آخر تحديث:21:16(بيروت)
الأحد 15/04/2018
share

"العدوان الثلاثي" على اللغة

عدنان نعوف | الأحد 15/04/2018
شارك المقال :
  • 0

"العدوان الثلاثي" على اللغة
ما إنْ بدأت أخبار وصور الضربات العسكريّة على مواقع نظام الأسد تصل تباعاً، حتّى فتح إعلام الممانعة أدراج اللغة ليضع في بندقيّته الدعائيّة ما يناسب هذه اللحظة من "ذخيرة".

كان لدى هذا الإعلام أكثر من خيار لتوصيف الضربات، إحداها مثلاً استعمال المركّبات الاستعراضية الرنانة المعروفة عنه، والتي تعتمِد أسلوب المَزج المكثّف لعدة عناصر في مصطلح واحد. كتسمية الضربات مثلاً بـ "الغزو الأنغلو- فرانس-أميركي"، أو "العدوان البترو-غرب- دولاري"!

هذه الخيارات وغيرها لم تدخل في حسابات محور الممانعة في ظلّ توفّر الخيار الأسهل والأهم، والذي يؤمّن إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد.

"العدوان الثلاثي" ولا شيء غيره كان سيَفي بـ "الغرض"، وسيؤدي المطلوب، لذا فلم يتردّد الممانعون- بمبادرات فرديّة أو مؤسساتيّة - في تناقله ضمن منشور عابر أو هاشتاغ، حتى قبل أن يصدُر أي كلام رسمي عن نظام الأسد نفسه. بل إن بعض المحللين السياسييّن سارعوا إلى وضع المصطلح في الخدمة مباشرةً ضمن تعليقاتهم وتصريحاتهم، لدرجة تشعر معها وأنّ لعبة اللغة الإعلاميّة هذه ناتجة عن أحد أمرين: تنسيق و"أمر عمليات" سابق لتوحيد الخطاب وتوجيهه، أو فقر شديد في مخيّلة الممانعة دفعها للعمل ضمن الموجود.

وتحيط بهذا المركّب الاصطلاحي خصائص وأسباب جعلت اللجوء إليه أمراً شبه محسوم بالنسبة لمُستخدمِيه، فهو يتيح توظيف بُعدِه التاريخي بشكل فعّال عبْر استذكار أجواء "العدوان الثلاثي"(البريطاني الفرنسي الاسرائيلي) على مصر عام 1956. ولا شك أن هذا الحدَث برمزيّته يحتلّ مساحة في نفوس العرب (بدرجات متفاوتة) والسوريين منهم تحديداً الذين أتخمت التربية البعثيّة ذاكرتهم بقيم ومفاهيم "النضال" ومحاربة الاستعمار والإمبريالية، وذلك من خلال العودة المستمرّة إلى"الصفحات المشرقة من الماضي التليد".

ولأنّ تعظيم "الانتصار" أولويّة في المعارك فقد كان لا بدّ من تضخيم الفعل الذي قام به "الأعداء"، وهي الوظيفة التي أدّاها التشبيه فعلاً حين نفخ الضربات الصاروخية ببوتوكس التهويل لا التجميل، غير أنّه سجّل بالمقابل وقوع حادثة جديدة من حوادث الابتذال.

وما يستحقّ التوقف والإشارة أنّ إقحام هذا التشبيه "البليغ" في مجريات الحرب السوريّة لم يكن جديداً أو مقتصراً على نظام الأسد، فقد سبقَ أن استخدمه معارضون في إطار تعليقهم على حملات عسكريّة قامت بها قوات النظام بالتعاون مع روسيا وإيران، واستهدفت مناطق تحت سيطرة المعارضة السوريّة.

وفيما تتباين مبررات هذا الاستخدام بين الأطراف المختلفة وفق أساليب إما ممنهجة أو عشوائية، فإنها تشير إلى سمة من سمات الوضع السوري تتعلق باستنزاف اللغة.

والحال أنّ هذه الضحيّة "غير الرسميّة" والتي لا تمتلك عناصر ماديّة أو محسوسة، لا تُدرج ضمن قوائم الضحايا الآخرين مع أن وضعها مأساويّ كحال القتلى والمصابين والمهجّرين والبنى التحتيّة! 

كما أنّ معطيات "الجريمة" المرتكبة بحقّ اللغة لا تخضع لمقاييس واعتبارات أخلاقيّة أو قانونيّة وهو ما يجعلّ من غير المنطقيّ أن يجري التعامل مع النتائج والتداعيات (وهذا أفضل لها ربما من الحصول على مساعدات وانتظار لجان المنظمات الدوليّة)!.

ولمعاينة الأذى الذي لحق باللغة خلال سنوات الثورة السورية من قبل مختلف الأطراف، يمكن ملاحظة المرحلة التي وصل إليها توظيف التشبيهات والإسقاطات والمسميّات، بطريقة استهلكت هذه اللغة عبر إقحامها في محرقة الضخ الإعلامي. ففي مقابل الاستعارات اللغوية للنظام وماكينته الإعلامية، لم تقصّر الأصوات المعارضة في استهلاك هذا المخزون من زوايا أخرى. 

وفي حالات كثيرة بدا أن اختلاف الأسلوب بين الطرفين لا يخفي اعتماد استراتيجية واحدة قائمة على العامل التاريخي. 

وبالنسبة للعمل العسكري المعارض فقد كان لانتقال قسم منه نحو المرحلة "الجهادية" بقيادات غير سوريّة، أثرٌ في تحديد الخطاب المرافق لهذا النشاط على الأرض. ومع مرور الوقت أصبحت الجماعات والفصائل المقاتلة بحاجة إلى قواميس جديدة بعد أن استنزفت بأسماء معاركها وتشكيلاتها العسكريّة معظم المعاني والإسقاطات التي أتاحها الإرث الإسلامي. ولن نبالغ إذا قلنا أنّ أي فصيل سيطلق معركة لاحقة أو سيَبني تشكيلاً جديداً سيكون عليه البحث جيداً للوصول إلى مفردات ملائمة بعد أن استعمل من سبقه كل ما طالته يده. 

ويضاف إلى الطرفين السابقين طرف آخر شارك في "العدوان" على اللغة واستعاراتها، ألا وهو "الإعلاميون". فقد أتاح اكتساب من يرغب بهذه الصفة (إعلامي) ضمن الفوضى والحاجة القائمة، إمكانيّة ظهور أشخاص غير اختصاصيين لعبوا دوراً إضافياً في استنزاف الأساليب والمعاني مستفيدين من الفضاء الذي وفّرته وسائل التواصل الاجتماعي. 

كل ذلك لم يؤدِّ إلى موت اللغة بالتأكيد لكنه دمّر أدواتها بالابتذال والاجترار، حتى غدا من الممكن اعتبارها أحد معاقي الحرب الذين لم يخوضوا أي معركة لكنهم تلقوّا وما يزالون يتلقون "الضربات".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عدنان نعوف

عدنان نعوف

كاتب سوري مقيم في اسطنبول