آخر تحديث:19:14(بيروت)
الخميس 08/02/2018
share

خصومتي مع النوم

محمد غندور | الخميس 08/02/2018
شارك المقال :
  • 0

خصومتي مع النوم
أكره النوم، وأعشق السهر، كما لو أن أحدهم عيّنني حارساً على أحلام المدينة. لا أحب النوم لأنه يسرق مني متعة السهر، والأكل ومشاهدة الأفلام والمسلسلات والاستمتاع باللاشيء. منذ مدة وأنا أعاني عوارض عديدية، وظننت لفترة أنني اعاني ارتفاعاً في ضغط الدم، وقصوراً في دقات القلب، لكنني بخير، كل ما ينقصني هو النوم الصحي. 
أغفو حين يتجه كثيرون الى أشغالهم، كما لو أنني أطمئن أن نوبة حراستي لليل، مرت بلا مشاكل. أكره النوم، وأتعامل معه على انه ثانوي، فلا بأس أن ابقى بلا قوى، أو استيقظ كمن انفجرت قذيفة بقربه، شرط أن أنهي ما بدأته قبل نومي، كاتمام حلقة سابعة من مسلسل على "نيتفليكس"، أو كتابة مقطع من نص طويل ما زلت أعمل عليه. والغريب أن سهري حوّلني الى أمّ، يستيقظ يوسُف مذعوراً من نومه متوجهاً صوب غرفة المعيشة حيث مركز عملياتي، أحتضنه لبرهة، وأعيده الى سريره بعد تهدئته، وتبكي تاليا فأهرول لتحضير قنينة حليب ونقلها الى سريرنا.

وحين أشعر بارهاق شديد، أستعين بحبوب منومة، لكن تأثيرها لم يعد قوياً. أنام كمن يتعلم السباحة، ما إن أغرق، حتى أرخي جسدي فأطفو مجدداً. وهكذا نومي، أضع رأسي على وسادة مريحة، فتستنفر الافكار في رأسي، أفكر في كل شيء وأي شيء، في أسخف الأمور، وأعدّ آلاف الخرفان بلا جدوى. أتذكر دندنات أمي، وأحاول التذكر: هل كانت تدندن فوق رأسي لأنام، أم كانت تخبرني قصة كما أفعل مع طفليّ؟

تتسع أحلامي عند النوم، وأتساءل عمن قتل فيَّ النوم، أو علمني السهر؟ كل ما أعرفه أن الليل صديقي، وأنه يمنحني حرية مطلقة لفعل ما أريد. أجبر نفسي على النوم في كل ليلة، أرتخي في السرير، محاولاً النوم، فتخرج من ذاكرتي طفلة تُحدثني حتى مطلع الفجر، حينها تعود تلك الفتاة الى الجميلة الى مكانها، وأسلم نفسي الى أقرب مخفر للنوم. أحسد والدي على حبه للنوم، ما إن يضع رأسه على الوسادة، حتى يدخل في نوم عميق. كم أحب والدي وكم أكره النوم.

لا أعرف متى بدأت السهر. كل ما أذكره أنني كنت أعود الى منزلي في الضيعة بعد سهرة مع الشباب قرب تنكة زيت فارغة، نشعل داخلها ما كنا نسرقه من خشب من منشرة أبو محمد غالب. ذلك الرجل الذي كان يعرف أن ثمة من يسرق خشبه ويقول "لا بأس شباب طايشين، خليهن يتدفوا".

كنا نجتمع حول التنكة حتى الصباح. نتحدث دائماً عن كرة القدم وعن أصدقاء لنا كانوا يغيبون فترة ويعودون شهداء ضد الاحتلال الاسرائيلي آنذاك. تفرقت هذه المجموعة منذ تركت الضيعة العام 1999. منهم من التحق بالمقاومة الاسلامية، ومنهم من هاجر الى الخليج، وأنا البعيد من الدين والمقاومة والخليج. بتنا نلتقي صدفة في القرية، نقبّل بعضنا ونتحدث في أمور عامة، كأننا نتجنب صداقة نائمة لا أحد يريد ايقاظها. ليل الضيعة ليس كبيروت، هادئ وبارد ومخيف، فالكشاف الضوئي الذي كان يلف الضيعة كان يُرعبنا، فإذا التقطنا، حوّلنا القناص الى جانبه الى جثث. لذا كان علينا التنقل بحذر من زاوية الى أخرى. لم أعد أذكر ما كنت أحلم به آنذاك. نتحدث في أي شيء كي لا نغفو ونغادر دفء التنكة.

نخطط لمباراة مقبلة، أو نستمع الى راديو أصغر من كف، أو نُفقي بزراً صغيراً وهي عادة لطالما تعلقنا بها في الضيعة، أو نصمت لسماع خطوات من يحرسون الضيعة من أي تسلل إسرائيلي. كان لدي الكثير من الأفكار الغريبة والتساؤلات التي تضحك اصدقائي، ولكن تسنى لي مع الوقت ايجاد إجابات عن كل أسئلتي، فبت في مكان آخر مع تساؤلات جديدة واجابات أعمق.

كم كرهت بزوغ الفجر، وكم أحببت غياب الشمس، ما يعني أن الشلة ستجتمع مجدداً لسرقة بعض الخشب والتنقل الخفي. حين كنا نخسر صديقاً، كنا نخاف النوم، كي لا يأتينا في المنام ويخبرنا بما حدث. كنا نجتمع أنا ومحمد وفادي وحسن وبعض المارة ونسكت. جلوسنا هو الحديث الوحيد القائم. إنتظار اللاشيء وحوار صامت بلا مقدمات ولا خواتيم.

لطالما منعنا الرصاص من السهر، خصوصاً مع نهاية التسعينات، اذ ازدادت عمليات المقاومة، وبما أن ضيعتي كانت آخر نقطة يصل اليها أحد قبل الدخول الى الشريط المحتل، كان لها نصيب دائم من القصف والقنص والقتل. حين علمنا باستشهاد عباس ياسين، الشاب الخلوق الذي كان يسهر معنا، توقفنا عن السهر لفترة، خصوصاً أننا عرفنا أن بعضاً من أشلائه لم يعثر عليها. كنت أجلس في سريري ورأسي تحت الغطاء. أخاف النوم كي لا أبصره في منامي. 

حاولت طرد الفكرة من رأسي لكن من دون نتيجة، واستمرت معاناتي الى ان عدنا الى السهر قرب دكانة أبوعلي حبيب، أشهر شخصيات ضيعتي. رجل ضخم، وقلب يتسع للقرية وجوارها. حين أخبرت أصدقائي في بيروت عنه لاحقاً، تحمسوا لملاقاته، وعدد لا بأس به منهم فعل ذلك. رجل بملامح طفولية، وكفين كبيرين وأخبار طريفة لا تنتهي. إنتقل حبي لأبوعلي حبيب، الى ابني يوسُف، فكلما قصدنا الضيعة يطلب يوسُف مني المال للذهاب الى "أبو علي أبو حبيب" كما يناديه حبيبي.

تغير ليلي في الضيعة، وبات عبارة عن سهرة مع الأهل، بلا شباب ولا تنكة فارغة ولا سرقة أخشاب أبو محمد غالب. بات مملاً. كم أشتاق الى تلك الحوارات الصامتة ودفن يدي في معطفي من شدة البرد، والتنقل بحذر، والعودة الى المنزل، قبل شقشقة الضوء. كم أشتاق الى ذاك الخوف الذي عشناه وحوّلنا لاحقاً الى غرباء قرروا الابتعاد بسلام عن بعضهم البعض.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها