آخر تحديث:11:49(بيروت)
الأربعاء 10/01/2018
share

"نفاق" شيرين نشأت في بحثها عن أم كلثوم

يارا نحلة | الأربعاء 10/01/2018
شارك المقال :
  • 0

"نفاق" شيرين نشأت في بحثها عن أم كلثوم أتخمت شيرين نشأت فيلمها بصورٍ إستشراقية مبتذلة بفرط شاعريتها
خلال رحلة بحثها عن أم كلثوم، أضاعت المخرجة الإيرانية شيرين نشأت (أو نيشات) "كوكب الشرق" في بحرٍ من الكليشيهات والمغالطات الثقافية. فبشيء من العنجهية، رفضت نشأت بذل أي جهد للخروج عن الحدود الضيقة لتجربتها الشخصية بغية الإستقصاء عن تجربةٍ مغايرة لها، واكتفت بتكوين صورة متخيلة عنها. وبفظاظة، أقحمت نشأت نفسها في كلّ المواقف التي صنعتها لبطلتها بما يلائم سردياتها الخاصة. واختزلت فردية أم كلثوم إلى جانبٍ واحدٍ من تجربتها، وهو الجانب الذي تتماهي معه نشأت، أي كونها امرأة في عالم الرجال.

"البحث عن أم كلثوم" هو التجربة السينمائية الثانية لنشأت بعد فيلمها الروائي الأول "نساء بدون رجال"، وهو قد عرض في آب الماضي خلال مهرجان تورنتو السينمائي. أما في عالم البصريات، فتعود تجربة نشأت إلى أوائل التسعينيات حيث ابتدأت مسيرتها بالتصوير الفوتوغرافي، وانتقلت بعدها إلى فنّ التركيبات video installation. ورغم تعدّد الوسائط، ميّزت نشأت أعمالها بهوية جمالية خاصة بها، تمزج بين الخاص والسياسي. وبحكم نشأتها في إيران قبل الجمهورية الإسلامية، كرّست نشاط عدستها للمرأة وتجاربها، ولا سيما المرأة المسلمة التي تشهد ما تشهده من قمعٍ واضطهاد.

إلا أن العدسة التي نجحت في تصوير كثير من التجارب الأنثوية من قبل، أخفقت هذه المرة في التقاط صورة للأنثى التي هي أم كلثوم. ذلك أن الإطار الذي أعدّته نشأت لها لا يلائمها بتاتاً. فقد عادت المخرجة إلى القرن الماضي، واقتلعت منه إحدى أبرز رموزه، معيدة تركيبه بما يتناسب مع رؤيتها الـ"ما بعد حداثية". إلا أن المخرجة كانت مدركة للجدل الذي قد يثيره عمل من هذا النوع، خصوصاً لجهة تطفلها على ثقافةٍ غريبةٍ عنها بلغتها وموسيقاها، فلم تدع معرفتها وفهمها الكامل لأم كلثوم. لذلك، تجنّبت سرد سيرتها الذاتية، وجعلت البحث عنها موضوعاً لفيلمها الروائي.

يسرد الفيلم قصة مخرجة إيرانية (ميترا) تشرع في تحقيق حلمها بصنع فيلم عن الأيقونة المصرية أم كلثوم. وبأسلوبها القائم على التوازي والتماثل، تتنقّل كاميرا نشأت بين قصتين مختلفتين لكن "متشابهتين"، على ما أرادت إبرازه، راسمةً توازياً بين تجارب أم كلثوم وتجارب ميترا (التي تجسّد نشأت)، وتمتزج صراعاتهما، وذلك بوصفهما فنانتين تسعيان إلى التألق في مجتمع يسنّ الذكور قوانينه. تعزم ميترا على تفكيك هذا المجتمع بعلاقاته وأحكامه الجندرية من جهة، وتفكيك الأسطورة التي تمثّلها أم كلثوم من جهةٍ أخرى، وذلك بغية إلقاء نظرة إلى ما وراء هذه الأسطورة من صراعاتٍ إنسانية.

وتتجسّد إحدى صراعات ميترا بتعرّضها لكثير من الانتقادات من قبل فريق عملها والمنتجين الذين يشكون في قدرتها على إنجاز هذا العمل. فهي تقرّ بأنها لا تعرف اللغة التي تغني بها أم كلثوم. وباللغة الإنكليزية، توجّه تعليماتها لفريق العمل العربي مرغمةً إياه على تحريف حياة أم كلثوم وشخصيتها. فقد استبقت نشأت النقد الذي ستثيره إشكالية تنفيذها لهذا الفيلم، فضمّنته في قصة الفيلم نفسه، ما يعتبر بمثابة اعترافٍ ضمني من جانبها بشرعية هذا النقد. إلا أنها عادت وتراجعت عن هذا الاعتراف، واضعةً أي إنتقاد تتعرّض له ميترا في إطار السلوك المعادي للنساء. فبعد أن تساءل أحد الممثلين في فريق عن "من تكون هذه المرأة الأجنبية لتصنع فيلماً عن أم كلثوم؟"، قال مضيفاً "هذا ما يحصل حين تسلّم فيلما لامرأة".

يفضح هذا المشهد نفاق نشأت في مقاربتها لأم كلثوم من زاويةٍ واحدة فحسب. فهي عجزت عن تمثيل الحقبة والمكان الذي انبعثت منه أم كلثوم، وارتكبت أخطاءً لغوية وتاريخية فادحة، كان أقلّها استبدال كلمة "آه" على لسان أم كلثوم بال"إيه" اللبنانية. والحقيقة أن إهمال من هذا النوع للمعايير الحرفية الدنيا لا يغتفر لعمل ذي موازنة عالية كما هو واضح من خلال أزياء الممثلين ومواقع التصوير الباذخة، وغيرها من معالم الإسراف الإنتاجي. أما في ما يخصّ المضمون، فقد أتخمته نشأت بصورٍ إستشراقية مبتذلة بفرط شاعريتها. وقد ذهبت بها الشاعرية السياسية إلى حدّ تصوير مشهد عن تظاهرة نسائية قامت للمطالبة بالحقوق السياسية للمرأة، زجّت فيها أم كلثوم بطريقةٍ عشوائية ترضي طموحاتها النسوية. هذا بالإضافة إلى مشاهد عبد الناصر والسادات التي تتكرّر في كلّ تقريرٍ يعدّ عن أم كلثوم.

لقد كانت نشأت صريحة في توجهها إلى الجمهور الغربي، إلا أنها قد خذلت حتى المشاهد الذي يجهل أم كلثوم جهلاً تاماً، إذ تلتبس عليه شخصيتي أم كلثوم وميترا/ نشأت، بفعل ما خلقته من ارباكٍ عام في بنية الفيلم وتصميم شخصياته. وبالرغم من محاولاتها الحثيثة لإبراز أوجه الشبه بين أزمتي الشخصيات، إلا أنها لم تقدّم أي حجج مقنعة لهذا الادعاء بالتشابه، وسوى بالطبع أنوثة الفنانتين، وإنحدارهما من مجتمعات إسلامية. فالأساس الذي انطلقت منه نشاط لبناء أزمة ميترا، المتمثلة بإبتعادها عن بلدها الأم وعن ابنها الذي لم تره من سبعة سنوات، بدا مفتعلاً وغير حقيقي، إضافة درامية أخرى لا أكثر. 

إن السردية التفكيكية التي تعتمدها نشأت في خلق شتى أعمالها، فشلت هذه المرة في صوغ شخصية أم كلثوم، بل وكشفت عن سطحيةٍ وادعاءٍ في تناول مفهوم "التفكيك" نفسه. فنشأت التي تدعي أنها تبحث عن ذاتها عبر أم كلثوم، عمدت في الواقع إلى اخفاء هذه الذات خلف أقنعة أخيرة، أقلّها اللجوء إلى تقنية "فيلم داخل فيلم" بما فيها من تعقيدات وإلتباسات. وكانت النتيجة إخفاقها في تصوير الأثر الصادق الذي يحدثه صوت أم كلثوم في نفسها. فلكثرة إنهماكها بالصورة، أغفلت المخرجة الصوت، وغاصت في الخطابات والسرديات المتحذلقة إلى حد الغرق، بدل أن تطفو على ألحان الطرب. في نهاية الفيلم، أطفأت نشأت صوت أم كلثوم وأبقت على صورتها، وكأنه إعتراف لاواعٍ من قبلها على فشلها في إلتقاط هذه الصوت.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها