آخر تحديث:11:53(بيروت)
الأربعاء 27/09/2017
share

إطلاق الكلاب على جمهور "مشروع ليلى"

أحمد ناجي | الأربعاء 27/09/2017
شارك المقال :
  • 0

إطلاق الكلاب على جمهور "مشروع ليلى" هذا جيل جديد مختلف تماماً عما عرفتُه مع "مشروع ليلى" منذ عشر سنوات
لنعترف بذلك، حتى أعظم قصص الحب وأكثرها سحراً وروعة، أحياناً تنتهي نهايات حزينة، وأحياناً لا تنتهي، بل تستمر بصحبة التوتر والحزن وربما الملل.

لنراجع الموقف يا صاحبي، أنت تعرفهم حتى من قبل أن يأتوا إلى القاهرة. كانت فرقة جامعية تختبر مدى جديتها، وتبحث عن أرض يقف عليها مشروعها، ولا تكون تلك الأرض شركة "روتانا". أتوا إلى القاهرة في المرة الأولى، بدعوة من مؤسسة المورد، شاهدتَهم يخرجون من الحضانة وهم يعتلون أول مسرح لهم في القاهرة أمام جمهور لم يتعد الألف مستمع. شاهدتَهم بعدها في حفلة أضيق في "كايرو جاز كلوب". كنت ترقص معهم حرفياً، شربتَ نخبهم ووجهتَ لهم التحية على الطاقة والأداء وصافحتَ أفراد الفرقة. كانوا لا يزالون طلاباً في الجامعة، وحامد سنو يرسم الغرافيتي على جدران بيروت، ويتكسب رزقه من العمل كمصمم غرافيك.

كنتَ هناك يا زميلي حينما لم تكن هناك "أنغامي"، أو "ساوند كلاود". كانت الأغاني تُحمَّل على مواقع Fileshare أو تُرسل في الإيميل. "يوتيوب" كان موجوداً، لكن الإنترنت كانت مكلفة وبطيئة. نزَّلتَ أغنية "رقصة ليلى" من "يوتيوب" ثم فصلتَ شريط الصوت عن الصورة، لكي تستطيع وضع الأغنية على مشغل mp3 فتستمع إليها في المواصلات العامة. انتظر، متى كان هذا؟ الرؤية مشوشة وتبدو بعيدة جداً.

عشر سنوات إذن يا صاحبي، أو أقل قليلاً، لنعتبرها عشر سنوات وأنت في هذه العلاقة مع "ليلى" و"مشروعها". كرهتَ بعض تحولاتهم وتقلباتهم، لم تحب ألبوم "رقصوك"، بكيتَ سراً على رحيل أمية ملاعب. شعرتَ بالغيرة حينما قابلتَ فتاة لم تتخط العشرين من العمر، وتضع قلادة عليها اسمهم. شعرتَ بالغيرة لدرجة أنك تعمدتَ أن تقلل من شأنهم كعاشق مغدور يُنكر حبيبته. أنا أتفهم ذلك كله، العلاقات ذات التاريخ الطويل، من الصعب أن نحدد موقفنا منها. مزيج من الخيبات الصغيرة المتراكمة والحنين لأفراح أيام الشباب.

لكن أنظر إليهم يا صاحبي. قدر الإمكان فعلوها، حافظوا على قدر كبير من الإتساق مع النفس والصراحة. قدر يجعلهم يتفادون أثماناً فادحة يدفعها كل من حاول أن يقول حقيقته في هذه المنطقة حيث الكذب هو خبزهم اليومي والنفاق حليبهم.

أنت يا زميلي في المقابل كيف تحولتَ إلى شخص تعيس، نشاطه السعيد أن يجلس مع جوقة الضفادع ينقنق متخيلاً أنه ذو صوت فريد.

قبل أيام، أقامت واحدة من الشركات التجارية الكبرى في مصر والمملوكة لحوت المولات والأسواق التجارية الخليجي الشهير، حفلة موسيقية، ضمت ثلاث فرق هي: "المربع" من الأردن، "مشروع ليلى" لبنان، و"شارموفورز" مصر. كنتُ هناك، شاهدتُ الأداء الباهت لفريق "المربع" والذي اختتموه بتوجيه التحية والشكر لوزير الثقافة الأردني. ثم تلاهم "مشروع ليلى" أمام جمهور لا يقل عن 30 ألف مستمع من الشباب. على غير العادة، كان تنظيم الحفلة على قدر كبير من الانضباط، حمّامات عامة نظيفة، أَمن منظم لكن من دون غلظة أو استعراض للقوة، مسرح معقول، هندسة الصوت ليست الأفضل لكنها اللعنة الأبدية في حفلات مصر. أما ما لم يكن عادياً فهو الجمهور الذي حضر الحفلة.

قضيتُ أربع ساعات وأنا أتجول مشاهداً، مراقباً، متلصصاً على جمهور من أعمار تراوحت بين الـ14 عاماً ومنتصف العشرينات. كنتُ عجوزاً بشاربي هذا بالتأكيد، لاحظتُ أن أمهات وآباء حضروا مع أبنائهم وبناتهم ليطمئنوا عليهم. هذا جيل جديد مختلف تماماً عما عرفته مع "مشروع ليلى" قبل عشر سنوات.

كنا نعيش في قواقع صغيرة، سعداء بدوائرنا الضيقة، نستمع إلى موسيقانا ونتبادلها كأنها موسيقى سرية. نخفي هويتنا ونستخدم أسماء مستعارة ونتحاشى الإعلان عن وجودنا في الأماكن العامة. لم نحتَج إلى أي اعتراف من المجتمع، بل كنا نريد أن يتركنا في الركن المظلم - نحن أبناء الليل.
 
أما الجيل هذا، فمختلف. آلاف العشاق يسيرون في ثنائيات، فخورين بحبّهم. الإناث أكثر بكثير من الذكور. لا يخجلون من حماستهم وشغفهم بالتدخين والشرب ولعق الحياة وملذاتها. لم أشاهد أو أرصد أي شكل من أشكال التحرش أو العنف غير المباشر. كيمياء العلاقات الاجتماعية في ما بينهم كانت مختلفة. بسهولة، كانت الشِّلل والجماعات تتعارف وترقص وتغني، رغم أنهم يتقابلون للمرة الأولى. ولدت قصص حب كثيرة أمام عينيّ في تلك الساعات. حتى من أتوا إلى الحفلة بصحبة "شلّتهم"، كانت الشِّلل تتعارف وتُحلّ وتجتمع. ثم ارتفع علم قوس قزح. نظرتُ حولي: ابتسامة عريضة أشرقت على الثلاثين ألفاً، كل منهم يلفت نظر رفيقه إلى العلم المرفوع ويصرخان بصيحة التحية والفرح للراية الخفاقة. هؤلاء لا يريدون الاختباء من المجتمع أو صنع فرحتهم الخاصة داخل قوقعتهم الاجتماعية، بل يريدون انتزاع الاعتراف والسعادة التي يستحقونها من مخالب هذا المجتمع الوحشي ومؤسساته الاستبدادية.

الرد لم يتأخر كثيراً. صدر الأمر. هناك توجيهات أمنية وسياسية واضحة أُطلقت ضد الحفلة وضد "مشروع ليلى"، وضد الشباب الذين حضروا، لكن بالتأكيد لم تُطلق أي إشارة ضد المنظمين أو المستثمرين الخليجيين الذي جنوا من الحفلة أكثر من خمسة ملايين جنيه (250 ألف دولار أميركي).

التنسيق الأمني ضد حفلة "مشروع ليلى" تمّ على أعلى مستوى. أحمد موسى، المتحدث الإعلامي باسم الأجهزة الأمنية، أطلق حملة تحذير من خطر الشذوذ على الدولة، أعضاء البرلمان انطلقوا كذلك، وزارة الداخلية أعلنت القبض على الشباب الذين رفعوا العلم، نقابة الموسيقيين أطلقت تصريحات فارغة هددت بمنع "مشروع ليلى" من الغناء من مصر، رغم أن القانون لا يمنحها ذلك الحق. وحده جهاز المصنفات والأمن الوطني يملك القدرة على إصدار مثل هذه القرارات، وهو ما لم ينطق به أي مصدر أمني، بل ركزت تصريحاتهم على ضرورة معاقبة الجمهور.

أعلنت وزارة الداخلية القبض على سبعة شباب قالت أنهم من رفع العلم، ووجهت إليهم تهمة نشر الفجور، والتي تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات.

بعد انتهاء فقرة "مشروع ليلى"، انصرفتُ من الحفلة، مثل آلاف الحاضرين. لم أهتم لسماع "شارموفورز"، فقد سبق أن شاهدت الكثير من اسكتشاتهم المضحكة، وهم لم يعودوا مضحكين منذ أن بدأوا الغناء للسيد الرئيس في حفلات الدولة الرسمية. في الأخبار، لم يذكر أن الحفلة ضمّت فرقاً أخرى مع الفرقة اللبنانية، لأن الحفلة كانت بتوقيع "مشروع ليلى" فقط.


انحيازات "مشروع ليلى" واضحة. لا يهربون من المواجهةن ولا حتى بتغيير المسار، ولا تضطرهم الظروف إلى تقديم تنازلات، على عكس الفرق الأردنية أو المصرية. "مشروع ليلى" هو مشروع حياة وانحيازات أعضاء الفريق. خلال عشر سنوات راقبنا تقلباتهم ونضجهم، ومعهم نضجنا وتقلّبنا، لكن تأثيرهم تجاوزنا إلى أجيال جديدة وجدوا في "أنا" حامد سنو التي تتكرر في كل أغانيه تعبيراً عنهم.

ليست المثلية هي ما يحاربه المجتمع المصري ومؤسساته الآن. بالعكس، فلطالما كان المثليون مرحباً بهم في أعلى مؤسسات السلطة في مصر. ذات فترة، كان لدينا ثلاثة وزراء مثليين جنسياً في واحدة من حكومات مبارك. لكن القاعدة الجاري تطبيقها هي "لا تخبر، لا تسأل"... لا نهتم بمن تنام معه، لكن أن تعلن ذلك، وأن تسعى لنيل الاعتراف بما تفعله، حينها سينفجر ضدك غضب الجميع، لأنك تريد تشكيل جماعة وتيار جديد يقاسمهم كعكة الهراء. الأغرب في أزمة "مشروع ليلى"، ليس موقف شيوخ الدين أو دلاديل الحكومة والسلطة، بل تعليقات بعض المنتسبين للمعارضة أو المتحدثين باسم التيار الثوري، الذين كرروا الأسطوانة ذاتها عن أن هذه ليست المعركة المناسبة، وأنهم ليسوا ضد المثلية إنما ضد الإعلان عنها.

ربما تنحسر تلك الموجة فجأة، مثلما بدأت فجأة، إذا شعر المالك والمستثمر الخليجي بأن الأمر قد يشكل خطراً على سمعة استثماراته. لكن ربما تستمر وتكبر، كأن يُسجن هؤلاء الشباب بالفعل فيطلقوا الشرارة الأولى كأول سجناء دفاعاً عن حق المثليين في الإعلان عن أنفسهم. ربما يُمنع "مشروع ليلى" من الغناء في مصر، وهي ضريبة دفعوها سابقاً في الأردن، ونتمنى ألا يدفعوها في القاهرة. نتمنى أن نراهم قريباً، أن يظلوا قادرين على منح تلك الفرحة لكل هؤلاء الشباب، والتوتر العاطفي لعشاقهم القدامى.
 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها