آخر تحديث:16:20(بيروت)
الأربعاء 28/12/2016
share

قلب الوسط: من تعثر إنساني الى تعثر إخراجي

روجيه عوطة | الأربعاء 28/12/2016
شارك المقال :
  • 0

قلب الوسط: من تعثر إنساني الى تعثر إخراجي اللقاءات بين الحريري واطفال "بريف هارت"، لم يحسم في اخراجها، اي ان كان يريدها مصادفة، او معدة مسبقاً
لم تتح حلقة "قلب الوسط" على قناة "الجديد" لرئيس الحكومة سعد الحريري ان يظهر على حاله، او "على طبيعته"، بحسب القاموس الوصفي الشائع. ذلك، ان المشهد، الذي ألفه مقدم الحلقة جورج صليبي أمام الكاميرا، والذي قرر ان يجعله "إنسانياً"، وليس "سياسياً"، بدا ثقيلاً للغاية.
لا الكلام خلاله يسير على تلقاء ما، ولا التنقل بين ابوابه يجري برشاقة. بالتالي، كان رئيس الحكومة مكبلاً به، ساعياً، وبقدر إمكانه، الى كسره، أو بالأحرى الى إنتاجه على نحو عفوي اكثر. 

فمن البائن، وعلى طول الوقت، انه كان مجبراً على تأدية صورة عنه، وهي صورة لا تناسبه، لأنها لا تتركه على انشراحه فيها، بل انها تلزمه بإطارٍ شبه مجهول، نظراً الى ان صانعه، اي صليبي، ليس متمكناً منه.

في هذا الإطار، كان لصليبي دوران، ينمان عن تعثره في مقابلته، او في إنشائه المشهدي. الاول، هو شرح الدائر من حوله، بحيث انه، وكلما كان الحريري يقدم على فعل ما حيال أطفال جمعية "بريف هارت" (التي تعنى بمرضى القلب)، كان يفسره لهم، كأنه، بهذا، يحاول ان يطلب منهم التعبير عن فرح، هم، في الأساس، لا يشعرون به. وهذا ما دفعه الى  طرح استفهام "شو إحساسك؟" اكثر من مرة عليهم. 

الثاني، يتعلق بطريقة تحاوره مع الحريري، اذ غالباً ما صاغ استفهاماته على شكل استعارات او تلميحات ركيكة، قبل ان يترقب، بوجه مفرط في ملامح الإنصات، الاجوبة عليها، غير انها لا تجيء من ضيفه، او ضيوفه على العموم، على درجة توقعاته عنها. وهذا ليس علامة على خلل فيها، بل في استفهاماته اياها. بهذين الدورين، وعلى أساسهما، حاول صليبي الشروع في "البرفورمانس" التلفزيوني، لكنه، لم يوفق البتة.

فحين كان يرتب اللقاءات بين الحريري وأطفال "بريف هارت"، لم يحسم في اخراجها، اي ان كان يريدها مصادفة، او معدة مسبقاً. ونتيجة هذا، ظل جوّها مبهماً، او ملتبساً على الحريري والأطفال معاً. 

من جهته، الحريري جهد في التفاعل معهم. ومن جهتهم، جهدوا في الحضور المطمئن في قربه، لكن، سرعان ما كان التفاعل يتوقف، والحضور يأفل. وعندها، بان على الحريري كأنه يخفي سؤالاً في سلوكه، وهو "والآن، ماذا؟"، أما، الاطفال فكانوا غير مهجوسين كثيراً به، وفي الوقت عينه، غير متضايقين. كانوا مهتمين بأنفسهم اكثر من اهتمامهم بما حولهم. فصليبي لم يحدد موقعهم جيداً في إنشائه المشهدي، مثلما لم يعين للحريري ما عليه ان يفعل حيالهم. وعلى هذا النحو، راحوا، هم وإياه، يسدون، وبحسب استطاعاتهم، الخلاء الذي تركه الإعلامي بينهم. 

مرةً، كانوا ينجحون، ومرةً، لا. وفي الحالتين، كان صليبي يتدخل لكي يحصل على اجوبة عن استفهاماته حول "الحياة الشخصية" للحريري، الذي لم ينطق بأي منها، بل بقيت أجوبته عادية، ولم تقع في شرك "السكووب" او الاستعراض.

ومع ان الإعلامي لم يشيد مشهده جيداً، غير ان ضيفه المحوري، اي الحريري، بذل ما في وسعه لكي يكون على سجيته. كما ان الاطفال حذوا حذوه ايضاً، وعندما كانت عجلة التواصل تدور بينهم، كان صليبي يخرج عن صمته، فيعطلها. طبعاً، هو لا يفعل هذا سوى لأنه، وفي تلك اللحظة، يشعر ان حلقته شرعت في الانطلاق كما يبغي، لكن، وبتوسطه بين الحريري والأطفال، كان يعيد توقيفها. فبدل ان يجهز اخراجها، كاد ان يجهز عليها، لا سيما ان الموسيقى، التي رافقتها، لم تحل موائمة على الإطلاق. 

ففي لحظات، لا تحيل المشاهد فيها الى اي ضرب من ضروب الدراما، كان ايقاع اللهفة والأسى يرتفع خلالها، بلا ان يشير الى اي موضوع يطابقه، مثلما ان الكاميرا، وفي لحظات اخرى، سعت الى التقاط الدموع من عيني الحريري، لكنها، لم تقدر، لأنه، على عكس بغيتها، لم يبكِ.

من عرقلة الى أخرى، سارت الحلقة بمعية صليبي. ومن محاولة تفاعلية الى اخرى، سار الحريري وأطفال "بريف هارت". ولما جلسوا جميعاً حول طاولة الطعام، أخبرهم الاعلامي بأنه يخبئ لهم مفاجأة، وعندما كشف عنها، وكانت حضور المطرب عاصي الحلاني، لم يظهر عليهم انهم مغتبطون بها. وسرعان ما شرعت هذه المفاجأة "الفنية الكبيرة" في الكلام عن "رسالتها"، وعن دورها حيال "الوطن". 

ومع هذا، لم يحل الحلاني كمفاجأة سارة، لكنه، دخل الى المشهد، تكلم من عموم الكلام ولغوه، وانصرف مودعاً الجميع. وقبل ذلك، كاد ان يضمر استفهام الحريري نفسه "وماذا الآن؟"، لكنه، ترك الطاولة، فاختفت المفاجأة من جديد، كأن الكشف عنها لم يترك أي أثر.

انتقل الحريري والأطفال الى شجرة الميلاد، والى توزيع الهدايا، وبكل جهد، حاولوا ان يكونوا وإياه على سجاياهم، الا ان توزيع الهدايا عليهم جاء تمثيلياً جداً. فمرة، يسلم الحريري احدهم الهدية، فيتشكره، ومرةً، يسلمه اياها بكل ميكانيكية، كأنه يريد ان ينتهي من هذا المشهد، الذي، لولا بعض الأخطاء الإخراجية فيه، كخطأ دخول الفتاة زهراء الى غرفة الجلوس، لكان مملاً وبطيئاً، ومن الصعب التفرج عليه. 

فهذه الأخطاء، التي، وبعد عرضها، تصير من صلب المشهد، ومن صوابه، لم تجعل الحلقة جيدة، لكنها، خففت من ثقلها، قبل ان يطل الحريري، وعلى "طبيعته" هذه المرة، ملتقطاً صورة السيلفي مع صليبي واطفال "بريف هارت".

اذا كانت "قلب الوسط" هي "صفحة جديدة" في مسار الانفتاح بين قناة "نيو تي في" والحريري، فمن الأفضل طيّها بسرعة. فلا الاعلامي فيها اتقن صناعة مشهدها، ولا الزعيم السياسي، نتيجة ذلك، عرف دوره في هذا المشهد، كأنها خطوة أولى في مسار من الالتباس والتأرجح. 

يبقى ان الحريري قال انه لا يتفرج على مقابلاته او خطبه المصورة، وهو، بهذا، قريب من حالة الكثيرين، الذي لا يقدرون على سماع اصواتهم المسجلة، نظراً الى انها تفيد بانفصالهم عن ذواتهم، لتستحيل غيرهم ويصبحوا في وحشة عنها. الا ان الحريري في حلقة "قلب الوسط" حاول ان يكون هو، مرتجلاً لمسارها، وأحياناً، معداً لها، ومع ذلك، من الأفضل الا يشاهدها يوتيوبياً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب من أسرة "المدن"