آخر تحديث:18:39(بيروت)
الأربعاء 13/09/2017
share

اللوفر في أبوظبي.. وبيروت زائلة

أمين نصر | الأربعاء 13/09/2017
شارك المقال :
  • 0

اللوفر في أبوظبي.. وبيروت زائلة متحف اللوفر في أبوظبي التي تحاول فرض نفسها على الخريطة المتحفية العالمية
"هل ترضون بأن تحل ناطحات السحاب محل معالمكم التاريخية؟"
هذا هو الشعار الذي أطلقته ذات مرة إحدى جمعيات الحفاظ على تاريخ الولايات المتحدة عبر الإنترنت، للدفع باتجاه إذكاء الوعي الثقافي في مخيلة الأميركيين، ولحثهم على المطالبة بحفظ الأبنية التراثية القديمة وصونها، وعدم تشويهها، والكف عن تدميرها ومحو آثارها لمصلحة العمارة الحديثة وناطحات السحاب التي لم يتوقف بناؤها منذ الفورة الاقتصادية الأميركية في عشرينات القرن الماضي.

مع العلم أن الكنائس هي أقدم الأبنية التراثية في الولايات المتحدة، إذ تعود الى القرن السادس عشر ووصول المستعمر الأوروبي الى القارة الجديدة، أي أن "تاريخيتها" نسبية، قياساً بأبنية تراثية أخرى في أماكن أخرى حول العالم. 

وفي المقلب الآخر من العالم، وفي بقعة قديمة تعود في قدمها الى فجر التدوين وتشكيل أولى الحضارات الإنسانية، يقبع لبنان، البلد الذي يتمتع بصفاتٍ ثقافية سامية، وعاصر أعظم الإمبراطوريات التي نحتت خلال عصورها الذهبية أهم الآثار التاريخية التي تبعث على الدهشة وتحيي أملاً وإلهاماً ورغبة في التأمل.

من عهد الإمبراطورية الرومانية الطموحة، التي شكلت الأراضي المعروفة اليوم بلبنان، حدودها الشرقية، عُدّت بيروت ملتقى للحضارات ومركزاً للتجارة والزراعة، وحاضرة للتشريع والفقه بكُلّيتها القانونية الشهيرة، وكانت بذلك من أهم المدن الرومانية القديمة.

أما جبيل التي تعود إلى حوالى 7000 عام، فتعتبر، الى جانب صور، مرقداً عظيماً لمدن فينيقيا الكنعانية. وبين المدن العشرين الأقدم في العالم، أربع منها في لبنان. لكن كل هذا الإشعاع الحضاري لم يشفع لبيروت لتنجو من مترتبات اللاوعي الحضاري.

يقول الشاعر الإنكليزي، لورد بايرون، أن هواء الآثار الإغريقية في مواقعها المنتشرة في جبال اليونان، جعل منه شاعراً...

تعاني المدينة اللبنانية أزمة وعي حادة، متمثلة في ضياع إرثها الثقافي، بين تسابق تطور الأزمنة وكيفية الحفاظ على تاريخها. فالمدينة الكلاسيكية التي تشبه روما القديمة بأبنيتها التاريخية، اضمحلت، وحلت محلها الأبنية الجديدة المعاصرة، والتي بدورها بدأت تفقد بريقها لصالح المباني الزجاجية الضخمة وناطحات السحاب. بل إن الالتحاق بقافلة تطور مدن القرن الحادي والعشرين، أتى على المواقع الكلاسيكية التي تعطي المدينة هوية تاريخية تمكنها من مقارعة اهم مدن العالم من الناحية الأثرية والثقافية.

هذا اللاوعي الحضاري يتمثل في غياب خطة طموحة من أجل إعادة تشكيل الهوية الحقيقية للمدينة، وهو ترجمة لإهمال واضح وفاضح في التعامل مع القطع والمواقع الأثرية التي كانت آخرها قصة الأعمدة الرومانية في وسط العاصمة، ناهيك عن نهب المواقع التاريخية على الساحل، وبيع العملات المعدنية والآثار في عمليات التهريب والسوق السوداء، الى جانب تشتت أهم آثار البلاد في متاحف فرنسا وبريطانيا وتركيا (ولعلها بذلك أُنقذت؟!) في ظل عجز لبناني غريب عن المطالبة بها او الإستفسار عنها، وصولاً الى التخبط في بناء متاحف الذاكرة الجماعية.

في العام 2010 أعلنت حكومة جمهورية مقدونيا، تحويل سكوبية العاصمة، إلى مدينة ذات طابع كلاسيكي بمشروع قدّرت كلفته بـ700 مليون دولار. فباتت المدينة، بساحاتها العامة، وتماثيلها التي تعكس حقبات تاريخية شتى، مدينة ذات هوية ثقافية كلاسيكية جريئة، وفرضت نفسها في ظل الهيمنة الحضارية اليونانية التي القت بظلالها على جمهوريات دول البلقان.

"متحف اللوفر أبوظبي... تأمل جوهر الإنسانية بعيون التاريخ"، هو الشعار الذي أطلقته حكومة أبوظبي مؤخراً للتسويق لمتحفها الذي سيكون الأهم في العالم العربي، ويحمل اسم أحد أبرز المتاحف العالمية، بمساعدة فرنسية. فهذا المتحف "يعتبر ردنا المشترك في زمن تتعرض فيه الثقافة للإستهداف"، بحسب وزيرة الثقافة الفرنسية فرنسواز نيسن. تبني دولة الإمارات مستقبلها بطموح، وتتدخل في المشهد المتحفي العالمي، رغم "تاريخها" الحديث. وتبني العاصمة سكوبية ساحاتها التاريخية تحت أنظار آلهة اليونان. وفي بيروت تستمر أزمة اللاوعي، مبشرّة بزوال أسمى ما ورثته هذه البلاد من بُناة الحضارات الأوائل.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أمين نصر

أمين نصر

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب

سامي الجميل "اليساري" الخميس 23/03/2017