آخر تحديث:12:17(بيروت)
الجمعة 21/04/2017
share

طلاق إلكتروني

وليد بركسية | الجمعة 21/04/2017
شارك المقال :
  • 0

طلاق إلكتروني

تسحب بيروت منك أصدقاءك واحداً تلو الآخر وتلفظهم بعيداً وراء البحار حتى تبقى وحيداً في قاعها في النهاية، ليست الوحدة هي ما يثير ألماً حاداً في عظامي ولا الرياح الباردة، بل هي الجانب المشرق في واقع الأمر. تذكرت جميع أصدقائي الذين رحلوا من دون رجعة إلى أوروبا والولايات المتحدة بينما بقيت في بيروت التي أمقتها أكثر من أي مكان آخر، وتساءلت متى يحين دوري أيضاً، وأنا واقف على جانب الطريق في مار مخايل قبل أيام خلال لقائي بصبية سورية غريبة للمرة الأولى كي أشهد معها على "طلاقها الإلكتروني".

ليس الغريب في القصة أن ينفصل سوريان عبر "سكايب" أو "فايسبوك" أو حتى "واتس آب"، التكنولوجيا هنا ليست البطلة، فهذه ليست حلقة رديئة من سلسلتي المفضلة "بلاك ميرور"، ولا الحياة الغريبة التي باتت تجبر كثيراً من السوريين على خيارات غير مألوفة في حياتهم، بعدما بقيت تلك الحياة الجمعية راكدة لعقود من الجمود المحافظ. الغريب أن أكون شاهداً على ذلك الطلاق في محكمة شرعية، بكل ما تحمله تلك الكلمة من صلات مع عالم ديني لا أؤمن بوجوده أصلاً، وأرفض أن يكون محدداً لعلاقاتي الاجتماعية وتصرفاتي، بناء على الموافقة المسبقة من رجال الدين.

بدأ كل شيء في "فايسبوك" حيث كانت ريما (اسم مستعار) تبحث عن شهود من الطائفة السنية حصراً كي يشهدوا على طلاقها الإلكتروني، حسبما طلبت منها المحكمة الشرعية في طريق الجديدة في بيروت. صديقةٌ مشتركة بيننا طلبت مني أن أساعد تلك المسكينة في محنتها. للوهلة الأولى قلت لنفسي "ولمَ أفعل ذلك بحق الجحيم!" لم أشفق عليها بعدما شرحت لي قصتها باقتضاب، فالشفقة واحدة من تلك العواطف الزائدة التي لا تفيد ولا أمتلك ترف الشعور بها تجاه كل شيء بما في ذلك نفسي، لكن شيئاً في الموقف ككل استفز في داخلي جانب الـ "دراما كوين" المتداخل مع فكرة التحقيق الصحافي الهزلية في شخصيتي، مع شعوري بأن وراء تلك الفتاة قصة تستحق أن تروى.

ريما القادمة من ألمانيا، لم تجد أياً من أصدقائها القدامى، لا أدري ما هو شعوري تجاه من يغادر الشرق الأوسط ثم يعود إليه وهو بكامل قواه العقلية، لا أستطيع استيعاب ذلك، حتى لو كان الدافع هو الخلاص من زواج بائس بأسرع طريقة ممكنة، عبر اللجوء للمحكمة الشرعية في بيروت التي عقدت فيها ريما زواجها نفسه قبل سنوات، ليس لشيء سوى لظروف مادية ولوجستية صعبة، حيث تكلف إجراءات الطلاق المعقدة في ألمانيا أكثر من 3000 يورو، فضلاً مدتها التي قد تطول لأكثر من سنتين.

وهكذا طلب القاضي أن تُحضر ريما تسجيلاً مصوراً لمكالمة فيديو بينها وبين زوجها الذي يقوم بنطق كلمات الطلاق مع وجود شاهدين للحادثة. وذلك هو جوهر الطلاق الإلكتروني، لم أكن أعرف قبل ذلك بوجود شيء مماثل. ورغم فضولي لم تخبرني ريما أبداً عن سبب طلاقها، وإن كان واضحاً مقدار الكراهية التي تشوب علاقتها بزوجها مع كم الشتائم الذي تبادلاه، رغم أنهما تزوجا عن حب قطعا بسببه البحر المتوسط ودروب أوروبا المثلجة، يداً بيد من أجل الوصول إلى الأمان والجنة في برلين. قصتهما ليس استثنائية بل هي أقل وقعاً من قصص الموت والفقدان الأخرى على تلك الطرقات. الناجون ليسوا مادة مثيرة كما ثبت معي بالدليل القاطع. الأموات والمفقودون هم القصص الحقيقية.

توجهت وريما مع الشاهد الآخر نحو منزل أصدقائه القريب في مار مخايل، كي نستطيع الاتصال بـ "الزوج الشرير"عبر"سكايب"، التطبيق المفضل للسوريين لمكالمات الفيديو، والذي لم أستخدمه مطلقاً في حياتي، لأنه تطبيق "عتيق الطراز". ولساعات قليلة، أمضيت في بيروت وقتاً مع سوريين أكثر من كل الوقت الذي أمضيته معهم منذ العام 2014! جميعهم من الغرباء عني والذين لا أنتمي لهم تقنياً سوى بجواز السفر المشترك، شعرت بالبؤس المحيط بحياتهم والذي كنت أسمع عنه فقط، رغم أنهم في حالة جيدة ويشربون النبيذ ويتبادلون النكات ويربون القطط الجميلة. لكن شيئاً مؤلماً في جوّهم العام يطغى على أي شيء آخر بما في ذلك الأحاديث المتكلفة المقتضبة التي تبادلتها معهم بانتظار أن تستطيع ريما الاتصال بزوجها، إن تذكرت كلمة السر لحساب "سكايب" الخاص بها.

أخيراً بدأ الاتصال، عبر "فايسبوك" العملي وليس "سكايب" المنسي، شاهدت الزوج الذي بدا مستهتراً وسعيداً بالعناء الذي تتكبده زوجته من أجل الطلاق، بينما يصر هو على تلاوة نص طويل مشترك مع ريما، من أجل "المخالعة الشرعية" كي يضمن ألا تترتب عليه أي التزامات مادية من الطلاق والمهر وغيرها من المصطلحات الخارجة من سلسلة "باب الحارة". أنت طالق، قال في النهاية وهو يضحك. 

ولأن البؤس الديني - الشرعي، والقهر الإنساني لقصص السوريين اللاجئين كريما، لا ينتهي، لا بد أن يضيف "القدر" لمسات عبثية من بطولة بيروت، حيث انقطع الإنترنت ثلاث مرات خلال تسجيل الطلاق عبر الكاميرا، واضطررنا إلى إعادة التسجيل من البداية في كل مرة ونحن نقول أسماءنا الثلاثية والغرض من وجودنا للشهادة، لم أخجل وضحكت على الموقف رغم التشنج العصبي المحيط بالغرفة المظلمة شبه الخالية من الأثاث. في النهاية لم تكن الكاميرا تحوي ذاكرة كافية، وسجلنا المقطع من جديد عبر الجهاز اللوحي الخاص بي لعرضه على القاضي في الصباح التالي.

لا شيء يتغير في بيروت، نفس البؤس يستمر إلى الأبد، لكنها ريما مع ذلك تفضل طقسها وقلة نظامها المروري على أوروبا حيث الوحدة والبرد وقلة الشمس والنقود كما تخبرني في طريقنا إلى المحكمة صباح اليوم التالي. أرفض هذه الفكرة من صميم قلبي، "لا شيء أسوأ من بيروت" أقول لها، لكنها لا تجيب، بل تشير إلى محل صغير قرب المحكمة اشترت منه قبل سنوات الفستان الذي ارتدته عندما تزوجت، ربما يجب أن تشتري فستاناً منه أيضاً احتفالاً بطلاقها.

وبعد العناء المرير لمقابلة الشيوخ وارتداء ريما للحجاب الإجباري كي تدخل المحكمة، رفض القاضي الطلب. عودي بعد ثلاثة أشهر فعلى المحكمة التواصل مع الزوج شخصياً كي تتأكد أنه يريد طلاقك. الشرع يقول ذلك، علينا أن ننصحك بأن الشرع يكره الطلاق. لم أفهم يوماً هذا الشرع القاسي الذي يجبر الأفراد على البكاء في الشارع وأنا أشاهد ريما المنكسرة وهي تبكي جهودها الضائعة أمام باب المحكمة. خاصة أنها لن تستطيع الحضور إلى بيروت مرة أخرى بسبب شروط الإقامة الألمانية الصارمة، ما يعني أن طلاقها بات حلماً لن يتحقق على الأغلب.

أخبرتني ريما لاحقاً أنها وجدت طريقة أخرى للطلاق بسرعة، عبر توكيل زوجها لشخص في بيروت عبر السفارة اللبنانية في السويد، كي يوقع الأوراق الرسمية نيابة عنه. لكن ذلك لن يمحو القهر الذي شعرت به في بيروت في الساعات القليلة التي أمضتها هنا، وعندما غادرت كانت على يقين بأن بيروت بكل شمسها والأصدقاء فيها ليست أفضل من برلين في شيء. أو على الأقل هذا ما أوهمت به نفسي وأنا أحيي آمالي القديمة بالسفر المستحيل قريباً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها