آلية مقصودة ومتعوب عليها من جانب السلطة السياسية التي هي المصنع الأساسي لها. فحين تحمي السلطة السياسية، التي استطاعت أن توطد لنفسها بالقوة، الأشخاصَ الذين يتطاولون على الحق العام، وتصنع منهم شخصيات عامة ومسؤولة وقادرة على سحق من يقف في طريقها أو ينتقدها ولو بكلمة، فإن السلطة تكون قد ضخت في الوعي العام وباء "القيم" الدنيئة، قيم الشطارة و"تدبير الراس" واحتقار حق الآخر والحق العام. وتكون، في الوقت نفسه، جعلت من هؤلاء الفاسدين المحميين، مصانعَ فرعية لتوليد أشباه صغار لهم، حيثما كانت مواقعهم. إنها آلية تبدأ من مراكز السلطة الأساسية وتتسرب إلى كل مفاصل المجتمع وتنتهي بإفساد وعي الناس ونظام القيم لديهم.  
في النتيجة، ومع الوقت، يغدو احترام القيم النبيلة التي تحمي المجتمع (النزاهة، الصراحة، عدم السكوت عن الخطأ، مناصرة المظلوم ..الخ) طريقاً سالكاً إلى الفقر والعوز والحرمان من العمل وربما من الحرية أو حتى من الحياة. في حين تترافق القيم الدنيئة (الرشوة، نهب المال العام، التحايل على القانون أو احتقاره، التملق، الوصولية، الكذب ..الخ) مع الثراء والنفوذ والوجاهة. تتكرس القيم التي تسير بالمجتمع إلى هلاكه. آليات تكريس الاستبداد هي آليات هلاك المجتمع. 
مع انطلاقة الثورة في سوريا وما عبرت عنه أصوات المتظاهرين، في بداية اختراقها جدار الصمت، من رفض للذل وإعلاء للكرامة وللحريات العامة، استعادت القيم المجتمعية روحها وقوتها، حتى بات أبناء الفاسدين المنعمين يخجلون من نظرة أقرانهم لهم في المدارس والحارات ويشكون ذلك لأهاليهم. حاول  الكثير من "أبطال" مرحلة الاستقرار، امتصاص اندفاعة صحوة القيم تلك، والانحناء لها بالتخفيف من مظاهر الاستفشار والاستعلاء التي تميزهم. لفترة لم تطل، وقفت المعايير المجتمعية القيمية على قدميها، وبات الفاسد موضع ازدراء بعدما كان موضع حسد، وراح الفاسد يسعى إلى كسب قبولٍ ما في عيون الناس الذين باتوا يرونه على ضوء جديد. واستعاد الانسان النزيه مكانته وكذا صاحب الرأي والموقف. كان ذلك هو المعنى العميق للثورة، المعنى الذي حين يستفيق يستطيع أن يغير أعتى الأنظمة، وهو المعنى الذي استقتلت القوى السائدة على وأده. ونظراً إلى أن هذا المعنى يشكل عمقاً ضميرياً لا يمكن محاربته جهاراً، فقد تمت محاربته عبر محاربة حامله وبكل السبل: بالعنف الرهيب، بالتشويه والتشكيك، بالقمع التمييزي الذي يغذي الاتجاهات الأقل عقلانية، بالإشاعات الطائفية، بالإعلام المسموم الذي يخفي الغابة وراء شجرة ..الخ.    
لم يطل ربيع القيم هذا. فسرعان ما استعادت القيم الدنيئة مكانتها واستعاد الفساد وقاحته بعد خجل طفيف. عوامل كثيرة دفعت الثورة نحو العسكرة وما تستدعيه من تبدلات في اللغة السياسية وما تستجره من قيم حربية ومن تدن في الأخلاق وما تثيره من مخاوف.
هكذا، تحول الزعران إلى أبطال على جانبي الصراع، وراحوا يدوسون بأحذيتهم الخشنة كل القيم المدنية، محميين من هنا بدثار "ثوري" و"إسلامي" فضفاض، ومن هناك بدثار "وطني" لا يقل سعة. 
 
شارك المقال :