آخر تحديث:12:32(بيروت)
الثلاثاء 16/05/2017
share

غرباء حُرج بيروت

روجيه عوطة | الثلاثاء 16/05/2017
شارك المقال :
  • 0

غرباء حُرج بيروت أرجوحة في حرج بيروت (خليل حسن)
بعدما أقفلت بلدية بيروت حرج المدينة، فتحت القسم الخلفي منه، الذي يتسم بضيق مساحته، وقلة البقع الخضراء فيها. بالتالي، أضحى زائروه في مقربة من بعضهم البعض، بحيث أن رجاء توزعهم الجديد لا يتيح لهم، ومثلما هي حال القديم، أن يكونوا على إنفرادهم، أو شبه إنفرادهم بالأحرى، بل أنهم، ومهما حاولوا النأي عن أغيارهم، يبقون على مرآهم، وأحياناً، على مسمعهم أيضاً.

هكذا، غدوا متجاورين، وهكذا، صار واحدهم ينتبه إلى أن الفضاء حوله مسكون بالغرباء، الذين قد يشبهونه، والذين، على نحوه، أتوا إلى الحرج على سبيل المناص، وببغية الترويح عن النفوس والأجساد، وإفلاتها على مشاهدٍ، غالباً ما يكون قوامها الإختلاء والحركة.
في مقدمة هؤلاء الغرباء، هناك المتكلمون مع نفوسهم بصوت مرتفع، إذ يجلسون ويسيرون ويقفون مطلقين العنان لحديث، لا وجهة ومحط له، لكنه، يتمحور حول لازمة بعينها، تتعلق بقصة مقتضبة للغاية، أو بشكايةٍ ما. وإلى جانبهم، هناك المتكلمون، لا مع نفوسهم، بل مع كل شخص قد يصادفونه أمامهم، فيدنون منه، ويتحدثون معه بالمجهول جملةً وتفصيلاً عنه، أو يصيحون عليه أن يتجمد في أرضه، أو ينصرف من قدامهم.

وهناك الطلاب المراهقون، الذين يفرون من مدارسهم إلى الحرج، فيجلسون للتدخين والضحك، وبين حين وثان، يخرجون ما في حقائبهم من كتب، ويمسكون بها من دون أن يفتحوها، كما لو أنهم، بذلك، يخففون من ذنب التسرب، معلنين بأنهم ما زالوا على مقاعد صفوفهم. ووراء الأشجار، وتحت الأسقف، هناك العشاق، الذي يتبادلون الهمس واللمس والعناق والقبل، وهم، ولما كانوا وسط الخلط من حولهم، يحيلون إلى ما كتبه البلخي(ابو زيد) عن كون الحب هو "لزوم الجنون والبداوة".

وليس بالبعيد منهم، هناك الوحيدون، أو شبه اللابثين في الوحدة، لأنهم، وطوال وقتهم، يظهرون بمظهر مواعدي هواتفهم، إذ يحملونها، ويحدقون فيها، ومن لحظة إلى أخرى، يبتسمون كأن كلاما صامتاً ينزل عليهم، مغبطاً إياهم. ثم، وأسرياً، هناك الأمهات، اللواتي يحل التعب الشديد عليهن إلى درجة كسرهن، فيتكئن على عربات أطفالهن، التي يحركن إياها كأنهن يهزن همهن، وفي إزائهن، الآباء، الذين يحاولون إشاحة النظر عن أولادهم، ليعيشوا عندها ما يعتقدون أنه مسلوب منهم، أي ريعانهم، والقليل من الطيش. وهناك المحملقون، مترقبوا النظر إليهم، نتيجة وحشتهم، التي تبرز على وجوههم، فينادون بعيونهم إلى مَن قد يراهم، فيتحدث معهم، أو يستمع إليهم. وأيضاً، هناك المنتظرون بشدة، أي الذين يسألون عن الوقت لكل عابر في محاذاتهم، وبين استفهام وتكراره، لا يمر دقائق...

على أن هؤلاء، بمجملهم، يجعلون من الحرج فضاءً مؤلفاً بالغرابة، التي تبين خارجه أكثر مما تبديه، أي أنها تبين مدينته، وإنتاجها للأناس بالنفي، والضغط، والعطب، والإعلال، بالإضافة إلى القمع، والإذلال، والوصم. لكن، الغرباء يقتحمونها، يأتونها من كل النواحي إلى الحرج، حيث يصمدون فيها، مخبرين اياها بأنها لا تقدر على إخفائهم، فبعضهم، وحين كان ذلك المكان مقفل بالكامل، كانوا يجدون في الرصيف المحيط به حيزاً لهم، حيث يتنزهون، او يهيمون، ويرمون نظراتهم على داخله الممنوع عنهم. بنظراتهم، يدخلون الى مكانهم، وبنظراتهم، يفكون الحصار عنه، مطمئنين الى أنه، يوماً ما، سيُعاد فتحه من جديد، لا ليكون عاماً، بل معتّماً، أي جلياً بنوره في مدينة مظلمة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها