آخر تحديث:00:45(بيروت)
الثلاثاء 03/01/2017
share

الموازنة وقطع الحساب.. الهروب أسهل

خضر حسان | الثلاثاء 03/01/2017
شارك المقال :
  • 0

الموازنة وقطع الحساب.. الهروب أسهل بدأت وزارة المال تحضير قطع الحسابات منذ العام 2010 (علي علوش)
يدور الحديث عن إعادة آلية إنفاق الدولة اللبنانية إلى سكّته الصحيحة، مع كل استحقاق سياسي بمستوى انتخاب رئيس للجمهورية، أو تشكيل حكومة. ولا عجب في ذلك، طالما أن تلك الاستحقاقات تُقدّم خواتيمها السعيدة على أنها مقدّمة لتسيير أمور البلاد، لاسيّما في الحقلين المالي ومحاربة الفساد.

وفي زحمة التفاصيل التي تضغط بثقلها على القوى السياسية المفترض أنها ستعمل على تحقيق ما وعدت به، تصبح الوعود المالية سراباً. وتتعقد مسيرة تحقيق الوعود عندما تدخل القوى السياسية في لعبة "رفع السقف"، وتحويل قطع الحساب والموازنة إلى فزاعة تواجه فيها أحزاب السلطة بعضها البعض.

لكن، هل نحن قادرون فعلياً على إنجاز قطع الحساب، وإقرار موازنة العام 2017 على ضوئه؟

تسهل عملية إجراء قطع الحساب إذا تمّت بشكل دوري من سنة لأخرى. فقطع الحساب هو بيان مالي يفيد بأن ما دخل خزينة الدولة وما أنفقته خلال عام، جاء مطابقاً أو غير مطابق لما توقعت إدخاله وإنفاقه ضمن الموازنة. وقطع الحساب ضروري لإعداد موازنة العام المقبل، لأنه يبيّن المعدّل الوسطي الذي ستُسجل ضمنه الإيرادات والنفقات المدرجة في الموازنة.

وإذا أرادت الدولة وضع موازنة العام 2017، يفترض بها إجراء قطع حساب للعام 2016، كي تكون تقديراتها للإيرادات والنفقات أقرب إلى الواقع، بالاستناد إلى تجربة العام 2016. والقطع يبيّن وقوع الدولة في عجز، إن كانت النفقات أكبر من الواردات، أو حققت ربحاً، إذا كانت الواردات أكبر من النفقات. وبدون اجراء القطع، تبقى الحال المالية للدولة مجهولة، وتبقى مكامن الإنفاق والجهات التي أنفقتها، أكثر غموضاً. وهنا بيت القصيد.

اجراء قطع حساب وإقرار الموازنة، متوقف منذ العام 2005، وهو تاريخ اجراء آخر موازنة عامة. وبعد هذا التاريخ، تنفق الدولة وفقاً للقاعدة الإثني عشرية، التي يفترض أن يتم الإنفاق وفقها، لمرة واحدة، وليس لعشر سنوات متتالية، وربما أكثر. وعليه، المطلوب من الحكومة اليوم إجراء قطع حساب منذ العام 2006 وصولاً إلى العام 2016، فضلاً عن إقرار موازنة العام 2017. وهو ما يفتح الباب أمام نقاش طويل، في شأن إمكانية اجراء القطع وإقرار الموازنة.

الحقيقة هي أن إقرار الموازنة أسهل من إجراء القطع، لأن العملية الثانية هي التي تفضح الفساد وأصحابه. وبنظر الخبير الإقتصادي إيلي يشوعي، فإن "هذه الطبقة السياسية اعتادت التصرف بأموال الناس كما يحلو لها. وهذه بالطبع عادة سيئة اكتسبتها تلك الطبقة نتيجة غياب المحاسبة، من الناس والأجهزة الرقابية". ومن اعتاد ذلك، لن يقدّم اليوم بيديه، صك إدانته.

ولأن تجاهل إجراء هذه العملية المالية على مدى 10 سنوات، بات محرجاً للطبقة السياسية، على الأقل من الناحية النظرية، أصبح من الواجب "تعويم" الحديث عن القطع والإقرار، لكن مع الحفاظ على هامش حركة آمن لتلك الطبقة. والهامش الآمن هو عدم اجراء القطع بصيغته الصحيحة، بل إعداده منقوصاً، عبر اختيار سنة معينة، واعتمادها سنة أساس. بالتالي، فإن الأموال المصروفة والمحصّلة قبل سنة الأساس، تصبح بحكم المنسية. وهو ما يدرجه يشوعي خلال حديث إلى "المدن"، ضمن عملية "تشويه الحقيقة، واخفاء أموال صُرِفت في غير مكانها الصحيح".

من جهة ثانية، يعتبر الخبير الإقتصادي غازي وزني، أنه من غير الجائز اجراء القطع بالاعتماد على سنة أساس، والأفضل إجراؤه وفق الأصول، ابتداءً من السنة التي توقف عندها القطع الأخير. وإذا كان القطع الأخير ينتهي عند 2004، إلا أن وزارة المال لم تلتفت اليوم إلى قطع حساب السنوات الممتدة بين العام 2005 و2009، بل فضّلت البدء بتحضير قطع الحسابات منذ العام 2010. ويؤكد وزني اأن وزارة المال "أنجزت حتى الآن قطع الحساب عن العام 2010، وتقوم بإنجاز القطع المتعلق بالسنوات اللاحقة". ويشير إلى استحالة انتظام وضع الموازنة وقطع الحسابات في ظل الظروف السياسية الحالية، خصوصاً في ما يتعلق بعمر الحكومة، إذ ستواجه قريباً استحقاق الانتخابات النيابية، وستصبح بحكم المنحلّة بعد الانتخابات. بالتالي، لن تجد الوقت لإجراء قطع الحسابات.

أمام هذه المعطيات، تصبح الطبقة السياسية أمام خيارين، إما إقرار موازنة العام 2017 مرفقة بتقديم الحكومة مشروع تعديل دستوري يسمح باجراء القطع في السنوات اللاحقة، أو الإستمرار بالإنفاق بحسب القاعدة الإثني عشرية. والخياران جائزان في ظل تأمين الإتفاق السياسي. والإتفاق مضمون جداً في الفترة الحالية، خصوصاً في ظل استحالة فتح الملفات المالية القديمة وما يستتبعه من اجراء للقطع بصورة طبيعية. وعليه، فإن تعديل الدستور يعني هروب الطبقة السياسية إلى الأمام، وإظهارها حسن النية تجاه إعادة انضباط الحياة المالية. لكن، في هذه الحال، لا شيء يضمن إنجاز قطع الحسابات في السنوات اللاحقة، إذ يمكن لهذه الطبقة أن تخلُص بعد سنتين أو أكثر، إلى استحالة إنجاز القطع. أما مسألة مخالفة الدستور في تلك الحالة، فستُضاف إلى المخالفات المتكررة على مدى سنوات. فالحكم هو المُخالف نفسه.

وفي حال لم تتوصل الطبقة السياسية إلى إتفاق حول التعديل الدستوري، ستحافظ الحكومة على إنفاقها الاستثنائي. لكن هذا لا يعني، وفق وزني، عدم إنجاز قطع الحساب. فالقطع ضروري حتى أثناء تطبيق القاعدة الإثني عشرية، وإن لم يكن شرطاً من شروط تطبيق القاعدة. وفي حال عدم إنجاز القطع لأي سبب كان، فمن الواجب على الحكومة "ضبط الإنفاق العشوائي للحد من العجز المرتفع، والذي زاد عن 6 مليارات دولار في العام 2016".

عموماً، قد لا تقبل حكومة العمر القصير أن يتم تحميلها مسؤولية فشل اجراء قطع الحساب كمقدمة لإقرار موازنة العام 2017، أو الإلتزام دستورياً بإجراء القطع لاحقاً. وهو ما يرفع احتمالات الوصول إلى فترة الانتخابات النيابية ورمي عبء قطع الحسابات إلى الحكومة المقبلة، دون حسيب أو رقيب.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها