آخر تحديث:18:26(بيروت)
الأربعاء 04/01/2017
share

مَوتان أو أكثر

زياد توبة | الأربعاء 04/01/2017
شارك المقال :
  • 0

مَوتان أو أكثر بعضنا يحرّض وداعش تقتل
من الممكن أن تتفهّم السجال حول بعض المواضيع والاختلاف في الرأي، وأن يصل لحدود الخلاف، كالموقف من قضية مطلبية مثلا، وأن يبقى السجال مضبوطاً ضمن معايير محددة. لكن ما لا يمكن تفهمّه، أن تجد لبنانيين منقسمين حول موت مواطنين بلا ذنب، سوى أنهم يمارسون حياتهم وتفاصيلها كما يحلو لهم. فهذا أمر قد تخطى سجاليته حتى وصل إلى إستهجان فرح الضحية ومشاركة القاتل فرحته. 
لقد تخطى كل حدود إنسانيتنا وأعادنا إلى مسائل لم تعد محسومة، لا بل نزع السجال عنها بداهتها، وردّها إلى نقطة الصفر. فلم يكتفِ المساجلون في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي بانتهاك حرمة الموت عبر التعرُّض للضحايا بأبشع النعوت والشتائم، بل مضوا في تبني العملية الإرهابية من حيث لا يدرون.

شكّلت ليلة رأس السنة 2016-2017 نقطة مفصلية في اختلاف اللبنانيين حول موت شبابهم في العملية الإرهابية التي نفذها تنظيم "داعش" في إسطنبول. كما أصبحت نقطة إنطلاق لسجال لا تُحمد عقباه، ليس على المحطات التلفزيونية فحسب، بل في وسائل التواصل الإجتماعي أيضاً. الملفت هنا أن القضية لم تكن متعلقة بمطلب ما يتضرّر منه أحد على حساب أحد، أو قضية تمسّ جماعة بعينها دون أخرى، كما لم تكن قضية خاضعة لمسألة حرية التعبير وشروطها وقيودها. إنها قضية موت طاولت مواطنين لم يعلموا أن قرارهم في مواصلة الحياة محفوف بكل هذا الكره إذا ما تعرضوا لأي أذى، فكيف إذا تم قتلهم في وسط فرحهم؟ 

يوماً بعد يوم، يثبت الإجتماع اللبناني مدى الإنقسام الذي وصل إليه، ليس على مستوى السياسة فحسب، بل على مستوى الإجتماع برمته. في هذا الإطار، برز دور وسائل الإعلام في استغلال الحدث الأمني هذا لتعيد تشكيله كمادة تجارية بالدرجة الأولى، وكمادة خلافية إنقسامية بالدرجة الثانية. لم تقم المحطات أي إعتبار للموت وجنازته والحداد المرافق له. لم يعد يخفى على أحد الدور السيء المتعمّد الذي تمارسه وسائل الإعلام تحت وطأة السبق الصحافي. إعلام يهجس بالسبق على الجثث. التنافس المحموم بين المحطات يجعل من الكاميرات رشّاشات حربية، ومن المراسلين أشباه قتلة تستبيح دموع الناس وحزنهم وتنتهك كل طقوس الحداد. 

يتخبط المراسلون في معمعة اللحظة الحرجة، لحظة التأكد من موت فلان أو فلانة، ينقلون مشاعر ليست لهم ولحظات هيستيرية لاواعية تخص أهل الفقيد. يتجرّد المصوّر والمراسل/ة من أي مشاعر، وينغمسوا في سبر مشاعر أهل الضحية. يتجرّدون في الوقت الخاطئ، في الوقت الذي كان عليهم أن يحزنوا ويبتعدوا عن وجوه لا تسيطر على تعابيرها وإنفعالاتها. التجرّد كان مطلوباً في ما بعد، أي عندما نذهب إلى إعداد الخبر وتجنيبه فخ الإنزلاق إلى مشهد الإنقسام وتكريسه.  

تنسى الوسائل الإعلامية الضحية لشدة إنخراطها في تفعيل السجال وتوضيح مشهد الإختلاف وتعزيز الإنقسام. تتوغل المحطات التلفزيونية في المشاعر المحقونة بغية استدراجها صوب الخلاف القائم. تذهب بعيداً في التشكيل المفتعل لمشهد قائم على التمايز الطائفي والعقائدي. كل هذا لا ينفي وجود الإنقسام بالأصل وهو في أبهى حلله في وسائل التواصل الإجتماعي. بيد أن في الوقت الذي يتطلب تدخل الوسائل الإعلامية للعب دور متميز ومحايد في طرح الإشكالات تبدو أنهاً طرفاً متمترساً خلف الشاشة. تعيد نشر ما فات المواطنين متابعته عبر "فايسبوك" و"تويتر". هذان الموقعان المفخخان بكل أنواع الألغام الطائفية والمذهبية والعقائدية. 

تخطينا حرية التعبير لنصل حد الشماتة في الموت والتحريض على القتل وتبني العمليات الإرهابية والتهليل للقتلة. لا بل ذهب الخطاب أبعد من ذلك، لقد بات خطاب كراهية يحث على القتل العلني لكل مخالف للرأي والإنتماء.  

لم يشكل موت بعض اللبنانيين لحظة تكافل وتضامن بقدر ما شكّل نقطة موت إضافية. موت الحد الأدنى من إنسانيتنا. بتنا بحاجة لتبرير موتنا أمام الشامتين. لم يعد أرباب الخطاب القاتل يكتفون بالسخرية من الموت بقدر ما أصبحوا شريكاً للإرهاب. لقد إستيقظنا في اليوم الأول من العام 2017 على معطى جديد في حياتنا الإجتماعية: "داعش" يقتل وبعضنا يبرر.

هذه المعادلة ستصبح قريباً على الشكل التالي: بعضنا يحرّض و"داعش" يقتل. بين وسائل إعلام تضرب المعايير المهنية، عرض الحائط، وبين جمهور كامل يكرّس خطاب كراهيته القاتل، بتنا نموت مرتين أو أكثر. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها