آخر تحديث:12:11(بيروت)
الثلاثاء 13/02/2018
share

"لماذا الحرب؟".. بين آينشتاين وفرويد

علاء رشيدي | الثلاثاء 13/02/2018
شارك المقال :
  • 0

"لماذا الحرب؟".. بين آينشتاين وفرويد فرويد: المجتمع سيبقى متضمناً فئات متفاوتة القوة، يتحولون إلى أسياد وعبيد.
إعادة ترجمة مراسلات ألبرت آينشتاين وسيغموند فرويد، في كتاب ("الغريزة والثقافة"، منشورات الجمل،2017)، تجدد التأكيد على أن "موضوعة" الحرب، كممارسة بشرية عرفتها الحضارات البشرية عبر التاريخ، تشغل بال المفكرين الإنسانيين من مختلف التخصصات، والحالة هنا بين علم الفيزياء - آينشتاين (1879 – 1955)، وعلم النفس - فرويد (1865 – 1939).

ما السبيل إلى السلم العالمي؟
يرى آينشتاين أن الطريق إلى السلم العالمي يؤدي إلى تخلي الدول عن جزء من حريتها في التصرف في شؤونها وجزء من سيادتها أيضاً، ويجب ألا ندع مجالاً للشك بأنه لا طريق سواه سيؤدي إلى تحقيق الأمن. لكنه يضيف أن نظرة واحدة إلى الجهود الجدية التي بذلت خلال العقود السابقة والرامية إلى تحقيق هذا الهدف ثم باءت بالفشل، تدعو إلى التساؤل عن فاعلية هذه الفكرة على مستوى التجربة والتاريخ.
يكتب فرويد في رده على آينشتاين: "لكن لا بد من الإعتراف، بأن الحرب ليست وسيلة غير صالحة لتحقيق السلام الدائم والمنشود، لأنها قادرة على خلق وحدات كبيرة تحكمها سلطة مركزية قوية، فتحول دون إندلاع حروب أخرى". غير أنه لا يلبث أن يشكك في قدرة الغزاوت على تحقيق ديمومة في الإستقرار لصالح السلم الذي أنتجته، غالباً بسبب انعدام التماسك الداخلي بين الأجزاء الموحدة من طريق العنف. وفي النتيجة، فقد أظهرت هذه المساعي الحربية أن البشرية استبدلت حروبها الكثيرة والصغيرة والمستمرة، بحروب كبيرة ونادرة الوقوع، إلا أنها كانت أشد فتكاً ودماراً.
 
أبواب الحرب
يعتقد آينشتاين أن مصالح الطبقات المتسلطة على الحكم في الدول، هي العائق أمام تفاعل السيادات الدولية. يسميهم آينشتاين، الطائفة الصغيرة من الناس الموجودين داخل كل شعب، والحازمين في أمرهم عملياً، والمتحررين من جميع الإعتبارات والقيود الأخلاقية، أولئك الذين يعتبرون الحرب وصناعة الأسلحة وتصديرها مجرد فرصة لتحقيق منافذ وتوسيع نفوذ. ويتساءل آينشتاين كيف تنجح هذه الفئة القليلة في إخضاع جموع الشعب لها من أجل تحقيق رغباتها، وتدفع بهذه الجموع إلى المعاناة والخسارة في الحرب؟ هل لأنها الأقلية التي تمتلك السلطة على المدارس قبل كل شيء، وكذلك الصحافة، ومعظم المؤسسات الدينية؟ إنها الفئة التي تمارس الحكم بفضل هذه الوسائل، فتؤثر في مشاعر القسم الأكبر من الجماهير، فتحولها إلى أداة طيعة، بمن فيهم الجنود، بجميع رتبهم العسكرية، أولئك الذين جعلوا الحرب وظيفة لهم، مقتنعين بالدفاع عن القيم العليا لشعوبهم، وبأن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع.

يرى فرويد ضرورة العودة إلى الأصل الممارساتي لكل من العنف والقانون، فيقول بأن العنف والقانون قد تطور، كل منهما عبر الآخر. فصراعات المصالح بين الناس تحسم مبدئياً من طريق العنف، وهكذا هو الأمر في مملكة الحيوان كلها، التي لا يمكن للإنسان أن يفصل نفسه عنها. في البدء كانت قوة العضلات هي التي تقرر ملكية هذا الشيء أو ذاك، فتفرض هذه الإرداة أو تلك على الثلة البشرية الصغيرة، ثم سرعان ما تم استبدال القوة العضلية بالآلات، وبات كل من يمتلك الأسلحة الأكثر فعالية أو كل من يستخدمها بشكل أفضل، يُكتب له النصر. لقد بدأ التفوق الفكري، مع استخدام السلاح، يحل محل القوة العضلية الفظة. ومع ذلك بقي الهدف النهائي للقتال على حاله، وهو إجبار أحد الطرفين على التخلي عن مطلبه أو التنازل عن اعتراضه من خلال تدميره وشل قواه الحربية.
إذاً، هذه هي الحال البدائية الأولى كما يراها فرويد، أي سيطرة القوة الأكبر والعنف الذي يستند إلى الوحشية والذكاء معاً. ويوضح أن هذا النظام قد تغير مع التطور البشري، وبرز طريق آخر يقود من العنف إلى القانون. لكن فرويد يشكك في قدرة القانون، الذي بُني على جذور عنفية، أن يكون قادراً على تحقيق التوازن في المجتمعات، بين أفراد الطبقات، وبين القوى المتسلطة على القانون.
يعتبر فرويد أن المجتمع سيبقى متضمناً فئات متفاوتة القوة، من الرجال والنساء، الآباء والأبناء، الذين يتحولون بفعل الحرب والإستسلام والنصر والهزيمة، إلى أسياد وعبيد. ويصبح قانون المجتمع هو الإختلال في توازن القوى داخل المجتمع، وستسن قوانين لصالح الحكام ولا يبقى للمحكومين سوى القليل من الحقوق.

فرض العنف 
إن فرض العنف والهوية هما عاملان يحققان تماسك المجتمع، كما يناقش فرويد، فإذا انهار أحد هذين المقومين، فإن المقوم الثاني يستطيع ربما حفظ المجتمع من الإنهيار. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمدى قوة هذه الأفكار عن الهوية وفاعليتها، فالتاريخ يعلمنا بأنها كانت تمارس تأثيراً، لدى قدماء الإغريق على سبيل المثال، والذين يشعرون بأنهم أفضل من البرابرة الذين كانوا يحيطون بهم، تلك الفكرة أوجدت تجسديها في اتحاد المدن على أسس دينية وثقافية، وكذلك دور المهرجانات الفنية، كانت فعالة بما يكفي للتقليل من نزعة الحرب لدى قدماء اليونان.

لكن فكرة التوحد حول فكر الهوية، فشلت في التجربة الإغريقية، وعجزت بالطبع عن الحيلولة دون نشوب نزاعات مسلحة بين فئات من الشعب الإغريقي نفسه، بل وصل الأمر إلى تحالف مدينة، أو اتحاد مدن، مع العدو الفارسي، وذلك بغية إيذاء المواطن – المنافس – الإغريقي الآخر. وكذلك الأمر مع الشعور الجمعي المسيحي في عضر النهضة، حيث لم تتوان الدول المسيحية الصغيرة والكبيرة، في حينها، عن طلب دعم السلطان العثماني إبان حروبها الداخلية. لذلك أقول أن ليس هناك في عصرنا من سلطة قادرة على القيام بمهام السلطة الموحدة. وخصوصاً أن المثل القومية العليا التي تسيطر في الراهن على الشعوب، تلح على ترك تأثيرها المتنافر في بعضها البعض... يقول فرويد. 

هل النفس البشرية مجبولة على الدمار؟
يتساءل آينشتاين في رسالته إلى فرويد: "هل هناك قوى نفسية متنفذة تفسد الوصول إلى الأمن؟ هل يمكن التأثير في التطور النفسي للناس، ليصبحوا أكثر مقاومة لعصاب الكراهية والتدمير؟".. هو السؤال الذي يقود فرويد للحديث عن غرائز الإنسان التي تتألف من نوعين، وهي إما تلك التي تبقيه على قيد الحياة وتوحده مع الآخرين – ويطلق على هذه الغريزة مصطلح الشهوة الجنسية "إيروس"، أو تلك الغريزة التي تؤدي إلى التدمير والقتل، أي الغريزة العدوانية، أو "الغريزة الهدامة"، بحسب تعبير فرويد.
إيروس وتانتوس، غريزتان، بحسب فرويد، تجسدان التناقض المعروف بين الحب والكراهية. ولكن لا يمكن أن نَسِم إحداهما بالخير والأخرى بالشر، لأن إحدى هاتين الغريزتين لا يمكنها الإستغناء عن الأخرى، إذ أن مظاهر الحياة تتجلى عبر التأثيرات المتجانسة والمتناقضة بينهما. ويبدو إن إحدى هاتين الغريزتين لا يمكنها العمل بشكل منفصل عن الأخرى. فمثلاً غريزة البقاء تحمل طبيعة جنسية بالتأكيد، لكن هذه الغريزة تحتاج إلى امتلاك الروح العدوانية إذا ما أرادت تنفيذ رغبتها. أما غريزة الكراهية فهي تتفعل في دخيلة كل كائن حي، ثم تسعى إلى تحطيم هذا الكائن وتحيل حياته إلى مادة جامدة خالية من الحياة، إنها تستحق أن نطلق عليها غريزة الموت.
لا يشك فرويد في أننا نحمل في دواخلنا أكبر قدر ممكن من النزعات العدوانية، التي لم يعد هناك أي أفق لإستئصالها من ثقافة الناس. وإذا ما كان الإستعداد للحرب إفرازاً لغريزة الهدم، فمن المنطقي الإستعانة بغريمتها المنافسة وهي غريمة الحب والحياة. لأن الحرب تنهي حياة الناس المفعمين بالأمل، وتضع الإنسان الفرد في موقف مهين وتجبره على القتل، وتدمر الحرب القيم المادية النفسية التي هي نتاج البشرية. كما أن الحرب المستقبلية تعني إبادة خصم واحد أو كلا الخصمين ربما، وذلك بفضل توفر وسائل الدمار الشامل.
الحب، الهوية، والعمل الثقافي
أخيراً، يحيي فرويد تلك الجهود التي تساهم في خلق الأواصر القائمة على المشاعر المشتركة بين البشر، وهي التي تنقسم برأيه إلى قسمين: العلاقات المرتبطة بمشروع حب، من دون أن نشعر بالتحدث عن الحب بغاية جنسية أو ذلك الذي يتم دون غاية جنسية. والنوع الثاني من العلاقات هي الروباط المشتركة في فكرة "الهوية" التي يقوم عليها الجزء الأعظم من البناء الإجتماعي.
ويكتب فرويد: "علينا أن نشجب الحرب، إننا لا نتحمل وقوعها بكل بسلطة. وهذا ليس مجرد رفض فكري متصنع، بل إنه عدم تحمل بنيوي بالنسبة لنا نحن الناس المسالمين، وربما يشبه الإفراط في المزاج الحساس. وبهذا المعنى علينا أن نخاطب أنفسنا بالقول: إن كل شيء من شأنه أن يشجع التطور الثقافي فإنه سيعمل أيضاً ضد الحرب".
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها