آخر تحديث:12:39(بيروت)
الأربعاء 11/10/2017
share

الخطاب القومي الايراني والتركي.. وحدود الجيران المطاطيّة

نورس كمالي | الأربعاء 11/10/2017
شارك المقال :
  • 0

الخطاب القومي الايراني والتركي.. وحدود الجيران المطاطيّة انه التلاقي الإيراني التركي حول استفتاء كردستان
"كركوك هي الولاية التركيّة الـ82، والموصل هي الـ83".  يُنهي زعيم حزب الحركة القوميّة التركي (MHP) دولت بهجلي، كلمته التي ألقاها قبل أيام أمام أعضاء حزبه، فيلتقي في ملامح خطاب هذا السياسي العتيق، مع صورة رجل الدين الإيراني مهدي طائب.
حروفٌ وكلمات تركيّة خرجت من بهجلي، لكن المَنطق، إيراني بحت! فقبل سنوات، وصف الأستاذ في حوزة "قم" مهدي طائب، سوريا، بالمحافظة الإيرانيّة الرقم 35. واليوم يتحدث ذلك القوميّ التركي بمنطق "المحافظات" و"الولايات" ذاته، رغم أن المسألة هذه المرّة ترتبط بشمال العراق وليس بسوريا، كما أن ظروف ودوافع التصريحات بين الحالتين تختلف كليّاً أو جزئياًّ.

صورة السياسي التركي العريق، تكشف "التلاقي الإيراني التركي" الذي لم يَخفَ على رواد السوشال ميديا. هنا، تصادف مروحة واسعة من الطروحات تبدأ بالتنسيق بين الدولتين للردّ على استفتاء إقليم كردستان العراق، ولا تنتهي باعتبارهما "جزيرتي الاستقرار" في المنطقة.

وفي مثل هذه الحالات يصبح من السهل أيضاً الانزلاق والعودة إلى تداول الصورة من زاوية الإنسان العربيّ المتحسّر خائب الأمل: "إنّه حِلفْ الإمبراطوريات القديمة المتجددة على حسابنا نحن الجيران". 

تلك الرؤية لن تقف عند هذا الحدّ وستكون لها استطراداتها، خصوصاً إذا ما كان جزء من الجمهور العربي يعود في كل مرّة ليُمنّي النفس بـ"أسد سنّةٍ" أو "وليّ فقيه" ينتصر لقضاياه أو مظلومياته، ثم تأتي حقائق لتوقظ هذا الجمهور من غيبوبته.

صحيحٌ أن الموقف التركي هنا مُوجّهٌ نظرياً ضدّ "كردستان" بالتحديد، لكنّ هذه النقطة تصبح تفصيلاً طالما أنّ شهوةَ التمدّد أو التدخّل- في أقل تقدير- ومبرّراته جاهزة.

وفي مقابل "مسمار جحا" الإيراني في سوريا، المتمثّل في مقامات الشيعة، يبقى تركمان العراق ورقةً قابلة للتحريك في أي وقت بالنسبة لليمين القومي التركي، وهو ما بات معتاداً ومكرراً وتجلّى في مواقف عديدة قد يكون آخرها تصريح بهجلي نفسه، نهاية الشهر الماضي، حين قال "إن الأقليّة التركمانية العراقية التي تربطها صلات عرقية بتركيا لن تُترك لحالها في كركوك"، مشيراً إلى أن "خمسة آلاف متطوع قومي على الأقل مستعدون وينتظرون الانضمام للقتال في المدن التي يقطنها التركمان، خاصة كركوك".

لكنّ "السّبق" الفعلي حقّقه بهجلي بتصريحه لاحقاً عن كركوك والموصل، واعتبارهما ولايتين تركيّتين، وحقّ بلاده في ضمّهما استناداً إلى الميثاق الوطني Misakı milli الذي تمّت صياغته إثر اجتماع آخر برلمان عثماني في 28 كانون الثاني 1920 من القرن الماضي، راسماً حدود تركيا لتضمّ ولاية الموصل، التي تشمل الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، بالإضافة إلى مناطق من شمال سوريا.

ومنذ ذلك الحين بقي الميثاق الوطني مادّة يتم تداولها بين حين وآخر بحسب الحاجة ونوعية الخطاب والمناسبة، مع تذكير المجتمع التركي والدولي بأن معاهدة لوزان، الموقّعة مع الحلفاء آنذاك والتي أبطلت مفعول الميثاق، "ليست نصّاً مُنزَلاً لا يقبل الجدال".

وبالمقارنة بين كلامٍ سابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في العام 2016، وكلام بهجلي اليوم، يظهر حجم المباشَرة والوضوح عند زعيم حزب الحركة القوميّة، مع عدم نسيان فوارق الموقع والمسؤولية واعتباراتها.

وسبقَ لأردوغان أن تطرّق إلى الميثاق الوطني، وحقّ بلاده "التاريخي" في الموصل في سياق التأكيد على ضرورة مشاركة القوات التركية في معركة تحرير المدينة من تنظيم "داعش" في ذلك الحين.

ومع قيام بهجلي بنفض الغبارعن الميثاق، تحوّل إلى محور أساسيٍّ للتفاعل والنقاش في وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم بعض التعليقات المتهكمة، لم تتعكّر جديّة "الفكرة" بالنسبة إلى كثير من المتابعين في "فايسبوك" و"تويتر"، وعليه فقد لاقى الأمر ترحيباً من معلّقين وصفوا الزعيم القومي التركي بالرجل "المؤمن والمحبّ لوطنه". فيما تحدث البعض الآخر عن صعوبة التنفيذ، مع وجود أعداد كبيرة من "قوات البشمركة إلى جانب حلفاء أجانب (أميركيين وإسرائيليين)"، ووصل الأمر أحياناً إلى استنكار التركيز على الموصل وكركوك، ونسيان "الأراضي التي أخذتها اليونان من تركيا"، كما انتقدَ آخرون عدم "مساعدة الإخوة التركمان في سوريا" أسوةً بأقرانهم في العراق.

ولعل الأكثر جذباً للانتباه في ردود الأفعال المتباينة على طرح بهجلي، هو ذاك الخيط الرفيع بين الهزل والجدّ الذي ظل حاضراً في ذروة مبالغات اتسعت لضمّ مدن في الإقليم شهدت وجوداً عسكرياً تركيّاً، كمدينة الباب بريف حلب، لتبلغ "الحميّة" التركية حدّ "إعلاء كلمة الله" في فلسطين وأراكان، لا في أراضي التركمان فقط. 
 
والحال ان تصريحات "السقف العالي"، كعُرف سياسي، تصدُر بشكل أكبر عادةً عن نجوم الصف الثاني والثالث، وليس عن أصحاب المواقع القياديّة ومن هم على رأس مهامهم. لكن هذا الأمر لا ينطبق بنسبة كبيرة على الواقع السياسي التركي. وبالتالي فلا يمكن لحديث بهجلي أن يُعدّ استثناء لجهة استخدام مفردات "الأمّة" والتاريخ في الخطاب، وإشاعة مناخ من التعاطي الشعبوي.

لكنّه من جهة ثانية قد يصلح كنموذج للإشارة إلى التقاطعات التركية الإيرانية التي يبدو أنها أكبر من مجرد اتّفاق على مواجهة "خطر" آني، أو تنسيق في مجالات معينة، طالما أن ذهنيّة "الحدود المطاطية" أو التمدّد ما وراء الحدود، حاضرة بتاريخها وواقعها واحتمالاتها، أكان ذلك مبنياً على حقٍّ وواجب "مقدّس"، أو على مواثيق من زمنٍ سالف. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها