آخر تحديث:19:26(بيروت)
الثلاثاء 03/01/2017
share

الإعلام اللبناني: تغطية.. أم دراما الهواء المفتوح؟

بتول خليل | الثلاثاء 03/01/2017
شارك المقال :
  • 0

الإعلام اللبناني: تغطية.. أم دراما الهواء المفتوح؟ التغطية الأخيرة أطلقت نقاشاً على عدة مستويات إعلامية وسياسية واجتماعية (المدن)
الأسلوب الذي اعتمدته القنوات التلفزيونية اللبنانية في تغطيتها للمجزرة المروعة في اسطنبول خلال سهرة رأس السنة، وما تبعها من نقل أخبار اللبنانين الذين سقطوا أو أصيبوا هناك، استفزّ الكثير من المراقبين والمشاهدين اللبنانيين، وذلك لمدى الخفة التي أظهرها المراسلون في تعاطيهم مع الحدث المأساوي، خصوصاً لناحية عدم مراعاة مشاعر أهالي الضحايا ولا خصوصية الجرحى، الذين أصبحت أجسادهم وكأنها جزء من عرض تلفزيوني حيّ يبث على الهواء، أقحموا فيه رغماً عنهم ومن دون استئذانهم، في أوضاع قد تبدو جارحة، بل مهينة للبعض.


التغطية التي وصفها مراقبون بـ"الفوضوية" و"الفظة" و"الفجة" و"غير الاخلاقية" أطلقت نقاشاً على مستويات إعلامية وسياسية واجتماعية عديدة، ما حثّ وزير الإعلام ملحم الرياشي للإعلان عن شروعه بقرار بدأ العمل به، لقوننة الآداب الإعلامية وتحويله إلى مشروع يُصار إلى تقديمه إلى مجلس النواب فور الانتهاء من إعداده. وفي حال إقراره سيعمل على إنفاذ مواده لإلزام وسائل الاعلام اللاهثة إلى تحقيق ارتفاع في نسب مشاهديها، على حساب المعايير المهنية والأخلاقية. إذ رأى رياشي أنه لم يعد مقبولاً عدم التحرك لضبط إيقاعها من خلال عدم السماح لها بالخروج عن الأدبيات والأخلاقيات الملزمة، وذلك ضمن قانون أشبه ما يكون بقانون الآداب الطبية، بل وربما يكون أكثر دقة واحتراماً.

إعلان الرياشي جاء عبر شاشة "إم تي في" ضمن حلقة خاصة من برنامج "منا وجر" تناولت التغطية الإعلامية اللبنانية للحدث المأساوي، واستعرضت أبرز السقطات التي وقع فيها هذا الاعلام من نواحٍ عديدة، كعدم أحقيته في اختراق خصوصية وحميمية أهالي الضحايا والجرحى أو لناحية الوقوع في خطأ تداول المعلومات المغلوطة التي تم نقلها على الهواء ضمن البث المباشر، نتيجة التسرّع وعدم التدقيق في صحتها، ما اعتُبر انعكاساً لإشكالية الثقافة العامة السائدة واللاهثة لإرضاء الجمهور الباحث عن التشويق والإثارة ولو كانت على حساب الحقيقة وأخلاقيات المهنة، معتبرة أن المحطات باتت تحاول استرضاء المشاهد اللبناني من خلال عرض المشاهد التي تثير فضوله وتقحمه في أدق "تفاصيل" الحدث.  

الوزير الرياشي، وفي تعليق معبّر له أثناء عرض الحلقة التي تمّت مقاطعتها من خلال مقدم البرنامج بيار رباط في منتصف النقاش، والتي نقلت الصورة إلى مراسل "ام تي في" نخلة عضيمي أثناء إنزال الجرحى من سيارت الاسعاف أمام مستشفى الجامعة الأميركية، اعتبر أن هذا النوع من النقل المباشر هو لزوم ما لا يلزم، ولا يأتي بأي فائدة ولا يقدم شيئاً للجريح أو المواطن أو المشاهد، بل يُعتبر تعدياً على حرية المُصاب وحقه في الخصوصية في اللحظة التي تنقل صورته وهو في حالة ضعف وغير قادر على التعبير عن رأيه. وهذا، في رأي رياشي، يشكّل دافعاً لوزارة الإعلام لرسم الخطوط والحدود الفاصلة التي تُجبر العاملين في هذا الحقل على الالتزام بالمهنية والموضوعية واحترام خصوصية الناس.

ما بثته "إم تي في" من أمام المستشفى أو أثناء تغطيتها للحدث ليس إلا حلقة في سلسلة عرضتها القنوات الأخرى اتخذت تغطيتها المسار نفسه، ما عكس نمطية تتبعها وتكررها القنوات اللبنانية على اختلافها، عند تغطيتها لأي حدث مشابه، ما يجعلها مسكونة بهواجس ملء الهواء بالتعليقات والمشاهد العبثية، مرسلة كاميراتها ومطلقة ميكروفونها كيفما اتفق، وفي أي اتجاه، في ارتجال عشوائي لما يمكن تجميعه والتقاطه من هنا وهناك انطلاقاً من مبدأ "إن صابت صابت وإن خابت خابت". الأمر الذي يعكس بدوره سجية المراسلين التي تعبر عن عدم أهلية معظمهم لتغطية هذا النوع من الأحداث، حيث ينحصر اهتمام القنوات التلفزيونية في تسعير المنافسة المحتدمة في ما بينها، مطلقة مراسليها وكأنهم أحصنة في مضمار سباق الخيل، حيث الجميع يلهثون وراء لقطة أقوى وتعليق أكثر تشويقاً وصولاً نحو الجائزة الكبرى، دون أي مبالاة أو اكتراث للأخلاقيات التي تُسحق تحت سرعة أقدامهم.

التغطية الأخيرة كانت مثالاً صارخاً على الخلل الذي ينتاب التعاطي الاعلامي مع الأحداث المماثلة، والذي بات يعكس في مشاهد متعددة، جنوحه إلى إعلام التفاصيل و"الاستعراض الدرامي"، على حساب المعلومة، وذلك تلبية لـ"متطلبات السوق" المهووسة مشهديات الدراما الواقعية التي ظهرت ملامحها في أواخر القرن الماضي مع ارتفاع شعبية برامج "تلفزيون الواقع" والتي تمددت لتطاول عدواها التغطية الإخبارية، وكان أول من أفشى هوسها في لبنان هو تلفزيون "الجديد" بتغطياته الشعبوية وأسلوبه الاقتحامي "الفدائي"، إذ اعتاد فتح الهواء خلال أي حدث، لساعات طويلة وتعبئتها، ولو بحركة المرور، في جهد محمومٍ لإظهار أنه الأقوى على الأرض، ما خلق قاعدة جماهيرية من عشاق التفاصيل وهواة الإثارة الفارغة، بل والتلصص. الأمر الذي "أجبر" القنوات الأخرى لاحقاً على منافسة "الجديد" لاكتساب هذا النوع من الجمهور، وذلك من خلال استنساخ أسلوبه وأدواته وصولاً إلى توظيف أبطال هذه العروض.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها