آخر تحديث:02:20(بيروت)
الأربعاء 14/12/2016
share

لبنان: ارتدادات سلبية لارتفاع أسعار المحروقات

علي نور | الأربعاء 14/12/2016
شارك المقال :
  • 0

لبنان: ارتدادات سلبية لارتفاع أسعار المحروقات تراجع القدرة الشرائيّة للمواطن (علي علوش)

أطلق الإتفاق التاريخي لمنظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك) على خفض إنتاجها، توقّعات جديّة تشير إلى قدرة هذه الخطوة (الأوّلى منذ 2008) على إعادة رفع أسعار النفط على المدى الطويل. ولا يمكن عزل هذه التوقّعات عن التساؤل عن أثر هذا القرار وإرتفاع الأسعار المرتقب على إقتصاديّات الدول المستوردة للنفط مثل لبنان، بعد إستفادة هذه الدول منذ العام 2014 من الهبوط الحاد لأسعار النفط عالميّاً.

فالبنك الدولي أشار في تقريره في حزيران 2016 إلى أنّ لبنان إستفاد من إنخفاض أسعار النفط عالميّاً خلال العام 2015، إذ إنخفضت مثلاً تحويلات الحكومة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، وهو إنخفاض مؤثّر قدّرته "وضعيّة الماليّة العامّة" التي نشرتها وزارة المال عن سنة 2015 بنحو 1,447 مليار ليرة (من 3,157 مليار ليرة إلى 1,710 مليار ليرة). يعود هذا الإنخفاض تحديداً إلى كون الهدف الأساسي للتحويلات هو سداد الفاتورة النفطيّة.

ولولا هذا الإنخفاض في أسعار النفط كان يمكن إضافة مبلغ 1,447 مليار ليرة التي وفّرها الإنخفاض إلى العجز في الميزانيّة العامّة الذي بلغ 5,958 مليار ليرة في 2015 أي بنسبة زيادة في العجز تبلغ 24% (تُضاف إلى زيادة العجز بنسبة 29% بين 2014 و2015 بفعل تدهور الواردات بحسب "وضعيّة الماليّة العامّة").

هكذا يمكن تخيل أثر إعادة رفع أسعار النفط عالميّاً على الميزانيّة العامّة ومستويات العجز من خلال هذه الأرقام، التي يُضاف إليها كل التكاليف التشغيليّة الأُخرى التي ستعاود الارتفاع مع ارتفاع أسعار النفط. باختصار: سيتم إلغاء مفاعيل كل المكاسب التي تحققت في الميزانيّة بفعل إنخفاض الأسعار، وهي مكاسب تمكّنت خلال السنة الماضية من امتصاص جزء من العجز الذي تعاظم بفضل تدهور الإيرادات الحكوميّة.

في كل الأحوال، فإن هذه المكاسب المهدّدة الآن بالزوال ستطال أيضاً الميزان التجاري، الذي إستفاد وفق إحصاءات المجلس الأعلى للجمارك من تحسّن بقيمة 2.05 مليار دولار في العام 2015 بفعل إنخفاض أسعار النفط. ويعود ذلك إلى كون النفط ومشتقّاته من العناصر الأساسيّة في لائحة الواردات اللبنانيّة، وارتفاع أسعاره سيعني حكماً رفع فاتورة السلع المستوردة، وبالتالي رفع العجز في الميزان التجاري.

وبالإقتراب من الهم المعيشي اليومي للمواطن، لا يمكن أن يمر ارتفاع أسعار النفط من دون أثر بارز على تكاليف الحياة اليوميّة. فوفق دائرة الأبحاث في بنك الاعتماد اللبناني، إنخفض مؤشّر الأسعار خلال 2014 و2015 بنسبة 2.23% و2.4%، وهي نسب ناتجة أساساً عن إنخفاض أسعار النفط. ومن المتوقّع أن تسهم إعادة ارتفاع أسعار النفط في رفع المؤشّر إلى مستويات ما قبل إنخفاض الأسعار.

وتنبغي الإشارة إلى أن أثر ارتفاع سعر النفط على تكاليف الحياة اليوميّة لا يتعلّق بسعر المحروقات المُشتراة لغاية التنقّل الفردي أو المشترك فحسب، بل يشمل كل السلع التي يرتفع سعرها مع ارتفاع سعر النفط، كالمنتجات المصنّعة التي تُعد المحروقات المستعملة لتصنيعها من موادها الأوليّة. ويشمل أسعار المشتريات التي يرتفع سعرها مع ارتفاع سعر الشحن المتعلّق بدوره بسعر النفط.

وارتفاع أسعار المحروقات وأسعار السلع المرتبطة بها، يؤدّي في نهاية الأمر إلى ارتفاع مؤشّر التضخّم. كما تؤدّي هذه العوامل مجتمعة إلى إضعاف القدرة الشرائيّة للمواطن. وبالتالي، إنخفاض الطلب (ناهيك بأثرها على المستوى المعيشي).

من ناحية ميزان المدفوعات، وإذا كان البعض قد ربط بين تراجع تحويلات المغتربين إلى لبنان في الفترة الماضية، والأوضاع الإقتصاديّة المتراجعة في البلدان المصدّرة للنفط التي يعمل فيها المغتربون، فمن المتوقّع أن يُعيد إرتفاع أسعار النفط دفع العجلة الإقتصاديّة في هذه البلدان. ما يسهم في تحسّن تحويلات المغتربين. ويصح هذا التوقّع تحديداً في دول الخليج التي تعاني صعوبات في ميزانيّاتها العامّة كنتيجة لتراجع أسعار النفط، الذي أدى إلى تضاؤل حجم المشاريع التي كانت تشكّل مصدر رزق عدد كبير من اللبنانيّين.

أمّا لجهة القدرة التنافسيّة للمنتجات اللبنانيّة، ففي ظل إتكال معظم الصناعيين على المولّدات الخاصّة أو الاشتراكات، وبغياب التغذية الكهربائيّة الدائمة والملائمة من مؤسسات الكهرباء، فمن الطبيعي أن يؤثّر ارتفاع كلفة المحروقات على قدرة الصناعات المحليّة التنافسيّة. يأتي هذا في ظل منافسة شديدة تتعرّض لها الصناعات المحليّة مع منتجات تتمتّع بالدعم الحكومي، خصوصاً في مجال الطاقة.

الثابت أن التداعيات المرتقبة علينا سببها الأساسي هشاشة الإقتصاد اللبناني، في ظل مؤشّرات لا تملك أدنى مقوّمات المناعة في وجه المتغيّرات الإقتصاديّة: من عجز مزمن في الميزانيّة المرهقة بخدمة الدين، إلى عجز بنيوي وتاريخي في الميزان التجاري، وصولاً إلى الوضع المعيشي المتأزّم أساساً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها