آخر تحديث:16:45(بيروت)
السبت 02/12/2017
share

دفاعاً عن الجنس على الشاشة.. وخارجها

أحمد ندا | السبت 02/12/2017
شارك المقال :
  • 0

دفاعاً عن الجنس على الشاشة.. وخارجها
ما حدث لم يكن خارجا عن المتوقع. شيماء أحمد، المغنية ابنة الواحد وعشرين عاما أمام النيابة بتهمة معلومة سلفاً وهي "التحريض على الفسق والفجور وخدش الحياء والآداب العامة"، بسبب فيديو كليب "عندي ظروف". علم كل من رأى الكليب ما يحدث معها اليوم وأشفق عليها من مصير سبقها إليه روائي ومغنية وراقصة.

العقوبة هذه المرة كانت على الإيحاء لا التصريح. على الرمز لا المعنى. ثمة إجماع من المتعاطفين والغاضبين على أن الكليب "جنسي"، لكنه جنسي دون جنس. بروية، لم ينتج عن الكليب أي جنس حقيقي وإنما إشارة رمزية إليه، دون حتى أن يكون فيه مداخل إلى الجنس أو ما يحوم حوله، لا يتضمن حتى ما اصطلح على تسميته "soft porn". تلك المشاهد التي تحتوي أداءات حميمية وبعض التعري بلا عملية جنسية واضحة.










الكليب ببساطة راهن على الرمز فعلاً، فهو لم يتضمن رقصاً موحياً كما في كليب شاكيرا المصرية "الكمون"، ولا كشفا جسديا واضحا كما في كليب "سيب إيدي" لسلمى الفولي، بل إنه كان على مسافة من كل ذلك بعدد من الرموز: "69" على السبورة، اللعب بحمالة الصدر، الموزة والحليب المصبوب، لعق التفاحة. كلها علامات ورموز اصطلح على قبولها إشارة لتفاصيل جنسية، كان ظهورها ضرورة للهروب من التصريح، للمراوغة.

هو في مضمونه "لعب" مع الجنسانية بالتعريف الفوكوي بما هي تقنيات وآليات تدار بها الحياة الجنسية بمعناها الواسع والشامل، العلم الأركيولوجي الذي يسمح بالكشف عن التقنيات التي تستطيع الذات بواسطتها الإفلات من ضغوط السلطات التي تكبح جماح رغباتها وسلوكياتها والتمرد على المعرفة التي تصادر حضورها ومتعها.

لكن آليات المراوغة هذه، صارت في حد ذاتها عرضة للمساءلة. الفكرة إذن ليست في الجنس، لكن في خطابه الذي يهدف إلى المطابقة بين السلوك الجنسي للأفراد والمجتمعات، والمنظومات الأخلاقية والدينية. المجتمع المصري إذن ليس مهووسا بالجنس، فهذا المستوى صار بعيدا عن التحقق في المجال العام، لكن برموزه وما تدل عليه. فما يهدف إليه فهم الرموز ليس فكراً مخبأً خلف الرموز، وإنما فكر يمكنه الانطلاق من الرموز، ويسعى لتفحص وتأويل ما تكشفه الرموز وتشير إليه، بخصوص الواقع عموماً، والواقع الإنساني بشكلٍ خاص، كما يذهب بول ريكور.

لا يختلف كثيرا عن رفع علم قوس القزح في حفلة مشروع ليلى التي بسببها قامت الدنيا في مصر، فالسلطة فسرت رفع العلم على أنه إعلان عن هوية جنسية، وعليها قامت مؤسساتها بالهجوم. الفكرة في الإعلان عن الهوية، لا دعم المثليين، افترضت فورا أن رافع العلم يعلن عن مثليته أمام الجميع، وهو المرجح فعلا، لكنها لم تترك أي فرصة لقماشة ملونة أن ترتفع في حفلة.

عودة إلى كليب شيما، وإذا سلمنا بـ"إباحيته" أو كما عبّر البعض أنه خطوة على طريق البورنو المصري، فما التعارض بينه وبين الفن؟ وكيف يتورط المدافعون قبل المعارضين في الحكم القيمي الأخلاقي على منتج يقدم نفسه باعتباره منتجاً فنياً؟ خاصة أن مضمون التعليق على الكليب بأنه رديء وسبب الرداءة إيروتيكي. ذلك أن الإيروتيكا في الكليب لم تخرج من سياقاتها المتفق عليها، ليست من لوحة تشكيلية من عصر النهضة، وليست من صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، كما أنها ليست رواية مثقلة بالمجاز اللغوي عن الجنس، أو ما هو على شاكلتها؛ هذه هي السياقات الفنية التي "تُقبل" معها الإيروتيكا باعتبارها موضوعاً فنياً. هكذا يتورط الجميع في فن منزوع من واحدة من محفزاته وعناصره، دون اكتشاف أن هذه النظرة تحمل تقييماً متعالياً، بمعناه الفلسفي، للجنس.

ثمة خلخلة تحدث في المجتمع في نظرته للقيم الأخلاقية التي تقادمت واستقرت، وبدأت تفتت نفسها بعد الثورة. وشيماً تنتمي إلى جيل جديد لم يتربَ على "بداهاتنا" الأخلاقية، يشق طريقه في مواجهة الجميع، ويريد أن يفسح لفوضاه الأخلاقية مكاناً. تظهر تجليات ذلك في مواقف صغيرة، فردية، ومحاولات للتقويض، بعلم مرفوع وكليب.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها