آخر تحديث:07:58(بيروت)
الأحد 15/04/2018
share

عن شارع فريد الأطرش.. وربيع غائب في مصر

شريف الشافعي | الأحد 15/04/2018
شارك المقال :
  • 0

عن شارع فريد الأطرش.. وربيع غائب في مصر إذا غنيتُ فإن الكلمة حزينة، وإذا لحّنتُ فإن النغم أكثر حزنًا
شارع ومسرح يحملان اسم "مطرب الربيع". هكذا تنسج القاهرة حلمها المستحيل باستعادة فريد الأطرش (1917-1974) من جديد، من خلال دعوة أطلقها محبّوه. ماذا عن الربيع ذاته؟ ألا توجد له هو الآخر "جمعية محبّين"؟!

واقعة بسيطة، على نبلها، يمكن اتخاذها مؤشرًا لقراءة واقع ثقافي بأكمله في مصر، يحكمه الغياب والامّحاء والإخفاق والتدليس والتضليل، والهروب من الحقيقة الجامدة بمحاولة تسييل الماضي وجره عنوة من عنقه إلى مسار التاريخ.

أعلنت الحسابات المجردة حلول موسم الربيع، وأنصت المسؤولون في مصر لمطالبة "جمعية محبي فريد الأطرش" بإطلاق اسم الفنان النابغة على أحد الشوارع وأحد المسارح، والهدف المعلن هو تخليد أمير العود والطرب الشرقي الأصيل، واستعادة أمجاده الفنية، والتغني بالربيع الوردي الذي لا يغيب عن مصر المحروسة.

هي التفاتة طيبة بالتأكيد من الجمعية (المشهرة برقم 3519 لسنة 2009) لفنانها المحبوب، الخالد بطبيعة الحال من قبل هذه الدعوة في قلوب الملايين من عشاق صوته الفاعل العريض وموسيقاه الموصوفة لتطهير الأراوح.

ليس في الفعل المحمود الذي قامت به الجمعية (برئاسة الفنان عادل السيد) ما يثير الانتقاد، ولا في الاستجابة له من خطأ يُذكر، بل إن إطلاق اسم فريد على شوارع وميادين ومسارح وغيرها في مصر هو حق قد تأخر كثيرًا، لكنْ تبقى على الجانب الآخر من الحدث في هذا التوقيت وفي ظل أحداث مماثلة مجموعة من الإشارات والانطباعات.

الأمر ببساطة أن "ما كان" هو الذي يحكم "ما هو كائن" في المشهد المصري الراهن، الثقافي وغير الثقافي، وأن "ما سيكون" هو الاحتمال المتشكك فيه، ما لم يأتِ من مخاض الطرح القديم، المكرر كما هو، أو المُشتَغَل عليه.

هذه القراءة، بدورها، التي يقدمها كاتب هذه السطور، تستفيد بدرجة أو بأخرى من المعطيات الماضوية التي تختلف معها، فثمة رغبة ربما لا تستند إلى منطق كافٍ في اعتماد أغنية "الربيع" ذائعة الصيت لمؤلفها مأمون الشناوي وملحنها ومغنّيها فريد الأطرش، بوصفها بكائية استباقية "نموذجية" لأيامنا الحالية، التي لم يعد فيها مطرب الربيع موجودًا، ولا الربيع نفسه كحالة طقسية على كل المستويات.


إذا كان هناك مجال للتنميط الذي لا يخلو من صحة، فإن عبد الحليم حافظ هو صوت الشجن الإنساني الحساس في مساحته المحدودة المكثفة، بينما فريد الأطرش هو فضاء الأحزان والآلام، حيث يكاد يتساوى "التطريب" و"الإبكاء" في كثير من أعمال "الأمير الحزين" و"الصوت الباكي"، كما كان يُطلق عليه.

"إذا غنيتُ فإن الكلمة حزينة، وإذا لحّنتُ فإن النغم أكثر حزنًا"، هكذا قال فريد الأطرش عن نفسه، فحتى في أعماله المرحة والخفيفة كان يقدم البهجة ذاتها بحزن، فإذا قدّم الحزن الصريح صار العمل بكاءً خالصًا.

"الربيع"، أغنية ذات طابع درامي تتناول فصول العام، تتعدد فيها المقامات الموسيقية والإيقاعات في الكوبليهات، ويذوب "الفالس" المخنوق في التحفظ والوقار، ويقترن التطريب بالضرورة بعبق الحزن والإحساس العميق بالفقد، حتى في أوج السعادة المفترضة بقدوم الربيع "آدي الربيع عاد من تاني، والبدر هلت أنواره".

لكأن فريد الأطرش استشعر في بكائيته غياب الربيع عما قريب، وتنبأ صوته بمستقبل الأحزان في ظل العجز والجمود وعدم القدرة على صياغة مذاق أو لون للحياة، ولعله لم يستطع "التقفيل على كل المواضيع"، مثل صلاح جاهين الذي كان جوّه بديعًا ودنياه ربيعًا على طول الخط في حقبة السبعينيات "الدنيا ربيع والجو بديع"، وتراقصت كلماته على حبال المرحلة بصوت سعاد حسني وألحان كمال الطويل "الحياة بقى لونها بمبي".

أما بمنطق مرحلتنا الراهنة، بجهودها الأهلية محدودة الطموح والأفق ومؤسساتها الرسمية المتكلسة الجامدة وإجراءاتها الإدارية النمطية البائدة، فإن اجترار ربيع ماضٍ بوصفه فردوسًا مفقودًا هو غاية الأمل، مع غياب كامل للتفكير، مجرد التفكير، في صناعة ربيع جديد.

وحتى تلك المحاولات التلفيقية للإيهام بإمكانية استحضار الماضي كبديل عن الحاضر المأزوم المهزوم، فإنها تأتي بآليات ساذجة، بإهدار البُعد التاريخي والاكتفاء بسرد شريط الذكريات وتثبيت الماضي بمسامير على الحائط بصورة سطحية هزلية.

"الناصرية"، مثلًا، كلفظة إعلامية تصف توجهات الدولة وسياساتها في السنوات الأخيرة، حل دعائي مريح لكافة المشكلات المعقدة، من دون حبة عرق أو شاهد حقيقي على الأرض، وهكذا وفق الرؤية ذاتها يتحول إطلاق اسم فريد الأطرش على شارع أو مسرح إلى مُنجَز نهضوي يعلن ميلاد زمن الفن الجميل.

حدّ دقيق فاصل بين إجلال الماضي والإفادة من مقدراته، وبين استخدامه كممحاة وهمية لا يمكنها أبدًا إزالة نتوءات الواقع الكابوسي ومطباته المناوئة لحركات الإصلاح الجادة الرامية إلى إعادة البناء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ميراث القوة الناعمة ورسم مصر من جديد على لوحة التأثير الحضاري عربيًّا ودوليًّا.

على الصعيد الثقافي، تقف السلطة والأجهزة الرسمية والمبادرات الأهلية مكتوفة الأيدي إزاء قضايا من العيار الثقيل من دون إيجاد حلول لها أو المضي قدمًا في مسارات هضمها وتفكيكها، من قبيل التعليم والتنوير وتجديد الخطاب الديني واجتثاث العنف الفكري والسلوكي ومواجهة الأصوليات وتيارات العنف الظلامية وتحقيق المواطنة والمساواة وغيرها، ومع امتداد مسلسل إخفاقات القوة الناعمة لا تتبقى إلا الشعارية لإشاعة التشويش ونشر التعمية.

وفي حين تقترن المشروعات الإصلاحية الجادة بالضرورة باستراتيجيات مدروسة وخطط طويلة الأجل وبرامج تفصيلية معدة بعناية وجهود بشرية متواصلة، فإن الحلول الوهمية الدعائية تنبني على تصدير كليشيهات ببغائية للاستهلاك المجاني أملًا في اكتساب مصداقية من كثرة التكرار، ويتجلى ذلك مثلًا في الترويج لسيادة "التسامح الديني" في الريف والحضر بمصر، كقيمة موجودة بذاتها، ومن ثم تستحق الإدارة الدرجة كاملة، وتعفي نفسها من بذل جهود حقيقية للوقوف على حجم الخطر، والسعي إلى إزالته.

كليشيه آخر مثلًا تتبناه المؤسسة منذ 45 عامًا، هو "روح أكتوبر"، ويتم شحنه وتعبئته كل عام بالأغنيات الطنانة والخطب الحماسية المتكررة التي تصدح بها أبواق الميديا أملًا في استثمار نصر أكتوبر كباعث أسطوري لثقافة الأمل ومخلّق أبدي للقدرات والطاقات والعزائم لدى المصريين، وكأن استنهاض الهمم لبناء دولة يمكن أن يحدث بزيادة جرعة الأغنيات الوطنية.

"الربيع الطلق"، الذي أتى البحتريَّ يختال ضاحكًا، وغناه فريد الأطرش باكيًا من فرط إحساسه به، هو ذلك الشارع الزبقي الهارب للأسف من خريطة القاهرة، ويظن المسؤولون أن استعادته مرهونة بصنع لافتة نحاسية تحمل اسمه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها