آخر تحديث:17:27(بيروت)
الأحد 16/04/2017
share

مصر: رَسم مالي لدخول "فايسبوك".. النظام يُجنّ!

أحمد ندا | الأحد 16/04/2017
شارك المقال :
  • 0

مصر: رَسم مالي لدخول "فايسبوك".. النظام يُجنّ! هل تدرك السلطة معنى الخصام مع شركات عالمية عملاقة؟
"الفايسبوك باشتراك شهري في مصر"، هذه ليس نكتة ولا موضوعاً من موضوعات الأخبار الساخرة، بل طرح حقيقي شغل البرلمان المصري، اليومين الماضيين، وساهم في "صياغته" واقتراحه عدد كبير من النواب، منهم وكيل لجنة الدفاع اللواء يحيى كدواني، ووكيل لجنة حقوق الإنسان محمد الكومي، أما صاحب الاقتراح الأول فهو محمد عمارة المنتمي إلى حزب "مستقبل وطن".

السبب وراء هذه الدعوة الهزلية، هو ما يفعله "فايسبوك" من "تحريض ضد مؤسسات الدولة والحث على نشر الفوضى وتهديد السلم الاجتماعي، بالإضافة إلى زيادة معدلات الطلاق بسببه أمام محاكم الأسرة".

وقال النائب عمارة في بيان، أنه تقدم بمقترح لعدد من المؤسسات فى الدولة بضرورة فرض ثمن مالي لكل ساعة "فايسبوك" بحد أدنى يبلغ ٣٠ جنيهاً (2 دولار تقريباً)، من خلال شركات الاتصالات الثلاث، والجهاز القومي للاتصالات، وذلك "لتقنين وضع مثل هذه المواقع من ناحية وتوفير المليارات لخزينة الدولة من ناحية أخرى، فى ظل تحقيق ملّاك ذلك الموقع ملايين الدولارات فى الثانية الواحدة مقابل استخدام الشباب للفايسبوك". وأضاف إن المعدل الأدنى لاستخدام "فايسبوك" خلال ساعة واحدة لن يقل عن مليون مستخدم يومياً، ما يعني توفير 30 مليون جنيه لخزينة الدولة!


ووجدت الرسوم التي اقترحها عمارة، صدىً واسعاً لدى بقية النواب في البرلمان، فخرج وكيل لجنة حقوق الإنسان محمد الكومي ليقول: "إذا تضرر الأمن القومي فلا تحدثني عن حقوق الإنسان، يجب أن يكون (فايسبوك) برسوم تحددها الدولة، ولتكن بـ200 جنيه (10 دولارات تقريباً)".

وعلى الرغم من أن الحكاية كلها تثير الضحك، وتصلح لأن تكون خبراً في أقسام المنوعات في الصحف العالمية، مثل بقية الأخبار المصرية المتواجدة في تلك الأقسام منذ سنين، إلا أنها تحمل في معناها عدداً من السيناريوهات وراء هذا الضجيج العجيب وتوقيته. فإما أن هؤلاء النواب ليسوا على علم بطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، وما هو الإنترنت من الأساس، ليطالبوا بما تستحيل السيطرة عليه، أو أن الأمر مرتبط بتوقيت هذا المقترح، أي بعد فرض قانون الطوارئ في البلاد مباشرة، وهو القانون الذي يضمن سيطرة من الدولة على كل شيء باستثناء مواقع التواصل الاجتماعي.

بالتالي، لا يتعدى المطلوب من مثل هذه المقترحات سوى "جس النبض" لإبصار صداها وكيف سيتعاطى معها الرأي العام، تمهيداً لقوانين الجريمة الإلكترونية المرتقب صدورها في أي لحظة، والتي قد تتضمن بناء على المقترحات الحالية، نصوصاً تجرّم الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي وربط تلك "الجريمة" بعقوبات محتملة! وذلك نظراً إلى استحالة المضي قدماً في خطوة فرض رَسم مالي على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

وعليه، يضرب المقترح على وترين مهمين، الأول هو السيطرة الأمنية، والثاني هو المصادر المالية. لذلك لم يُطرح الخيار الأمني ضد مواقع التواصل وحيداً، بل أُرفق بفكرة "الرسوم" مسيلاً لعاب الجباة في الدولة، حيث أن مصر تعتبر من أكثر الدول المستخدمة لـ "فايسبوك" ومواقع التواصل الاجتماعي عموماً في العالم، وبالتالي إذا فُرضت رسوم مالية على استخدام هذه المواقع ستدخل الملايين إلى خزينة الدولة في وقت قصير.


إن هاجس السيطرة على الفضاء العام البديل، في الإنترنت، ليس جديداً على الأنظمة المصرية الثلاثة خلال السنوات العشر الأخيرة. نظام حسني مبارك عبر جهاز داخليته، أيام حبيب العادلي، لاحق المدوّنين الذين وثّقوا حالات التعذيب، كما لاحق مؤسسي صفحات في "فايسبوك" ضد التجنيد أواخر العام 2009 ومطلع 2010، وذلك بالطبع قبل واقعة خالد سعيد الشهيرة، شرارة الثورة. ويكفي أن أول قرار اتخذه نظام مبارك بعد التظاهرات هو قطع الاتصالات والإنترنت، وهو ما ثبتت استحالة السيطرة عليه أيضاً.

ولم يتمكن "الأخوان" في فترة حكمهم من أخذ خطوات كافية في هذا المجال، لكنهم بالفعل كانوا قد بدأوا البحث عن شركات أميركية معنيّة بالأمن الإلكتروني لمراقبة "فايسبوك" و"تويتر" تحديداً، وهو ما لم يتم لأسباب معلومة.

لكن نظام عبد الفتاح السيسي ورث ذلك الهوس بمواقع التواصل الاجتماعي. فخرجت أخبار في بداية حكم السيسي، أنه يسعى إلى حجب مواقع عبر الإنترنت، مثل السعودية والإمارات، لكن التكلفة المادية وتأثير ذلك في سرعة الإنترنت البطيئة أصلاً في مصر، جعلا هذه الفكرة لا تُنفذ عملياً. ثم تحول الأمر إلى التعاقد مع شركة لمراقبة كلمات مفتاحية تدل على إرهابيين أو المهتمين بهذا المجال.

ويبدو أن النظام "سوف يجن" من عدم قدرته على السيطرة على الفضاء الإلكتروني، كما تغيب عنه بداهة أن فرض "تسعيرة دخول" على هذه المواقع يناقض فكرة وجودها في حد ذاته، وأنها تابعة لشركات رؤوس أموالها بعشرات المليارات، ما يفوق ميزانية مصر نفسها، وأن الخصومة لن تكون مع أصحاب الحسابات المصرية بقدر ما ستكون مع شركات عملاقة مثل "فايسبوك" و"تويتر" و"غوغل"، والتي قد تسوق النظام إلى محكمة دولية ما، للسيطرة على الضرر الاقتصادي الذي تسببت به.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها