آخر تحديث:09:28(بيروت)
الإثنين 12/02/2018
share

النفط بعد سقوط "إف-16"

عصام الجردي | الإثنين 12/02/2018
شارك المقال :
  • 0

النفط بعد سقوط "إف-16" استثمار الثروة النفطية والغازية رهن باتفاقات سلام في المنطقة (عباس سلمان)
دخلت عقود تلزيم البلوك 9 من النفط أو الغاز، أو من كليهما معاً، في معادلة الحرب الجديدة التي لم تقع بعد. هكذا، نفهم من مسار المشهد السياسي- الأمني الذي رأينا فصلاً من فصوله التمهيدية بإسقاط طائرة F-16 للعدو الصهيوني بعد تنفيذ غارات على مواقع في سوريا قالت حكومة العدو إنها عسكرية إيرانية. سيكتمل المشهد بزيارة وزير الخارجية الأميركية ريكس تليرسون إلى بيروت في غضون أيام. الرسالة الأميركية سبقت الزيارة ونقلها مساعد الوزير السفير ديفيد ساترفيلد الأسبوع الماضي.


فبينما يغرق لبنان في أزماته السياسية والاقتصادية، وتهدد إسرائيل بمنع العمل في البلوك البحري رقم 9 بدعوى حقوقها فيه، دعا ساترفيلد الحكومة اللبنانية إلى دراسة ملف النفط والغاز و"التعاطي معه بصفته ملفاً غير عادي، بل استراتيجي ويدخل في اطار الأمن والسلام في المنطقة". ووعد بأن "تُجري بلاده اتصالات مع إسرائيل لكي لا تؤذي لبنان في هذه المرحلة". وزاد ساترفيلد بأن الولايات المتحدة "دخلت الآن مرحلة جديدة في المنطقة لفرز قوى الخير من قوى الشر". وكان تركيزه واضحاً على حزب الله والعقوبات المفروضة عليه وعلى إيران. أبدى سروره "لأن يصبح لبنان دولة نفطية. فهذا يساعده على امتصاص ديونه الخارجية، وتأمين فرص للأجيال المقبلة وتأمين استقرار اقتصادي ومالي"، على ما قال.

باختصار، يفهم من كلام ساترفيلد أن استثمار الثروة النفطية والغازية، والاعتراف بحقوق لبنان في البلوك 9، رهن باتفاقات سلام في المنطقة لا أفق لها. وكذلك الحال لردع العدو الإسرائيلي عن بناء الجدار على عدد من نقاط الخط الأزرق في الجنوب. الجانب الأميركي يعلن ذلك وهو على يقين بعدم قدرة الحكومة اللبنانية على ثني حزب الله عن التدخل العسكري في سوريا ولا في غيرها. رغم تكلفة هذا التدخل الباهظة على لبنان واللبنانيين لحماية نظام قاتل وفاقد السيادة بكل المعاني.

كان لافتاً ما أبلغه مصدر مسؤول في شركة توتال الفرنسية السبت، في 10 شباط 2018، لوكالة سبوتنيك ومفاده أن الشركة وشركاءها (إيني الايطالية ونوفاتك الروسية) "على دراية كاملة بالنزاع الحدودي بين إسرائيل وبين لبنان في الجزء الجنوبي الذي لا يغطي سوى منطقة محدودة من الامتياز رقم 9. وأولوية الكونسورتيوم هي لحفر البئر الأولى في البلوك رقم 4". ولم يوضح مسؤول توتال ما قصده حين أضاف للوكالة، "يؤكد الكونسورتيوم أن البئر الاستكشافية في البلوك رقم 9 لن تتداخل على الاطلاق مع أي حقول أو مكامن محتملة تقع جنوبي المنطقة الحدودية". هذه الاشارة الأولى التي تصدر عن الشركة الفرنسية، التي يعتقد بعض المسؤولين بأن دولة فرنسا ستستخدم نفوذها لمنع أي اعتداء صهيوني محتمل على المنصات البحرية أثناء قيامها بأعمال الحفر في البلوك 9. وربما في بلوكات أخرى أيضاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى طرفي الكونسورتيوم الآخرين إيني الايطالية ونوفاتك الروسية. بات معروفاً أن الحكومة الصهيونية لا تعبأ لمثل تلك الاحتمالات ما دامت الادارة الأميركية توفر لها الغطاء السياسي والأمني. ولا فرنسا وايطاليا أو روسيا فلاديمير بوتين في وارد مواجهة مع الدولة الصهيونية.

يمكن أن نفهم ما جاء في بيان الشركة الفرنسية بإيثارها بدء العمل بالبلوك رقم 4 البعيد من دائرة النزاع مع العدو. وقد يكون ذلك مقبولاً من الحكومة اللبنانية درءاً لتأخير عملياتها. لكن كان يقتضي من توتال التأكيد على أن البلوك رقم 9 هو ضمن منطقة لبنان الاقتصادية الخالصة بلا لبس.

يخشى أن تؤدي التطورات الأخيرة في المنطقة التي أعقبت سقوط الطائرة الحربية الصهيونية، وإصرار حكومة بنيامين نتنياهو على موقفها من البلوك 9 للاستيلاء على جزء من مواردنا النفطية والغازية، إلى انتقال الملف إلى دائرة المعادلة الجديدة في المنطقة المفتوحة على كل الاحتمالات الكبيرة. علماً أن للعدو الصهيوني عدداً لا يستهان به من منشآت الغاز والنفط على طول الشريط الساحلي بين لبنان وفلسطين المحتلة. بالإضافة إلى منشآت توليد الكهرباء وغيرها من المرافق الحيوية. وستكون عرضة للتدمير والأضرار البالغة في حال عدوانها على لبنان. كما يُخشى أن يرجئ كونسورتيوم الشركات الثلاث تنفيذ الأعمال إلى أجل غير محدد. هذا لا يحول بالتأكيد من دون تمسك لبنان بحقوقه في المنطقة الاقتصادية الخالصة وبسيادته عليها. لكن قد يدفع إلى تركيز الاهتمام على مناطق أخرى أظهر المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد احتمال وجود النفط والغاز فيها. لكن لبنان سيواجه صدمة ثقيلة في تجربة عقود التنقيب والاستخراج الأولى من شأنها لو حصلت تعديل التوقعات بمواقيت استخراج النفط والغاز والإفادة منها.

إنضم لبنان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في العام 1994. والاتفاقية تميز بين المياه الاقليمية للدول وبين المنطقة الاقتصادية الخالصة. وتمتد المنطقة إلى 200 ميل من نقطة الأساس التي يقاس منها عرض البحر الاقليمي. وفي المنطقة الاقتصادية موارد للبنان سيادته عليها غير قابلة للنزاع. وكذلك حقوقه في استثمارها واقامة مشاريع بيئية وطاقوية وبحوث وخلافها. حكومة العدو تنطلق من دعوى حقها بنحو 860 كيلو متراً مربعاً من البلوك رقم 9، من اتفاق تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينها وبين قبرص. وقد استند الاتفاق إلى نقاط مغلوطة للنهاية الجنوبية لخط الوسط بين قبرص وإسرائيل. وقد حاولت الأخيرة تكريسه في منطقتها الاقتصادية الخالصة على حساب المنطقة اللبنانية. تأخرت حكومتنا شهوراً قبل إخطار الأمم المتحدة ببطلان تلك الاتفاق، وبحقوق لبنان في منطقته الاقتصادية المعززة بالمستندات المودعة في الأمم المتحدة نفسها. وكان أركان السلطة منشغلين في الصراع على مصالحهم الخاصة.

وبحسب المعلومات فإن ساترفيلد تعهد للمسؤولين اللبنانيين بالعمل على إحياء ما يسمى "خط هوف" المنسوب إلى الدبلوماسي الأميركي فريدريك هوف، الذي كُلف من الخارجية الأميركية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل قبل سنوات. ويقضي بحصول لبنان على نحو 63% من أصل 860 كيلومتراً مربعاً من منطقة لبنان الاقتصادية الخالصة التي تدّعي حكومة العدو حقها فيها. لكن الأخيرة تحفظت لاحقاً عن "تسوية خط هوف". وأوكلت الادارة الأميركية إلى مساعد وزارة الخارجية لشؤون الطاقة عاموس هوكشتاين تولي مهمة ترسيم الحدود البحرية من جديد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها