آخر تحديث:16:12(بيروت)
الإثنين 09/10/2017
share

وكُتب على السوريين عصمت رشيد

تمام هنيدي | الإثنين 09/10/2017
شارك المقال :
  • 0

وكُتب على السوريين عصمت رشيد إذا اضطرَّك الأمر قد تقول: بتشارط إني سوري وما بشجع المنتخب؟! (غيتي)
في بدايات التسعينيات، كان أبي لا يزال ضابطًا في الجيش السوري، وهو الذي تطوّع في مطالع ستينيات القرن العشرين. وقبل أن يُحال إلى التقاعد في العام 1995، انتشر خبرٌ في السويداء (القصيّة نوعًا ما عن أيّ نشاط يُمكنُ أن يكون "جماهيريًا")، أنّ منتخب شباب سوريا سيلعب مباراة مع النادي العربي، نادي السويداء الأبرز. اعتُبر الأمر آنذاك حدثًا في مدينةٍ اقتصرَ تجمهرُ الناسِ فيها على حضور المناسبات الاجتماعية، أفراح وأتراح والسلام عليكم، لا سيّما أنّ منتخب الشباب في ذلك الوقت كان قد تحصّل على سمعةٍ رفيعة من خلال تأهلهِ لنهائيات كأس العالم للشباب العام 1991. كنتُ طفلاً حينذاك، وكانت علاقتي بكُرة القدم قد بدأت قبل ذلك بسنوات قليلة. قد لا أتذكّرُ من دورة المتوسط التي استضافتها سوريا في العام 1987 إلا مشاهد أقرب للمنامات منها إلى الحقائق، لكنّ الدورة ظلّت عالقةً في بالي، أسوةً بكلّ السوريين، من خلال صوت عدنان بوظو، وجاكيت عصمت رشيد الأحمر الفاقع، الذي ظلّ يزيّنُ الشاشة السورية إثر كلّ مباراة للمنتخب، وقبضةِ يدهِ التي تضربُ على كفّ يدهِ الثانية في أغنيتهِ الخالدة: "دقّوا عالخشب يا حبايب".

وبما أنّ الجمهور السوري لم يحتج بعدها كثيرًا لأغنياتٍ تثير حماسته، بحكم قلة تواجد المنتخب في "محافل دولية" ذات قيمة، فقد كُتبَ على هذا الجمهور أن يتعرّض للفنان عصمت رشيد لفترة زمنية طويلة، وقد كنتُ واحدًا من هؤلاء!

طلبتُ من أبي أن أحضر المباراة، وكان أن اصطحبني بالفعل إلى الملعب البلدي، الذي كان ترابيًا في ذلك الوقت، وظلّ كذلك حتى سنوات تلت عهد التحديث والتطوير، إلى أن جاء دورُ أرضيّته فنالت حصّتها من الحداثة وجُدّدَ تعشيبُها، ومُنِعَ لاعبو الفئات العمرية في النادي من اللعب عليها بذريعة الحفاظ على العشب للمناسبات المهمة!

واستغلّ أبي منصبه، لمرّةٍ لا أعلمُ إن كانت وحيدة، لكنها حتمًا من المرات النادرة، ودخلَ إلى المضمار المحيط بالملعب مُمسكاً بيدي طِفلاً، من دونِ أن يُضطرّ حتى لأن يسأل إن كان بإمكانِهِ أن يفعل هذا أم لا. فكان أن جلستُ في المضمار، على التراب طبعًا، وشاهدتُ منتخب شباب سوريا بوجوه لاعبيه المعفّرة بغبار وأتربة أرضيّةِ ملعبِنا الكريم. وطوال المباراة كنتُ أردّدُ أغنيةَ عصمت رشيد اللطيفة، مشددًا على مقطعها القائل: "بدنا غول/ هاتوا الغول/ يهز الملعب/ عرض وطول"... و"بالملعب معكم موعدنا/ والنصر انشالله لبلدنا"!


كنتُ طفلًا، وتأخرتُ حتّى تساءلت: على من سوف ينتصر بلدنا؟!

لم يكن السؤالُ مهماً على أي حال في ذلك الوقت. مجزرةُ حماه انتهت بصمت. قلّة قليلة من السوريين كانت تعلمُ أنّ ثمة جريمة راح ضحيّتها كثيرون، من محبّي المنتخب والعاديين، وأنّ دورة المتوسّط في حدّ ذاتِها جاءت فرصةً ممتازة للنظام السوري على المستوى الدوليّ حينذاك ليخرجَ إلى العالم بصورةِ القادر على تنظيمِ احتفاليّاتٍ "سافرة" مدنية. وكانت فرصةً للتنكيلِ بالسوريين أيضًا، إذ قدّمت إضافةً مهمةً للائحة طويلةٍ من أسباب "وهن نفسية الأمة"، التي يُحاكمُ عليها القانون بالحبس على الأقل. سبقتها حملةُ نزع الحجاب قسرًا عن رؤوس السوريات المُحجبات من قبل عناصر سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد.

على المرء أن يتذكّرَ كلّ شيء...

وهو يفعلُ ذلك بشكل لا إراديٍّ أصلًا، فما الحالُ وقد حباهُ اللهُ بضجيجٍ متقنٍ ومملٍّ ومزعجٍ يطاردُهُ كلّ يومٍ لتذكيره بهويّتهِ السوريّة؟! وهذه الأيام، يصلُ الضجيجُ إلى مراحلَ يصعبُ على المرء تفاديها، فلا يتركُ لهُ فرصةً للخلاف والاختلاف. كما لم يظهر عبقريٌّ واحدٌ يستطيعُ إقناعَ البشرِ بأنهم مختلفون في الأصل! كيف تُقنعُ سوريًا أنك سوريٌّ أيضًا، ومع ذلك تستطيع ألا تُشجعُ منتخبَ سوريا في تصفيات كأس العالم؟! وأنّك إذا اضطُرَّكَ الأمر قد تقولُ لهُ: بتشارط إني ما بشجع المنتخب؟!

بالأمس، يومَ تأهلَ منتخبُ مصرَ إلى مونديال روسيا، حضرتُ اللقاءَ مع مصريين كثر في مالمو، وقال لي أحدُهم، وكان يُشجّعُ الكونغو ضدّ منتخبِ مصر: "المصريين بقالهُم خمسين سنة تحت الحكم العسكري، ومش طايقين إنّهم من 28 سنة ما راحوش كاس عالم... الناس دي ما بتحسّش؟!... بكرا الجرانين الصبح تطلع تقولّك السيسي حطّ الغوال".

لا أحدَ يذكرُ دورة المتوسط من دون ذكرِ حافظِ الأسد. يعتقدُ كثيرون، لجهلٍ ربما أو لقلّةِ حيلة، أنّ الصحافة العالمية كانت منشغلةً بأحمد عيد، حارس المنتخب السوريّ الذي تصدّى لركلات الجزاء في دورة المتوسّط. وأنّ بيتر آرنِت، مراسل "سي أن أن" الحربي في العراق في الثمانينيات، خصصَ إحدى زياراته الشرق أوسطية لسوريا، لكي يجري لقاءً مع وليد أبو السلّ!

كان العالمُ حينَها منشغلًا بانهيارِ الاتحادِ السوفياتي، والحرب العراقية الإيرانية، والعراقية الكويتية، ولم يكُن يُلقي بالًا لكلّ هذا... وكان منشغلًا أيضًا، على الدوام، بصورة حافظ الأسد التي تتوسّطُ قلبًا من الورود في بثّ التلفزيون السوريّ لمجريات الدورة، إذا أرادَ أحد أن يتذكرها...

ألم نقل إنّ على المرء أن يتذكرَ كلّ شيء؟!

ولا أظننا نختلف في أنّ التاريخ سيصعبُ عليهِ تذكّر أغنية "الفرحة السورية" وتمايل قصيّ خولي "الكول" المدني فيها! التاريخ أرصن مما تظنّون!

ولن يتذكّر التاريخ أيضاً، سوءَ استخدامَ أبي للمنصب منذُ زمن، وإدخالي إلى مضمار ملعب السويداء الترابيّ لأشجّعَ منتخبَ سوريا، بدلًا من الجلوسِ مع الدهماء في المدرجات! العالمَ اليوم منشغلٌ بالضرورة بما هو أهمّ... بموتِ لاعبين سوريين تحت التعذيب مثلًا، أو بصورةِ حارسِ منتخبِ سوريا ابراهيم عالمة يتأبّطُ بندقيةَ كلاشنكوف مسالمة... ومدنية سافرة أيضاً.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب