آخر تحديث:13:23(بيروت)
الخميس 14/09/2017
share

نسيان فتحية أحمد... ومطربات ما قبل الميكروفون

محمد حجيري | الخميس 14/09/2017
شارك المقال :
  • 0

نسيان فتحية أحمد... ومطربات ما قبل الميكروفون تخت فتحية أحمد مسرح رمسيس 1931- صورة دعائية
"ننتهز هذه الفرصة لنسوق البشرى لعشاق الموسيقى بأننا قريباً سنقدم اليهم بعض اسطوانات السيدة فتحية احمد الغريدة الشهيرة... فليبادر جمهورنا الكريم وليجرب اسطوانة من باب العلم بالشيء.. ليتحقق من صدق ما نقول"، كانت هذه مقدمة لإعلان دعاية خطته شركة كولومبيا العام 1929 على كتالوغ الاسطوانات التي انتجتها لها، يعكس مدى الشهرة التي وصلت اليها وتزامنت مع وقت تربعت فيه على قمة الغناء زاحمها في ذلك منيرة المهدية وأم كلثوم.


تعرف عليها "شاعر القطرين" اللبناني خليل مطران في مدينة زحلة، وطلب من أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب أن يطلقا عليها لقب "مطربة القطرين" رسمياً بين الأوساط الفنية والأدبية... وبعد كل ما وصلت إليه من شهرة لغاية الاربعينيات من القرن الماضي غابت عن ذاكرة الناس وأصبحت مطربة مغمورة وتكاد تقتصر معرفة بعض الجمهور بها على أغنية "يا حلاوة الدنيا"... وبين الشهرة والانطفاء والصعود والهبوط، غالباً ما تُقارن فتحية بأم كلثوم التي استطاعت أن تتخطى الأزمان والتحولات وتصبح أيقونة، واكتسحت عشرات الأسماء من اللتي أصبحت في دائرة النسيان... والحال أن نسيان فتحية أحمد، كان دافع المؤلف المصري محبّ جميل لإصدار كتاب "فتحية أحمد مطربة القطرين"(منشورات دار الجديد) الذي نعود اليه ولو متأخرين قليلاً، ليتناول حياة مطربة ما قبل الميكروفون ومكانتها المنسية في المشهد الموسيقى في مصر والشام. كتب محبّ جميل: "لماذا قررت البحث عن فتحية أحمد: هل لقلة في المعلومات حولها، أم لشغفٍ يتعلّق بصوتها؟ أشعرُ برغبة تدفعني تجاه هؤلاء الذين جرفتهم الأيام تحت أقدامها بعدما كانوا من ذوي الموهبة والنجاح. كلّما حاولتُ أن أشرح لماذا فتحية أحمد، فشلتُ، لكن يقيني أن هذا الصوت الرخيم كان يذكرنا جميعاً بأيام لكل منا فيها نصيب". من هنا انطلق محبّ ودفع به نقص المراجع الدقيقة والمعمقة حول سيرتها إلى الانكباب على رسم بورتريه تقريبي للفنانة، تمثل في كتاب جديد يضيء على المسيرة الغامضة لصاحبة "الحنجرة الثمينة التي ظلمها القدر". يضيف الكاتب: "لقد مثل لي صوت فتحية أحمد محطة أساسية في حياتي لا يمكن أن أتجاوزها، فمنذ أن سمعتها للمرة الأولى شعرت أن هناك شيئاً مميزاً في تلك النبرة يجعلها متفردة عن باقي الأصوات النسائية مع بدايات القرن العشرين"، شارحاً المعوقات التي واجهته خلال البحث عنها. خلال ستة فصول وأربعة ملاحق، يتصدى الكتاب لحياة فتحية أحمد الفنية (ما لها وما عليها)، لتسليط الضوء على حياتها الفنية التي امتدت إلى ما يقرب من خمسين عاماً... معتمداً "... على نحو أساسي في تدوين سطور حياتها الأولى على الحوارات الصحفية... والرجوع إلى جرد كل ما أتيح من تسجيلات تجارية (ميشيان – أوديون – كولومبيا) والتسجيلات الإذاعية... وأعمال مسجلة استخرجها من قوائم فنية وفهارس خاصة بشعراء الأغاني والملحنين.  

شاءت الصدف أن يكتشف نجيب الريحاني صوت فتحية أحمد، وهي لم تغادر الطفولة بعد، فتبناها، ورعاها، قبل أن يتنافس على خطب ودّها كبار ملحني عصر الطرب الذهبي... وبعد سنوات من التألق الذي يعود الفضل فيه الى كبار من قبيل زكريا أحمد وأبو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي ورياض السنباطي، والى شركات الاسطوانات الوليدة، والإذاعة الوطنية الناشئة، انسحبت فتحية أحمد من عالم الأضواء معتكفة في بيتها مريضة صابرة على تقلبات الدّهر والحال ان قواسم مشتركة كثيرة جمعت ما بين فتحية أحمد وأم كلثوم، فكما تشير المعلومات غير الدقيقة الى انهما ولدتا في العام نفسه (أو في وقت متقارب)، وشاء القدر ان تكون وفاتهما في العام نفسه أيضاً 1975. وجمعت بينهما صداقة متينة لسنوات طويلة، وفي العام 1949 وبعد عودة ام كلثوم من رحلة العلاج، أُقيمت لها في معهد الموسيقى العربية حفلة بهذه المناسبة استهلتها فتحية احمد بأغنية أعدتها خصيصاً لصديقتها "ثومة"، تقول كلماتها "الناس تقدم تهانيها وانا جايه... ابيع الأزاهر للجناينية" ومع ذلك كان بينهما تنافس خفي حدّ من طبيعة علاقتهما...

 بينما خشيت منيرة المهدية صوت أم كلثوم، خشيت أم كلثوم صوت فتحية أحمد، خصوصاً أنهما اشتركتا في الاعتماد على ألحان كبار الملحنين أمثال الشيخ ابو العلا محمد، الدكتور أحمد صبري النجريدي، زكريا أحمد، محمد القصبجي ولاحقاً رياض السنباطي. كتب محمد السيد المويلحي في مجلة "الرسالة"(فبراير 1939) إنه تحت تأثير صوت فتحية أحمد، خرجت أم كلثوم عن طورها، ويكمل: "لم أرها في موقف لمطرب أو مطربة تصرخ كما كانت تصرخ أمام فتحية. ولقد أراد البعض أن يرجعوها في الغناء بعدما أنهت...". قال عنها الأديب عباس محمود العقاد: "صوتها يمثّلها تمثيلاً عجيباً في البساطة والطيبة وراحة القلب والصراحة، حتّى يخيّل إلى من يسمعها ويراها أنّه قد رآها قبل ذلك، لا نفاق في الإحساس الذي توحيه معرفتها ويوحيه غناؤها. إنّ الرسالة تخدم الغناء الشعبي خدمة جليلة لو وجهت عنايتها إلى إحياء الأدوار القديمة المأثورة التي تناسب عصرنا الحاضر، لأنّها توافق صوتها كلّ الموافقة".

وعلى عكس الخلافات التي "أرستها" الصحافة بين أم كلثوم منيرة المهدية، فانسحبت الأخيرة من الساحة الغنائية ولم تعد تلك التي تهدد عرش أم كلثوم على الغناء كونها لم تواكب التطور وتراجع صوتها لإدمانها تناول الشيشة، فإن فتحية ظلت المنافسة الحقيقية لها، لقوة صوتها، وهي سبقت أم كلثوم في الشهرة وهذا ما أثبتته الاستفتاءات التي كانت تعقدها المجلات الفنية وتكون النتيجة دائماً تفوق فتحية على أم كلثوم. كل هذا كانت تضعه "ثومة" في اعتبارها وبذلت مجهوداً لتطور نفسها، بتعاونها مع أهم الشعراء والملحنين، وكان لديها من الذكاء ما يكفي لتصل إلى مرادها، واستطاعت توظيف السينما لصالح نجوميتها، فغنّت ومثّلت في ستة أفلام. أما فتحية أحمد فظهرت فعلياً في فيلمها الوحيد "حنان" كمغنية وممثلة، وغنت من دون أن تظهر فى فيلم "عايده" العام 1942، وكذلك في فيلم "أحلام الشباب".

على أن الظروف الاجتماعية التي عاشتها فتحية أحمد، كان لها تأثيرها السلبي في حياتها كفنانة. استغل زوجها الأول جهلها بالقراءة والكتابة، وبحجة إدارته لأعمالها، استولى على أموالها. ولم ينقذ أم كلثوم من هذه المنافسة غير اعتزال فتحية وتفرغها لتربية أطفالها لفترة غير قصيرة، وهي بحسب محمد المويلحي "أول (مطربة) جمعت بين أشياء متناقضة متنافرة لا سبيل إلى جمعها أبداً! جمعت (الشرف) والفن والأمومة المنتجة الرحيمة التي تبذل دمها وروحها لتهذب وتعلم أولادها من مالها (الحلال) الذي جمعته من كدها، وتعبها، وصوتها".

الستينات
في خلال مرحلة الستينيات دخلت فتحية أحمد في نوستالجيا متواصلة، فالسيدة التي ذاع صيتها من مصر حتى بلاد الشام لم تعد غرف الإذاعة تحتويها. وبدأت هي الاخرى في الانزواء في منزلها، خصوصاً بعدما اشتدّ مرضها. وبدأ المسؤولون عن الإذاعة المصرية التفكير جدياً في عودتها مرة أخرى الى الميكروفون، الى جانب نجوم آخرين امثال: نادرة، وحامد مرسي، وعبد اللطيف البنا.

وفي آواخر الستينيات كتبت عنها مجلة "الكواكب" في 26/ 11/ 1968 مقالاً جاء فيه: "قليلون من أبناء هذه الجيل هم الذين يذكرون فتحية أحمد التي كانت واحدة من مطربات الطليعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وشاءت بعض الظروف الخارجة عن إرادتها ان تبتعد عن الحياة الفنية، ثم فرضت عليها هذه الظروف أيضاً أن تعتزل الحياة الفنية، وقد شجعها على ذلك أنها أصيبت بحالة من قرف من الفن، بعدما وجدت مطربات - لا تؤهلهن مواهبهن للغناء- يفرضن أنفسهن على الفن بفضل الميكروفون الذي يغطي كل العيوب الفنية. وكتب الباحث كمال كريم قصار في جريدة "الحياة" العام 2003، "وأذكر انني كنت أطلب من قريبة لي تزور القاهرة أن تُحضر لي تسجيلات من الخمسينات وأوائل الستينيات للمغنية فتحية أحمد، وهي مصرية عاشت في مصر، وبلغ من شهرتها ان لُقّبت "مغنية القطرين". لكن أحداً لم يتذكرها، وكان الباعة يسألون: "هل هي مغربية أم لبنانية؟"، "هل كانت راقصة؟". وهذه الأسئلة كافية لتبيان مآل الفنانة ومسارها وأفول نجمها...

وتعددت الأسباب التي أدت إلى نسيان فتحية أحمد. يقال انها كانت تنتمي الى مطربات المسرح ولم توظف صوتها في السينما، لا في الشكل ولا في الآداء. كما كان تفرغها للاهتمام بأولادها وابتعادها عن العمل الفني، الدور المؤثر في هذا الشأن، إضافة إلى تغير الذائقة الفنية للجمهور والعاملين في مجال الغناء وابتعادهم عن التقاليد الغنائية لأواخر القرن التاسع عشر والتي كانت فتحية أحد رموزها. لم تكن فتحية احمد تنتبه لحالة الخمول التي تنتاب المستمعين الجالسين في الصالة لاستمرارها بتقديم أغاني الاّهات الكلاسيكية المحض، أو هي أغاني "الدقة القديمة"، وهي لامت اللجوء الى الغناء من خلال الميكروفون، ولم تنتبه إلى التحولات في الأغاني والأنماط الطربية...

كتب الباحث الموسيقي فكتور سحاب، غداة رحيل الفنانة نور الهدى العام 1998: "كان الغناء النسائي العربي بأسلوب منيرة المهدية ما زال ينتمي إلى أنماط القرن التاسع عشر في أوائل العشرينات، حين ظهرت أم كلثوم وفتحية أحمد، وظهر محمد عبدالوهاب، وأنشأ محمد عبدالوهاب الأسلوب العصري في الغناء الرجالي العربي الكلاسيكي، واختفى بعده الأسلوب القديم في الغناء. أما الغناء النسائي فنشأت مدرسته الغنائية الحديثة على سكتين، الأولى سكة أم كلثوم المحافظة، والثانية سكة أسمهان الوهابية العصرية. وكانت فتحية احمد تجمع في صوتها وأسلوبها روح القرن التاسع عشر الأصيلة التي مثلتها منيرة المهدية، وتهذيب وتطور القرن العشرين الذي أرسته أم كلثوم في غنائها وتطوره". 

ويقول الموسيقي توفيق الباشا: "حين نقارن أم كلثوم مع معاصرتها فتحية أحمد صاحبة الصوت الكريستالي، نجد أن الأخيرة قد تأخرت عن الركب، ولم تستطع ان تهب كل وجودها للغناء كما فعلت ام كلثوم التي جعلت فنها فوق اي اعتبار"...

هكذا انشغلت آراء الكثير من العاملين في مجال الفن والموسيقى في تبيان أسباب نسيان فتحية أحمد ورسوخ أم كلثوم في الوجدان والذاكرة، والأمر يتعدى تبريرات فتحية أو من يحبها. فهناك الكثير من العوامل الميديوية والطربية والسياسية والموسيقية التي جعلت أم كلثوم في الواجهة على مدى عقود، بينما أفل نجم الكثير من الفنانات اللواتي ظهرن في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينات والخمسينيات، من ماري جبران الى نجاح سلام ونجاة علي وناديا فهمي ونور الهدى...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها