آخر تحديث:15:55(بيروت)
الأربعاء 28/12/2016
share

أصغر ناشطة إعلامية حلبية.. نجت بحياتها وتعود إلى إدلب

حسن يحيى | الأربعاء 28/12/2016
شارك المقال :
  • 0

أصغر ناشطة إعلامية حلبية.. نجت بحياتها وتعود إلى إدلب بانا العبد.. الطفلة التي وثقت يوميات حلب في "تويتر" واستقطبت آلاف المتابعين حول العالم
الخروج من حلب، لن يفقد الطفلة السورية بانا العبد دورها كطفلة توثق حياتها اليومية، ومعاناة آلاف المحيطين بها، في "تويتر"، لتنقله الى العالم. فالطفلة، التي استقبلها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الاسبوع الماضي، ستنتقل وعائلتها الى ادلب.. ليبقى الصوت الانساني يتردد في العالم. 
شهرة بانا، في الواقع، لا تُحصر فيها. فهي محاطة بعائلة صغيرة دعمتها وساعدتها على إيصال صوتها إلى العالم من خلال منصة "تويتر". وأثرت بانا بشكل خاص في تغيير مسار هذه العائلة الصغيرة، إذ ساهم انتشار فيديوهاتها في تحويل هذه العائلة من عائلة "مغمورة" إلى عائلة "ملاحقة" من قبل النظام ومشهورة في أنحاء العالم.

بدأت قصة بانا الطفلة المدللة بين أخويها، نور ومحمد، منذ أكثر من أربع سنوات، وفق ما يقول والدها غسان العبد في حديث إلى "المدن". ويضيف أنه خلال سنوات الحرب عموماً، كانت العائلة مغمورة وغير معروفة، ولأن والدَي بانا رفضا الخروج من حلب، فقد عمل الأب في توثيق الولادات والوفيات في أحياء حلب الخاضعة لسلطة المعارضة، في حين تطوعت والدتها فاطمة لتدريس الأطفال اللغة الانكليزية في مدرسة محلية. 

وبدأت رحلة بانا مع وسائل التواصل بعدما قامت قوات النظام بقصف مدرستها. فبعد أقل من نصف ساعة على مغادرة بانا وفاطمة المدرسة، بدأ القصف على الأحياء القريبة وسقطت القذائف على المدرسة لتحولها إلى ركام. 

أصرت بانا على والدها طوال اسبوعين بأن يقوم بتصوير المدرسة لتراها، هذا بعدما فرض عليها عدم الخروج من المنزل نظراً لاشتداد حدة القصف ووتيرته. وعند رؤية صور الدمار، طلبت منه أن يفتح لها حساباً في وسائل التواصل. بدأت الرحلة أولاً مع "فايسبوك"، لكن حاجز العمر وعدم رغبة العائلة في الكذب بشأن عمر بانا، منعاها من فتح حساب، لذا لجأ الأب إلى "تويتر"، كما أن نسبة التعرض لبانا بالكلام الجارح تكون أخف مما هي عليه في "فايسبوك". 
من خلال هذا الحساب، استطاعت بانا الوصول إلى آلاف الأشخاص حول العالم، معظمهم من الصحافيين العرب والأجانب، إضافة إلى الكاتبة البريطانية ج.ك. رولينغ مؤلفة سلسلة كتب "هاري بورتر". 

لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ ساهمت الشهرة التي وصلت إليها بانا في تصنيفها وعائلتها في خانة "المعارضة" من قبل أنصار النظام، على الرغم من كونها طفلة لا تفعل غير محاولة توثيق حياتها اليومية في منطقة "منكوبة" تعيش صراعاً وحرباً ضروس.

وبدأت رسائل التهديد والشتم بالتوارد إلى الحساب، كما بدأت جولات التخوين والتشكيك تظهر. إذ اتُهمت الطفلة، تارة بأنها عميلة تُدار من قبل "المخابرات الأجنبية"، وتارة اخرى بأنها مناصرة لـ"الارهابيين"، وطوراً بأنها تُغرد من خارج حلب. 

ونفى غسان العبد هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مشدداً على أنه لا وجود لتنظيم "داعش" في حلب، كما أنه من النادر رؤية عناصر لجبهة "النصرة" في الاحياء القريبة من مكان سكنهم في حلب، مشيراً إلى أن هناك محاولات تعمية واضحة تصف كل من يسكن في مناطق المعارضة بالإرهابي بغض النظر عن موقفه السياسي. 

الأيام الأخيرة
يصف والد بانا الأيام الأخيرة التي عاشتها العائلةن ومعها آلاف العائلات في حلب قبل دخول الجيش النظامي إليها، بأنها كانت "كابوساً حقيقياً". إذ أصبحت المنطقة المحيطة بهم مستهدفة بشكل كبير بالقذائف والبراميل المتفجرة، حتى أن قبو المنزل أصبح مقرهم الدائم نظراً إلى خطورة الصعود إلى طبقات المنزل الأخرى. 

ويصف غسان الدمار الذي لحق بمنزلهم جراء تعرضه للقصف "المتعمد" بالقول إن أكثر من نصف البناء دمر بالكامل، كما دمرت الغرف الداخلية: "الوضع ببساطة كان كارثياً، القذائف تنهمر بغزارة، ولم يعد بالإمكان الخروج من المنزل". ويضيف: "انتظرنا في القبو حتى هدأ القصف، لنخرج من المنزل إلى منزل أهلي في حي المعادي". 

واستمر الهلع، إذ فوجئت العائلة برسالة على الخاص في موقع "تويتر"، فيها "صورة لموقع وإحداثيات منزلهم المقصوف"، ما عزز شعورهم بأنهم مراقبون. 

وتواصل القصف من جديد على المنزل الجديد الذي احتموا فيه، لينتقلوا منه إلى منطقة جديدة خوفاً من الاستهداف. 

مساءً، وصلت رسالة جديدة على الخاص تقول "شو مقعدكم بالشيخ سعيد.. لح نجيبكم". في هذه اللحظة أدركت العائلة أنها أصبحت مستهدفة بشكل خاص، وكأن ثمة من يحملها مسؤولية كل ما يحصل في سوريا، فقامت بكسر شرائح الهاتف واغلاق الحسابات في وسائل التواصل الاجتماعي ومنها حساب بانا في "تويتر". وبدأت وسائل التواصل بتكهناتها عن سبب الإغلاق لينتشر وسم #أين_بانا في "تويتر" سريعاً وسط تكهنات بأنها قتلت أو اعتقلتها قوات النظام.

يومها عَلِم غسان بأن الجيش أصبح قريباً جداً من مكان تواجدهم، في حين أن خمسة أحياء صغيرة فقط لم تكن قد "سقطت" بعد. فقررت العائلة برفقة بعض الأصدقاء، الذهاب ناحية الزبدية التي كانت من ضمن هذه المناطق الخمس. وجاء هذا القرار بعد تواتر معلومات عن أن "العائلات التي نزحت إلى مناطق سيطرة النظام فقدت فرداً منها على الأقل. إذ منهم من قتل ومنهم من استُدعي للتجنيد الاجباري، ومنهم من سيق إلى التحقيق، ناهيك عن الاذلال الذي تعرضت له العائلات على أيدي القوات النظامية".

الخروج من حلب
أصبح المصير شبه محسوم، فحلب سقطت عملياً، والجيش سيستولي على المنطقة عاجلاً أم آجلاً. وبدأت العائلة بالتفكير بحلول اخرى وعلى رأسها الخروج من حلب في إطار المفاوضات بين النظام والمعارضة. 

قررت العائلة الانفصال في عمليات الاجلاء، أخذت والدة غسان الأطفال نور ومحمد برفقتها في احد الباصات، وفاطمة استقلت مع بانا باصاً آخر، وذهب غسان وحده في باص منفصل. وحاولت فاطمة تغيير شكل بانا، بإلباسها الحجاب واخفائها بين الأطفال، نظراً إلى أن شكلها معروف، خصوصا أن بعض المعلومات كانت تؤكد وجود ضابط روسي يفتش الباصات برفقة ضابط في الاستخبارات السورية. 

لكن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن العائلة، إذ تعثرت المفاوضات واحتجزت القافلة التي كانت تضم نحو 85 شخصاً، منهم بانا وعائلتها. ومُنع أي كان من الخروج من الباصات طيلة فترة الاحتجاز التي استمرت من الواحدة ظهراً حتى الثامنة من صباح اليوم التالي، مع منع ادخال الطعام والشراب إلى الباصات. 

عند الساعة الواحدة بعد منصف الليل "وجدنا علبة تمر وعبوة مياه، تم توزيعها على الأطفال والنساء". عند الساعة الرابعة أو الخامسة صباحاً، "سُمح للهلال الأحمر والصليب الأحمر بتوزيع الطعام والشراب على القوافل"، وانطلقت القافلة عند الساعة الثامنة صباحاً في رحلتها إلى خارج حلب. في تلك اللحظة، يقول غسان، أطلقت بانا جملتها الموجعة: "أصبحنا في الجنة الآن". 

وعلى الفور قررت العائلة، بعد لمّ الشمل، الذهاب إلى تركيا عند عائلة فاطمة، حيث التقت بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي. ولا تزال العائلة في تركيا حتى تاريخ كتابة هذه السطور. 

اللقاء مع اردوغان
يشير الوالد إلى أن اللقاء مع اردوغان لم يكن مخططاً له، إذ فور خروج العائلة من حلب حضر صحافي من منظمة "اي ها ها" التركية بالاضافة إلى ممثل من وزارة الأوقاف التركية، وطلبت منهم الخروج من سوريا نظراً إلى أنها أصبحت خطراً عليهم. ليتوجهوا بعدها إلى أنقرة. 

وفي أنقرة تم ابلاغ العائلة بأنها ستقابل وزير الخارجية التركي جاووش أوغلو الذي كان قد اتصل بهم عبر "سكايب" سابقاً، نظراً إلى وجوده في روسيا لمتابعة ملف اجلاء باقي العائلات السورية من حلب. 

وفور عودته، توجهت العائلة برفقة أوغلو إلى القصر الرئاسي حيث اجتمعت بأردوغان وعائلته الذي أكد أنه لن يتخلى عن أطفال سوريا. وذكر غسان أن أردوغان توجه بحديثه لبانا قائلاً: "لقد وصل صوتك، وأنت سفيرة أطفال سوريا". وسأل أردوغان أيضاً عن التفاصيل التي حدثت مع العائلة خلال وجودهم في حلب وخلال اجلائهم، مؤكداً أنه "يسخّر كل الجهود لإجلاء آخر المدنيين السوريين في حلب". 

الرحلة المقبلة
على الرغم من وجودهم في تركيا "معززين"، إلا أن العائلة لن تستقر في تركيا وفق ما يؤكد غسان، إذ تفكر العائلة في العودة إلى ريف ادلب ومتابعة رسالتها الانسانية من هناك لتسليط الضوء على الحال المأساوية التي يعيشها. "أهلنا في سوريا، وفي المخيمات على جانبي الحدود"، على أمل الحصول على تسهيلات من الحكومة التركية.

العودة إلى سوريا، تعني تكرار التجربة بتفاصيلها المريرة، إلا أن الرسالة التي قررت بانا والعائلة تأديتها، تستوجب العودة ولو كانت على حساب راحة أفرادها وسلامتهم. 

ويشدد غسان على أن رسالة العائلة ليست محصورة في المعارضين أو أنصار النظام، بل موجهة إلى كل أطفال سوريا. فالأطفال لا يعرفون التوجهات السياسية وهم أكبر المتضررين من الحرب حاضراً ومستقبلاً، ولا يجدون من ينقل صوتهم بتجرّد. إذ "يتاجر كلّ من النظام والمعارضة بصور الأطفال ضمن مناطق سيطرتهم"، في حين أن الأطفال يحتاجون إلى من ينقل أصواتهم. فمَن أفضل من طفلة يمكنها نقل اصواتهم ومعاناتهم بدلاً من المتاجرة بهم؟". 

والحال، أن البعض قد يخالف رأي العائلة بالعودة إلى سوريا باعتباره غير "طبيعي" ويؤثر في مستقبل الطفلة وأخويها وعائلتها، لكن هل هناك في سوريا، بعد خمس سنوات من الحرب، ما هو "طبيعي" فعلاً؟ 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها