آخر تحديث:12:23(بيروت)
الجمعة 21/04/2017
share

سحر الطهاة

محمد حجيري | الجمعة 21/04/2017
شارك المقال :
  • 0

سحر الطهاة نجم في محطة مترهلة
خلال مرحلة التسعينات من القرن الماضي، كان نقد شعبية كتب الطبخ في الصفحات الثقافية، يحصل على خلفية السخرية من "الثقافة العربية" عموماً و"أزمة القراءة" تحديداً، وغلبة "ثقافة المعدة" على "نظريات العقل" في العالم العربي، كان شعار "أقرب طريق الى قلب الرجل معدته" يطيح بقصائد الغزل، وكثيرون من الشعراء الجدد والصحافيين وغلاة الحداثة ينظرون بازدراء الى لائحة "الكتب الأكثر مبيعاً" في معرض بيروت للكتاب، في اعتبار انها تتضمن كتب الطبخ والابراج، وتزيد حمى الازدراء لأن إدارة المعرض تضع الطبخ في خانة "كتب الفنون" مع المسرح والغناء والموسيقى والديكور والأزياء. ما لم ينتبه اليه نقاد ثقافة المعدة، أن بعض الطهاة من خلال برامجهم التلفزيونية وكتبهم، لهم روحيتهم وعالمهم وسحرهم، لهم فنهم أكثر من غيرهم.


واذ أجرينا مقارنة عابرة بين الطبخ والكتابة، نجد ميزة الكاتب الجيد سلاسة قلمه لجذب القارئ، وفي الطبخ هناك "نفس" الطاهي الذي يفتح شهية المشاهد او العائلة على طبقه في الواقع او في الصورة، الكتابة ليست مجرد صف حكي والطبخ ليس مجرد مقادير تشعل تحتها النار، ثمة لمسة خاصة تجعل من هذا الطباخ شعبيا نجماً على الشاشة ويتحول دجاجة تبيض ذهباً، بينما الكثير من الطهاة يطلون يومياً على الشاشة ولكن بالكاد نتابعهم، وكثيرون سريعاً ما ننساهم ما ان يغادروا الشاشة، هي لعبة المنافسة التي لها ادواتها واسرارها وميديائيتها وناسها. ولكل طاه شخصيته ولغته وطريقته وأسلوبه وكاريزماه ووسائل اقناعه وجذبه، واذ اجرينا استطلاعاً سريعا لمشاهير الطهاة، نجد ان الشيف رمزي استطاع أن يكون حضوره في تقديم الوجبات على قناة المستقبل في التسعينات، وسرعان ما أفل نجمه، وهو كان يبالغ في مأكولات تحتاج الكثير من المواد والوقت... لاحقا اطل الشيف شادي على القناة نفسها في برنامج "رشة ملح"، كان يحاول الابتكار، لكنه في تقديمه يبدو مستعجلاً ومزدحماً في شرح مقادير الحلويات والترويقة والغداء، وهو سرعان ما غادر المستقبل ربما بسبب ازمتها المالية الى قناة عربية اخرى... الاردنية منال العالم تميل الى التقنية السريعة ربما بسبب الوقت المحدد لها على محطة ابو ظبي وغيرها، وهي معروفة بملكة المطبخ العربي تعتبر من المؤثرين على وسائل التواصل الإجتماعي، السوري محمد أورفلي على قناة "فتافيت" يبدو أكاديميا بامتياز، لديه لمسته وقدرته وامكاناته على تقديم المأكولات الحلبية والأجنبية، والشيف انطوان(الحاج) برغم انه على شاشة تلفزيون لبنان "المترهلة"، بات ستار الطهي في لبنان، له ميزته الى جانب انه طاه، استطاع حجز مساحة له في فن الأطباق وطهوها عبر مئات الوصفات من الطليانية (السباغيتي) حتى البلدية الجردية (المجدرة). يقدم الأطباق بطريقة تقليدية تجذب المدامات (النساء، ربات المنازل، والجدات)، وهو يصف ميله للطبخ بـ"الفطري"، يطبخ بأسلوب عائلي ولا يتبع المبالغة في التقديم، لا ينصح بشراء المواد الباهظة الثمن، يرشد المتصلين والمتصلات الى كيفية صناعة المونة في البيت سواء وضعها في الثلاجة او من خلال المخللات، بطريقته العفوية ولهجته الجبلية وصوته الذي أصبح ماركة مسجلة، ويحل ضيفاً على البرامج الترفيهية ويشارك في الأغاني، وأصبح عنواناً لاستلهام لقطات "كوميدية" في برامج الترفيه اللبنانية، يقلده ايلي الراعي، وينتظر "زحطاته" عادل كرم في "هيدا حكي"، وهشام حداد في "لهون وبس"، وايلي سليمان في "منا وجر"، احيانا هناك مبالغة وسماجة في التعاطي مع الشيف انطوان، كأن بعض البرامج تستسهل مراقبة اتصالات المشاهدين معه، وطريقة رده ولهجته، ولا يتردد الشيف انطوان في افتعال بعض "الزحطات" ليشاهد نفسه في برنامج الاخرين وتوجيه الرسائل اليهم، هم يتهكمون عليه وفي الوقت نفسه يقدمون له نوعاً من دعاية مجانية...


أما ما تقدمه "تيتا لطيفة" في برنامج "على نار لطيفة" على قناة اورنج، فهو أشبه بتطفل على عالم الطهي، أو لزوم ما لا يلزم، فالسيدة التي تعتبر الأكثر سنا في تقديم البرامج الى جانب مريم نور، تستضيف كل يوم مواطناً (أو مواطنة) عادياً أو هاوياَ ليقدم تجربته في الطهي والحلويات، كأنها تستهلك الهواء من غير رشد، هي الحاضرة الدائمة وتستقبل ضيوفها وكثيراً ما تضجر من طبخهم فتدخل في متاهة الأمور الشخصية، تسألهم عن هويتهم ومناطقهم ودساكرهم وأسرار قلوبهم وبيوتهم(العلاقة بين الكنة والحماة)، وأحيانا يتحول الطهي نوعاً من اختبار اصوات اذ يمارس بعضهم هوايته في الغناء، ولطيفة أيضا مصيدة مملة وممجوجة للزحطات التلفزيونية التي تستعملها البرامج الترفيهية.
 أثبتت الوقائع ان للطبخ جمهوره الكبير... إذ أطلقت قنوات متخصصة في الطبخ (فتافيت) وتحولت برامج الطبخ (منال العالم، الشيف انطوان)، بسبب شعبيتها ومنتظريها، مادة اعلانية للآواني المنزلية واللحومات والدجاج، وهي أيضا تشكل مقدمة لاصدار كتب الطبخ (أو الاقراص المدمجة) كما فعل الشيف رمزي في البداية ولاحقا منال العالم ومحمد اورفلي والشيف انطوان والشيف شادي...

لم يعد بالإمكان الاستخفاف بثقافة الطبخ، خصوصاً بعد تحولها من مادة ورقية أو كتب إلى برامج بصرية تلفزيونية متكاملة ومسابقات (ماستر شيف) دون أن ننسى الهويات الفلكلورية والصراعات على الأرقام القياسية في موسوعة غينيس (اكبر صحن تبولة أكبر صحن حمص، أكبر كوب عصير) وبالطبع طوفان مطاعم الفاست فود والبلدي والصيني والتركي والطلياني والياباني والحلبي والمكسيكي...
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب