آخر تحديث:10:46(بيروت)
الإثنين 08/01/2018
share

"حياة كاملة" للكاتب النمساوي روبرت زيتالر

المدن - ثقافة | الإثنين 08/01/2018
شارك المقال :
  • 0

"حياة كاملة" للكاتب النمساوي روبرت زيتالر ترجمتها عن الألمانية ليندا حسين
صدرت عن دار التنوير رواية "حياة كاملة" للكاتب النمساوي روبرت زيتالر وهي الرواية التي حصلت على عدد كبير من الجوائز الأدبية. ترجمتها عن الألمانية ليندا حسين. 

هنا مقطع منها: مشى أندرياس إيجر مئات الأمتار الأخيرة نازلاً باتجاه القرية ليبثَّ الدفءَ في روحه الغارقة في الذعر بصحنٍ من الفطائر المُحلّاة الدّسمة وكأسٍ من الكراوترر المنزلي (مشروب روحي منكه بالأعشاب والبهار) في نزل "الشمواه الذهبي". وجد لنفسه مكاناً بجانب الموقد الحجري مباشرة، وضع يديه على الطاولة، وأحس مجدداً بالدم الدافئ يجري ببطء في أصابعه. كان باب الموقد الصغير مفتوحاً، وبداخله كانت النار تطقطق. لوهلة قصيرة خيّل إليه أنه يرى وسط اللهب وجه راعي الماعز محدّقاً به بلا حراك. أغلق فتحة الموقد بسرعة، وتجرع شرابه مغلقاً عينيه بإحكام. عندما فتح عينيه ثانية كانت تقف أمامه امرأة شابة. كانت تقف هناك فقط، يداها على خصرها، محدقة به. كان شعرها قصيراً، أشقر فاتحاً، وقد تورّدت بشرتها واتّقدت في دفء الموقد. هذا المشهد جعل إيجر يتذكر صغار الخنازير حديثة الولادة، والتي كان يرفعها عن القش عندما كان فتىً ليدفن وجهه في بطونها الطرية التي تفوح منها روائح التراب والحليب وروث الخنازير. نظر نحو الأسفل إلى يديه. بدتا له فجأة غريبتين. بالطريقة التي تسترخيان بها هناك، بدتا ثقيلتين، وعديمتي الفائدة، وغبيتين.
"واحداً آخر؟"، سألته المرأة الشابة، وإيجر هز رأسه موافقاً. أحضرتْ كأساً جديدةً، وعندما انحنت إلى الأمام لتضعها على الطاولة، لمست ذراعَهُ بطيّةِ قميصِها. ورغم أن لمْسَتها بالكاد يُحَسُّ بها، إلا أنها خلّفت وجعاً خفيفاً، بدا أنه يحفر عميقاً في لحمه مع كل ثانية تمرّ. نظر إليها، وابتسمت.

ظل أندرياس إيجر طوال حياته يعاود التفكير بهذه النظرة، بهذه الابتسامة القصيرة بعد ظهر ذلك اليوم، أمام موقد النزل الذي كان يطقطق بصوت خافت. لاحقاً عندما خرج إلى الهواء الطلق، كان الثلج قد توقف. كان الجو بارداً والهواء نظيفاً، وبقايا الضباب تزحف إلى أعالي الجبال التي كانت قممُها قد بدأت تتوهّج في ضوء الشمس. ترك إيجر القرية وراءه، واتجه نحو بيته خائضاً في الثلج العميق. كانت مجموعةٌ من الأولاد تلعب عند الجدول الجبلي أسفلَ الجسر الخشبي الصغير ببضعة أمتار. كانوا قد ألقوا حقائبهم المدرسية في الثلج، وبدأوا بالتسلّق من مكان إلى مكان في مجرى الجدول. بعضُهم كان يتزحلق على مؤخرته فوق المجرى المائي المتجمّد، بينما أخذ بعضُهم الآخرُ يزحف فوق الجليد على أربعٍ ليصغي إلى القرقرة الخفيضة تحتَه. عندما اكتشفوا وجودَ إيجر تجمهروا وراحوا يصيحون: "أعرج! أعرج!" دوّى صوتُهم في الهواء الزجاجي واضحاً وصافياً كصرخات النسور الفتية التي كانت تحوم فوق الوادي على علوّ مرتفع، والتي كانت تلتقط ظباءَ الشمواه من الصدوع التي سقطتْ بها، والعنزاتِ من المراعي.
 
عن المؤلف:
روبرت زيتالر روائي وسناريست ولد في فيينا 1966، ويعيش حالياً بين برلين وفيينا. عمل ممثلاً في العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية وأدى أدواراً في أعمال مسرحية عرضت في النمسا وألمانيا. نال العديد من الجوائز الأدبية كان آخرها جائزة آنطون- فيلدجانس الأدبية النمساوية وقد سبق أن حصل على هذه الجائزة عدد من الكتاب النمساويين الكبار مثل إينجبورج باخمان وتوماس بيرنهارد.

وصلت روايته "بائع التبغ" إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وترجمت إلى لغات عدة. أما روايته الأخيرة "حياة كاملة" فقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر 2016، ونالت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، وترجمت حتى اليوم إلى أكثر من ثلاثين لغة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها