آخر تحديث:19:12(بيروت)
الجمعة 05/06/2015
share

زافين لـ"المدن":وثّقتُ لحظات صنعت لبنان المتلفز..فـ"أسعد الله مساءكم"

بتول خليل | الجمعة 05/06/2015
شارك المقال :
  • 0

زافين لـ"المدن":وثّقتُ لحظات صنعت لبنان المتلفز..فـ"أسعد الله مساءكم" القُبلة الأولى على الشاشة الصغيرة، بين نضال الأشقر وفؤاد نعيم، افتتحت عرض مسلسل "نساء عاشقات" (1974)

مئة لحظة صنعت التلفزيون في لبنان، اختارها وجمعها الإعلامي زافين قيومجيان ليقدمها في كتاب جديد تحت عنوان "أسعد الله مساءكم"، وستحتفل دار "هاشيت- انطوان" في 11 حزيران/ يونيو الجاري بإطلاق الكتاب الذي يوثّق أهم 100 لحظة تلفزيونية في الفترة الممتدة من سنة 1959 وحتى 1990.

خمسة وخمسون عاماً مرت على تأسيس التلفزيون في لبنان، شهدت محطات مفصلية واكبت الحراك السياسي والاجتماعي والتغيرات الثقافية في مختلف المراحل، ما استتبع تأثر صناعة التلفزيون بمختلف الظروف المحيطة، من ازدهار وحرب وأزمات اقتصادية، فيما نتجت عنها مواد تلفزيونية ساهمت في صناعة تاريخ تلك المراحل، قدّمها قيومجيان في شكل لحظات، انتقاها خلال خمس سنوات من البحث والتنقيب ومشاهدة آلاف الساعات التلفزيونية بموازاة مقابلات ولقاءات أجراها مع أكثر من 200 شخصية من رواد التلفزيون.

اختيار اللحظات وتوثيقها في صفحات الكتاب "لم يكن عشوائياً، بل اعتمد على معايير صارمة، حيث تم العمل وفقاً لقواعد عالمية يتم الرجوع إليها لوصف اللحظة التلفزيونية"، يقول قيومجيان لـ"المدن"، مضيفاً أنه "خلق ايضاً معايير إضافية لتتناسب مع المجتمع اللبناني والظروف التي مرّ بها لبنان خلال الخمسين عاماً الماضية. إذ إنّ الكتاب لا يتحدث عن التلفزيون وحده، إنما ايضاً عن الثقافة الشعبية اللبنانية وعن تاريخ لبنان من خلال التلفزيون". أما انتقائية اللحظات فكانت تتم "وفقاً للائحة معايير هي عبارة عن 15 سؤالاً، تندرج في سياق علمي وأكاديمي، فيما تمّ التركيز بشكل أساسي على دراسة مدى جماهيرية اللحظة التلفزيونية ونسبة المشاهدة وحجم تأثيرها في وقتها، إضافة إلى كونها لحظة رائدة أو جديدة، وكم أنها تعبّر عن الظرف السياسي والاجتماعي والثقافي للبلد".

يوثق الكتاب لحظات سياسية وفنية وثقافية ورياضية، إلى جانب المسلسلات والبرامج التمثيلية الحوارية، علماً أنه لا يتناول "تلفزيون لبنان" فقط، بل يتناول أيضاً "المؤسسة اللبنانية للإرسال" و"تلفزيون المشرق" اللذين تأسسا قبل العام 1990. ويُعدّ هذا الكتاب الأول من نوعه لناحية مقاربته للأرشيف التلفزيوني اللبناني، حيث يجمع قيومجيان بين المعلومات التاريخية والقصص الشخصية لدى أبرز الشخصيات التي واكبت تلك الحقبة. وكانت له مقابلات مع صنّاع تلفزيون من تلك المرحلة، كذلك نجوم من ممثلين ومقدمي برامج، إضافة إلى كتّاب ومخرجين، حيث توثّق هذه اللقاءات لحظات من الكواليس وظروف صناعة المواد وتأثير اللحظات فيهم من جهة وعلى المشاهد، من دون تغييب الجانب النقدي وإعادة تقييم المحطات التي مرّ بها التلفزيون في تلك الفترة، على ما يقول قيومجيان.

الحديث عن مواد تلفزيونية تاريخية يستجلب السؤال عن الصور وأهميتها في تدعيم مضمون هذا النوع من المشاريع، وهو ما يؤكّد عليه قيومجيان، حيث إنّ "الكتاب مليء بالصور، وهو يشبه التلفزيون لناحية أنه يمكن اعتباره كتاباً بصرياً"... وماذا عن مصادر تلك الصور؟ "عملية البحث كانت صعبة جداً"، يقول قيومجيان، شارحاً أنه لجأ إلى الصحف والمجلات والأشخاص والقنوات التلفزيونية، خصوصاً "تلفزيون لبنان" و"المؤسسة اللبنانية للإرسال" حيث لاقى تسهيلات وفتحت الأبواب لتقديم المواد البصرية التي احتاج قيومجيان خلال إعداده الكتاب.

غير أن الكتاب، وباحتوائه مواد بصرية، لا يلغي أهمية وضرورة أن يواكب إصداره عرض تلفزيوني يستعرض مقتطفات من المضمون بالصوت والصورة، خصوصاً أن اللحظات التي يوثقها قيومجيان غير متوافرة للجمهور كي يستطيع أنّ يحقق فعل التماثل بين النقد والتقييم الذي قدمه صاحب الكتاب والمادة أو اللحظة التي يتم الحديث عنها. يعلّق قيومجيان بالقول: "أتمنى أن يتحقق هذا الأمر، لكن للأسف أنا لا أملك حقوق عرض صور الفيديو، إذ إنني حصلت فقط على حقوق النشر بشأن الصور الفوتوغرافية، أي تلك التي يمكن اقتباسها من المسلسلات والبرامج وتضمينها في الكتاب، شرط عدم عرض الفيديو الخاص به في أي مكان"، آملاً أن يتحقق ذلك بعد إصدار الجزء الثاني من الكتاب، الذي سيوثق الفترة الممتدة من العام 1990 وحتى اليوم.

وإلى حين إطلاق الجزء الأول بعد أيام، ارتأى قيومجيان أن يواكب إصداره تفاعل الكتروني، فأطلق هاشتاغ #التلفزيون_الحلو_هو، والهاشتاغ كناية عن مسابقة تقوم على دعوة الناشطين في "تويتر" و"فايسبوك" لمشاركة أي محتوى بصري أو مكتوب أو فيديو يعبّر عن رؤيتهم لـ"التلفزيون في عصره الذهبي"، وسينال الرابح نسخة موقعة من كتاب قيومجيان الجديد، الذي يلّخص صاحبه فكرة المسابقة والهاشتاغ بقوله إنها "تحويل المادة الأرشيفية إلى مادة ثقافة شعبية تفاعلية، كي يشعر الجيل الجديد بأنه ينتمي إلى اللحظات الموثقة في الكتاب. وبمعنى إضافي، إعادة بث الحياة في أرشيف جامد".  

***


هنا مقتطف من كتاب "أسعد الله مساءكم": القُبلة

- من مسلسل "نساء عاشقات"، بطولة: نضال الأشقر وفؤاد نعيم، إخراج سمير نصري، 1974

المشهد الأول: وجه غسّان (فؤاد نعيم) في صورة جانبيّة مقربة. تدخل سميرة (نضال الأشقر) إطار الصورة. تتوجّه مباشرةً إلى شفتَي غسّان. يتبادلان قبلة حارّة لم يسبق أن عرفت الدراما اللبنانية مثلها من قبل ولا... من بعد. تستمرّ القبلة خمسين ثانية
من دون توقّف. الخلفيّة السوداء لا تشي بأيّ مكان أو زمان.
بهذه القبلة أطلقت "شركة التلفزيون اللبنانية" الحلقة الأولى من مسلسل "نساء عاشقات"، طابعة على ثغر التلفزيون في لبنان رسمياً قبلته الأولى!
انتظر المشاهدون قُبلة الأشقر-نعيم طويلا، فقد وزّعت تلّة الخيّاط صور القبلة على الصحافة قبل أشهر من عرض المسلسل. حتى أنّها سمحت لبعض الصحافيين بحضور التصوير لتحقيق مزيد من التشويق ضمن خطة لتسويق المسلسل، ولإعلان تحدّيها شروط الرقابة العربية التي كان يتقيّد بها "تلفزيون لبنان والمشرق".

المشهد الثاني: غسّان وسميرة يديران ظهريهما للكاميرا وكأنّ شيئاً لم يكن. يدخل شاب ملتحٍ (وضّاح فارس) ويستهل الحكاية: كلّ يوم الساعة أربعة إلا ربع، متل هالوقت، مدام سميرة بتروح عالإذاعة، لتقدِّم برنامج معروف كثير بالبلد. كلّ يوم بيوصلها عشرات المكاتيب من ناس ما بتعرفهم، بيحكولها عن مشاكلهم العائليَّة والعاطفيَّة. وكلّ يوم، مدام سميرة بتجاوب قدام الميكروفون على أربعة-خمسة من هل مكاتيب.

المشهد الثالث: تدير سميرة وجهها إلى الكاميرا. تتجه إلى المذياع وتجلس. إنَّه استديو الإذاعة.

المشهد الرابع: الراوي: اليوم الساعة أربعة إلا ربع، لمّا نزلت سميرة، ظلّ غسّان يفكِّر. الصبح اتخذ قرار. كان يقلق بالليل وما يقدر ينام. بس اليوم الصبح قرّر إنّو ما يتردد... وينقذ علاقتهم لآخر مرة. بعث مكتوب للإذاعة، لبرنامج مدام سميرة، بإسم مستعار طبعاً، وعلى الآلة الكاتبة. وهلَّق ناطر، متأمّل يكون مكتوبو واحد من المكاتيب اللي رح تجاوب عليها.

المشهد الخامس: يدخل غسّان مكتبه. يدير جهاز الراديو... وينتظر. يتابع الراوي: آخر كم يوم فكَر غسّان كتير كيف يغيِّر صوتو حتى ما تتعرّف عليه، ولقى أبسط طريقة هي اللي كان يستعملها وهو زغير... أيّام الشيطنة. حطّ محرمتو على التلفون.
تختار مدام سميرة رسالة، يطلب المخرج رقماً، يرنّ هاتف غسَّان.
عاش المشاهدون نصف ساعة كاملة طرفاً ثالثاً في اتصال هاتفي بين حبيبين يخوضان الفصل الأخير من قصتهما الغرامية مباشرةً على هواء الإذاعة. هي لا تعرف هويته، وهو ينتظر منها جواباً ليتخذ قراراً: إما السفر أو الحب.
تقرأ سميرة بشيء من اللامبالاة مقاطع من الرسالة. فيما غسان يشتكي لها من إهمال حبيبته: ليست كاذبة. أكيد أنا بعنيلها شي. بس بالنهاية لا تهتم إلا بنفسها ومشاكلها وأحلامها. بصراحة ما بعرف مين أنا بالنسبة إلها.
تحلّل سميرة: إنت إنسان ناعم حساس ضعيف. لازمك إنسانة حنونة محبة. هي امرأة عايشة مثل الرجال... أنانيّة... عاجزة أن تنسى نفسها أو تفكِّر بغيرها. إللي جذبها فيك هو ضعفك قبل كلِّ شي. هي بحاجة لمشاهد يزقِّف لأفكارها وأحلامها.
يطول الكلام ويتشعّب... تنصح سميرة المتصل بالسفر. يقتنع. يقول لها: "سلمي عالقرايب ". تتفاجأ. تكتشف هويته. هو حبيبها هي.
تتراجع عن نصيحتها. تحاول أن تثنيه عن السفر... ولكن من دون جدوى. لا يتجاوب. تغضب سميرة وتثور: "أنت غشّاش ولا تفهم مشاعر النساء "، تقول له. يكتفي هو بشكرها على نصيحتها الأولى.

تألّف "نساء عاشقات" من خمس حلقات مستقلّة، لا تتجاوز مدّتها مجتمعة ثلاث ساعات. مع ذلك، ترك المسلسل بصمة واضحة في الدراما اللبنانية لقوة نصّه وجرأته في طرح هواجس المرأة المعاصرة بعيداً من النمطية والتسطيح.
العاشقات كنّ أربعاً من أبرز ممثلات المسرح الطليعي، هنّ: رضا خوري، مادونا غازي، ميراي صفا، نضال الأشقر (حلقتان).
قدّمت الممثلات الأربع أداءً خلابا، جسّدن فيه هواجس نسائية معقدة مأخوذة من خمسة أعمال مسرحية عالمية. عرّب هذه الأعمال وأعاد كتابتها للتلفزيون اثنان من كبار وجوه بيروت الثقافية: ريمون جبارة وبول شاوول. أخرج العمل وأدار الممثلين سمير نصري، كبير نقاد السينما في صحيفة  "النهار " وصاحب التجربة السينمائية في مصر مع المخرج يوسف شاهين.

يقطع المخرج الإتصال. لا تنتبه سميرة: "غسّان، ربحت. أنا بحاجة إلك. أنا بحبك. ما تسافر انطرني. جاوبني. إنت الأهم ". غسان لا يسمع. يتصل بسيارة الأجرة لتقلّه إلى المطار. تنتهي الحلقة.

اتبعت "شركة التلفزيون اللبنانية " حلقة "الاستشارة" بندوة استضافت المخرج سمير نصري والممثلين المتزوجين حديثاً نضال الأشقر وفؤاد نعيم.
أدارت الحوار نجمة المحطة سونيا بيروتي التي أكملت السهرة بحوار أكثر شعبية، هذه المرة مع مواطنين مختارين، حول عمل المرأة وسعيها إلى المساواة مع الرجل. استمرّ النقاش حتى منتصف الليل من دون أن يُضيف أيّ جديد يذكر، باستثناء أنّه صنع من انطلاقة برنامج "نساء عاشقات" حدثاً تلفزيونيّاً بامتياز.

يربط نصري تجربة "نساء عاشقات" بمدير "شركة التلفزيون اللبنانية " بول طنُّوس، الذي، يقول، صنع العصر الذهبي للتلفزيون اللبناني. لم يكن بمقدار طنّوس في مواجهة حمَّى الثنائي هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب المنطلقة بقوة صاروخية من  "تلفزيون لبنان والمشرق"  إلا أن يفتح أبواب تلّة الخيّاط أمام روّاد الحركة الثقافيّة اللبنانية ليطبعوا التلفزيون بآرائهم وثورتهم. "جمعنا وعرض علينا أن نفعل ما نريد ضمن الإمكانات"، يروي نصري، ويتابع: "نزلنا  وجاء الجميع، من مسرحيين وفنانين كانوا يحتقرون التلفزيون، ليبدأوا تجاربهم التلفزيونيّة الأولى".

قد لا تكون هذه التجربة حققت جماهيرية كبيرة، لكنها بلا شك حققت بصمة خاصة يفتخر بها التلفزيون في لبنان.

في العام 1995 أعاد  "تلفزيون لبنان" (خلال ترؤس فؤاد نعيم إدارته العامة) تصوير حلقات "نساء عاشقات" تحيّة إلى روح وزمن سمير نصري.
صاغ نصوص الحلقات الجديدة وأخرجها محمد سويد، وقام ببطولة حلقة "الاستشارة " جوليا قصَّار ونعمة نعمة.
غابت القُبلة في النسخة الجديدة. "لم أجد مبرراً للقبلة في سياق القصة"، يقول سويد، "كانت رغبتنا استعادة العصر الذهبي للتلفزيون اللبناني من دون جلبة القُبلة".
لم تكن قبلة نضال الأشقر وفؤاد نعيم عام 1974 هي القبلة الفموية الأولى في تاريخ التلفزيون اللبناني والعربي، لكنّها كانت، ولا تزال، القبلة الأطول والأكثر جرأة على الإطلاق. أمّا قبلة المرّة الأولى فتعود إلى العام 1963  غير أنّها لم ترق لتصنع لحظة تلفزيونية. حصلت هذه القبلة في مسلسل تمثيلي مباشر بعنوان  "مذكرات بوليس "، وكان بطلاها الممثلين وحيد جلال ووفاء طربيه (انتاج "شركة التلفزيون اللبنانية"، إعداد عز الدين صبح وحكمت سابا، إخراج غاري غارابيتيان).

في المشهد الأخير من الحلقة ينقذ جلال حبيبته من قبضة عصابة سرقة، ويقترب منها ليضمها إلى صدره. تروي وفاء طربيه أنّ المخرج غاري غارابيتيان طلب منها قبيل الحلقة أن تتساهل مع وحيد جلال في هذا المشهد، وتظهر لهفتها إليه، على اعتبار أنّه أنقذها من الموت. وتؤكد أنّها لم تتوقع أنّ كلمة "تساهل "  تعني قبولها لقبلة من جلال مباشرةً على الهواء: "تفاجأت على الهواء...

فدفعت جلال عني وأنا أصرخ في وجهه: بس وحيد... بس. لم يصل صوت طربيه إلى المشاهدين لأنّ المخرج كان سارع إلى قطع المشهد، وانتقل إلى شارة النهاية على خلفية سوداء" .  بدوره ينفي وحيد جلال أنّه اتفق على القبلة مع غارابيتيان من دون معرفة طربيه، ويؤكد أنّ مشهد القبلة كان ضمن سيناريو الحلقة المتفق عليه. في ذلك الوقت، أجرت المديرية العامة للأمن العام تحقيقاً بهذه الحادثة "المخلّة بالآداب"، وأصدرت تعليمات صارمة بمنع القبلات في المسلسلات اللبنانية.


 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها