آخر تحديث:17:47(بيروت)
الخميس 20/04/2017
share

وحدهم الموالون يستغربون إساءات النظام لأهالي كفريا والفوعة

وليد بركسية | الخميس 20/04/2017
شارك المقال :
  • 0

وحدهم الموالون يستغربون إساءات النظام لأهالي كفريا والفوعة تشرد أهالي كفريا والفوعة في حمص (فايسبوك)
وحدهم الموالون للنظام السوري يبدون دهشتهم من الطريقة التي استقبل بها النظام أهالي بلدتي كفريا والفوعة، من مدنيين ومسلحين، والذين لم يجدوا أحداً في استقبالهم عند وصولهم إلى حمص بموجب اتفاق "المدن الأربعة"، واضطروا إلى البقاء ساعات طويلة في العراء، والنوم على الأرصفة بمنطقة حسياء، قبل أن تُنشر صورهم المحزنة تلك عبر الصفحات الموالية والبروفايلات الشخصية لمؤيدي النظام السوري، في مواقع التواصل، مع عبارات غاضبة تستهجن "الفعل المشين من الدولة بحق الصامدين".


هذه الدهشة والاستهجان، استنفذها المعارضون والمراقبون المحايدون منذ سنوات طويلة. فتركُ النظام بعض الموالين له ينامون ليلة واحدة في العراء، ليس بتلك الجريمة الفظيعة مقارنة بما قام به النظام منذ العام 2011 مع إطلاقه الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين، وليس فعلاً مروعاً بمقدار رميه البراميل المتفجرة وارتكابه المجازر بحق المدنيين المحاصرين، كما أنه ليس شنيعاً بقدر استخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون وقبلها الغوطة. 



لا يحتاج الأمر إلى ذكاء فائق للحديث عن لا إنسانية النظام، تجاه مواليه قبل معارضيه، مع موجات استياء داخلية متتالية حول قطاع الخدمات والخدمة العسكرية والكهرباء والوضع الاقتصادي، لكنها ربما المرة الأولى التي تصبح "حقوق الإنسان" هي محور الانتقادات، وإن كانت تأتي بالحد الأدنى عبر ربطها بالطائفة والولاء السياسي، كشرط/سبب للتعاطف الوحيد مع مشردي كفريا والفوعة، دون حالتهم المجردة نفسها. علماً أن عشرات الصور لنازحين مماثلين في العاصمة دمشق، وهم ينامون في الشوارع وعلى الأرصفة، لا تثير استياء مماثلاً، لأن أصحابها في المخيلة الشعبية الموالية، ينتمون إلى مناطق معارضة، وهو سبب كاف لتلقيهم نقمة عامة، وتُذكر هنا صورة المشردة الشهيرة في أوتوستراد المزة، التي انتشرت بعد ساعات من تنظيم ماراثون للسلام هناك.

وهكذا، تبقى الانتقادات في الصفحات الموالية ناقصة، ولا ترى سوى جزء واحد من الصورة، فتقتصر على انتقاد محافظ حمص طلال البرازي "كسبب للإهمال والتقصير"، وكأن المشكلة بسيطة وعابرة وليست إرثاً من الأيديولوجية الفكرية التي تقوم عليها السياسة الشمولية للنظام الأسدي، حيث لا عقد اجتماعياً يحترم المواطنين والمدنيين، بل يراهم مجرد أدوات يستغلهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على كافة المستويات. علماً أن هذه الطريقة متكررة في انتقادات الموالين للسلطة في كل الملفات، وفيها يكون أعضاء في السلطة التنفيذية من وزراء ومسؤولين، مقصرين، لا القيادة السياسية "الحكيمة"، رغم كونهما في الحقيقة شيئاً واحداً، مع عدم وجود فصل للسلطات في البلاد تقنياً!



والحال أن الأسلوب السابق هو تطبيق حرفي لنموذج "امتصاص الصدمات" الذي عممه إعلام النظام والصفحات الموالية له عبر السوشيال ميديا، ويقضي بإفساح مجال محدد سلفاً لـ"حرية التعبير" المشوهة هذه، كمتنفس لخزّانه البشري في الداخل، أمام توجيه انتقادات حقيقية قد تخرج في أي لحظة عن السيطرة.

تبرز هنا الانتقادات الحقيقية للنظام والتي أتت من أهالي كفريا والفوعة أنفسهم، والذين ما زالوا في مناطق سيطرة المعارضة بعد تفجير حافلاتهم في حي الراشدين، مع استقبال قوات المعارضة لهم ومعالجة المصابين أيضاً. وتحدث أولئك المدنيون، وأغلبهم من النساء والأطفال، لقناة "الجزيرة"، عن ظروف التفجير وخوفهم من أن يتركهم النظام السوري مشردين بعدما فقدوا أحبتهم وعائلاتهم وأولادهم، متهمين إيران و"حزب الله" والنظام بأنهم أسباب الحصار الطويل عليهم لأكثر من سنتين.

اللافت في ذلك اللقاء الذي بثته "الجزيرة" قبل أيام، أنه يقدم تخوفاً لدى أهالي كفريا والفوعة من تخلي النظام عنهم وغدره بهم ومعاملتم بطريقة غير لائقة إنسانياً، وطاولت تلك المخاوف والانتقادات كلاً من إيران و"حزب الله" أيضاً، مع مطالبة المدنيين بأن تقوم هيئات إنسانية محايدة مثل الهلال الأحمر بالتكفل بنقلهم وتأمين أوضاعهم، لأنهم "لا يثقون بالنظام وإيران وحزب الله"، بعد كل هذه السنوات من الحصار، مع الإشارة إلى الترحيب والمعاملة اللائقة التي عوملوا بها من قبل قوات المعارضة المعتدلة.




التناقض السابق مبهر لدرجة لا تصدق، لأن الظلم يمس للمرة الأولى مدنيين من الطائفة الشيعية، بشكل يعاكس رواية النظام الدائمة حول إرهابية المعارضة "السنية" ضد الأقليات، كما أنه يبرز غطرسة النظام ضد الشعب عموماً، وحتى المحسوبين عليه مذهبياً بعدما أصبحوا بلا فائدة سياسية أو عسكرية أو إعلامية. وهذا ما يدركه أهالي كفريا والفوعة الذين لمسوا قدرة النظام الخاصة على نبذ مواليه والتخلي عنهم، لأتفه الأسباب.

والحال أن النظام يتخدم هؤلاء المدنيين لإيصال رسالة سياسية إلى حليفته إيران، التي كانت هي الراعي الوحيد لاتفاق "المدن الأربعة"، وأجبرت النظام على القبول بالصفقة، في وقت لم يكن النظام فيه يرغب بفك الحصار أصلاً عن كفريا والفوعة، بل كان يفضل الاحتفاظ بحالتهما كما هي، كورقة ضغط دولية في يده لا أكثر.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها