آخر تحديث:08:38(بيروت)
الجمعة 27/12/2013
share

غريزة السبق

جهينة خالدية | الجمعة 27/12/2013
شارك المقال :
  • 0

غريزة السبق صورة الأصدقاء الأربعة المتداولة في الإنترنت
عيونهم مفتوحة، ولا ترف لها جفون. ها هم يتزايدون، ويتجمهرون فوق "صيد" ثمين.
ربما ذعروا من المشهد المروع لكنهم لم يذعنوا، لم يشيحوا النظر إلا بعدما أقدموا على ما تقتضيه اللحظة.
لا، لم يُقدم أي من الفضوليين على تنفيذ المتوقع في موقف كهذا، لم يخلع أي منهم وشاحه أو سترته ليغطي "الصيد".. بل رفعوا كلهم هواتفهم المحمولة، وبحركة آلية شغلوا كاميراتها ونصّبوها فوق ذلك اللحم المحروق وتلك الأوصال المقطعة.. فأمام هؤلاء مشهد "نادر"، لا بد من تأريخه!

وقفوا هناك لثوان طويلة.. قبل أن يتبعثروا بحثاً عن ضحية جديدة لتصويرها.
صيد صورة.. كان هذا هدف كثيرين ممن تجمعوا في نقطة الإنفجار الذي وقع في منطقة "ستاركو" في وسط بيروت وأودى بحياة سبعة ضحايا بينهم الوزير السابق محمد شطح ومرافقه طارق بدر.

هناك من قصد منطقة الإنفجار للمساعدة، وهناك من نزل بغية الفضول وأرشفة فضوله بصور التقطها بهاتفه المحمول. كان هناك العشرات، يتنقلون بين الركام ويمشي أمامهم هاتفهم المشغل طوال الوقت.. خوفاً من أن تهرب من أمام عدسته "قطعة" .. بشرية.
لا إرادياً يعيش كثيرون صحافة المواطن، يطبقون تلك الرغبة في نقل ما يرون، غير مكترثين لحرمة جثة، أو لأي أخلاقيات. إلى أين يأخذ هؤلاء صورهم؟ إلى وسائل الإعلام؟ إلى مواقع التواصل الإجتماعي؟ بماذا تفيد تلك الصور المصلحة العامة؟ أم أنهم يبقونها لأنفسهم في هواتفهم؟ ما الغاية من حفظ صور لجثة في هاتف؟

دارة الصور تدور وتكبر ككرة ثلج: هم صوروا.. ومصور محترف لإحدى قنوات التلفاز صورهم يصورون.. ونحن أمام الشاشة عدنا لنلتقط صورة لمشهدهم وهم يخترقون تلك اللحظات الأليمة.. من دون أي حس بالمسؤولية.
أمام كل إنفجار يُفتح النقاش بأخلاقيات أبناء المهنة وتغطية وسائل الإعلام لفاجعة، لكن لا بد أيضاً من نقاش اليوم عن هذا النوع من الصور "الفردية".. ألا يجوز السؤال عن تلك الرغبة الجامحة في التأريخ.. حتى أمام الموت؟

الإفراط في خرق حرمة الضحايا وفي إستعراض الألم لا فائدة له.. ولا ينتج عنه إلا جروح قاسية في ذاكرة عائلة الضحية، وشفقة من المستنكرين.. وتشفي من المغرضين.
لقطات كثيرة نقلت من هواتف المارة المحمولة إلى الشاشات أثبتت ضرورتها، وعرضت زوايا مختلفة للتفجير في لحظاته الأولى.. لكن يبقى مشهد أولئك الشبان المجمدين أمام الجثة المحروقة خال من الإنسانية. وكأنهم رجال آليون تحركهم التكنولوجيا وتحكمهم غريزة السبق.. أي سبق.

ch-3.png
***

ينبش الإعلام الإجتماعي، في وقت قياسي، ما يعجز أي باحث أو صحافي في وسيلة إعلامية كبيرة أو صغيرة على نبشه.
أمامنا على كل الشاشات راحت تعرض صورة لشاب بسترة حمراء ينزف دماً.
الشاب ملقى في وسط الشارع، لا أحد يعرف كيف وصل إلى هنا؟ أين كان منذ قليل؟ إلى أين يتجه؟ ترى أين كان لحظة الإنفجار؟ الأسئلة هذه طرحناها على أنفسنا ونحن نشاهد ضحايا التفجير موزعين في كل الشارع.. أتراهم كانوا يمرون هناك صدفة؟ أم يعيشون في أحد المباني الفارهة؟ أم أنهم يعملون في إحدى المؤسسات القريبة؟

وحدها قصة صاحب السترة الحمراء محمد الشعار عُرفت في وقت قصير بفضل صورة تجمعه ورفاقه الثلاثة ربيع يوسف واحمد المغربي وعمر بكداش، التقطت قبل دقائق من وقوع الإنفجار.
صباح هذا اليوم كان  محمد هناك يبتسم للكاميرا، ولا يعرف أن هذه الابتسامة ستهتز عما قليل.
صورتان جمعتا في واحدة تداولها عشرات من  مستخدمي مواقع التواصل: صورته ورفاقه قبل الانفجار، وتلك التي كان فيها ينزف وحيداً في وسط الشارع. والآن، محمد في حال حرجة في المستشفى، فيما تشير المعلومات إلى إصابة الأصدقاء بجروح متوسطة وطفيفة..

سواء صدقت المعلومات التي تشير إلى أن سيارة الرباعية الدفع الـ"سي أر في" التي تظهر في خلفية صورة الشبان الأربعة، هي السيارة التي حملت المتفجرات، أم لم تصدق.. فإن صورة واحدة كصورة الأصدقاء الباسمين تغيّر الكثير..هناك، في تلك اللحظة، بات للأرشفة اللحظوية معنى وسياق.. معنى لإبتسامات نرجوها دائمة.

***
نسمع اللهاث ولا نرى إلا الركام. هناك من يصور بهاتفه المحمول ويركض بإتجاه مكان الانفجار.
لا يتركنا مصور ذلك الفيديو  نغرق في فضولنا لوقت طويل.. ها هو يدير زاوية الكاميرا ناحية وجهه كإثبات على هوية ملتقط هذه اللحظات الأولى للإنفجار.

يتوقف الشاب أمام سيارة أجرة مرسيدس النوع وبرتقالية اللون. يلتقط صراخ شبان يدعون إلى مساعدة من في السيارة. يتركهم ويمضي، بإتجاه جثة رجل ستيني ملقى وسط الطريق رُجح أنها تعود للوزير شطح، يصوره سريعا ويمضي. يستمر في المشي، يتوقف أمام جثة لشاب مصاب في الرأس ويلبس سترة حمراء. يصوره ويصور أمامه رجلاً يصرخ "ساعدونا، عم تصوروا، ساعدونا".. لا يكترث له.. صوت أحدهم في الخلفية (قد يكون صاحب الفيديو) يجيب معترضاً: "لِك بشو بدنا نساعدك!".

لقطات متتالية يسجلها فيديو الهاتف المحمول، للزجاج المهشم، للنار المشتعلة، للسيارات المحترقة، للدخان المتصاعد.. ويتابع صاحبه تغطيته لحين وصول سيارات الاسعاف وبعدها عناصر الأدلة الجنائية..
بعد وقت قصير يصل الفيديو إلى "قناة الجديد" وتعرضه كخاص بها مع ذكر اسم مصوره جواد غدار. الخراب جُمع في فيديو من دقائق خمس، أطلعنا على اللحظات الأولى للتفجير.. بسبب جهد فردي من مواطن مار قدم لنا سرداً بصرياً للانفجار.. وكان في الفيديو ذلك يقول إنه حاضر أكثر من أي كاميرا محترفة أخرى، أسرع من أي وسيلة إعلامية تقليدية.. ويقول في تصوير وجهه أنه مالك تلك اللقطات الحصرية ووجهه اثباته الأساس.

لكنه في جهده ذلك أيضاً، ليس متحرراً من قيم أخلاقية مفروضة على المواطن كما هي على الصحافي، فغدار خرق في صوره تلك، الكثير من المبادئ وترك الكثير من الجرحى ولحق الصورة والدم الطازج الذي جُمّد في صور، كانت ستخرج عاجلاً أم آجلاً من كاميرات المراقبة في المنطقة. لكن الشاب قرر أن يمنحنا فعل سرعته، وها نحن نشاهد صوره الآن، ونسأل أنفسنا، هل الصورة أهم؟ أم إنقاذ مَن يمكن إنقاذه؟ أم السبق حتى إلى الموت؟


شارك المقال :