آخر تحديث:12:27(بيروت)
الأربعاء 13/09/2017
share

الممانعة كإنصهار في العدو

روجيه عوطة | الأربعاء 13/09/2017
شارك المقال :
  • 0

الممانعة كإنصهار في العدو الرد على خطاب الفرع الصحافو-ثقافي لا يستوي بمعاكسته
من الأمور، التي بينتها حفلة الهرج والمرج حول زياد دويري، مثلما كانت قد بينتها حفلات كثيرة من قبل، أن الفرع الصحافو-ثقافي، البوليسي والواشي، لمعسكر الممانعة والمقاومة، لا يجد في العدو الإسرائيلي عدواً، بل إنه مكروهه. فهناك اختلاف بين التعاطي مع ذلك العدو على أنه عدو، والإكتفاء بكرهه فقط. 

في الحالة الأولى، ثمة مواجهة معه، تستلزم بدايةً، معرفته، لا كما يقدم ذاته، بل كما هو على حقيقته، والتي لا يمكن الدراية بها عبر الإقتراب المغفل والإنكاري منه، بل في تعيين المدى الفعّال الفاصل عنه، متيحاً الكشف عن تلك الحقيقة، والتمعن فيها، ثم العمل على أساسها لمحاربته.

أما، في الحالة الثانية، فلا وجود لمواجهة معه، بل مجرد كبت له، وتحديداً كبت للإنشداد صوبه، للرغبة فيه، التي، وحين لا يقدر حاملها عليها بل تواصل البروز داخله ويواصل الإحساس بها، يداوم على إخفائها. ولهذا، وعندما يعمد إلى حجب العدو، فليس بغاية مناهضته، بل لكتمان إشتهائه. وعندما يعمد إلى شتمه، فليس لبيان عنفه وقمعه الإجتثاثي، ولمؤازرة ضحاياه، لا سيما الفلسطينيين، بل لتخبئة طمعه في الكَوْن على شاكلته، فيغتابه لكي يطمس ابتغاءه.

على أن ذلك الفرع الصحافو-ثقافي، وخلفه معسكره، يدرج مقاطعة الكيان الصهيوني في سياق الحالة الثانية، ويصيغها بالإنطلاق من الوقوع في الكره، وليس من المواجهة. إذ إنه يلوح بتلك المقاطعة، كما يتصورها ويدعو إليها، كسبيلٍ إلى تعزيز كبت رغبته في العدو، وكطريقة للجم إنجذابه نحوه. لكنه، وكلما كبت تلك الرغبة، تظهر من جديد. وظهورها هنا يساوي إفضاءها إلى عدد من الأفعال.

أولها، هو مشابهته العدو. بحيث أنه، وفي أوضاع بعينها، يحذو حذوه، وينهج نهجه. وهذا ما أوضحته حربه ضد السوريين، أكان في بلادهم، أو في لبنان، من خلال القضاء عليهم، أو من خلال تنظيم حملات العنف العنصري ضدهم، لدرجة استخدامه العبارات ذاتها التي يستعملها العدو في حروبه ضد الفلسطينيين واللبنانيين، من قبيل "تنظيف" و"تطهير". وهذا ما توضحه أيضاً صولات وجولات الكذب البروباغندي، الذي يبثه الفرع إياه، وعلى عادة إسرائيلية، متلاعباً بقرائه ومحتقراً إياهم، بحيث يعتقد بأنهم بلهاء، وفي إمكانه تحريكهم كيفما اتفق.

وثاني الأفعال، هو أخذ العدو كمثال، واستمداد الإعتراف بالحضور منه. فذلك المعسكر، ولكي يقتنع باستطاعته، لا يتردد من وقتٍ إلى آخر في استحضار أي تصريح من المسؤولين الإسرائيليين حول قوته، ناشراً إياه كدليل قاطع عليها: "أنظروا ماذا قالت عني إسرائيل، فهذا برهان على كوني أمانعها وأقاومها جيداً". فذلك المعسكر "يمانع ويقاوم" العدو لكي يقر له بوجوده، وعندما لا يفعل، يرجع إلى  شعار "إزالته من الوجود"، علّه بهذا ينبهه إلى وجوده، فيلتفت إليه، أو يخفف من ضغط الإنشداد إليه: "أزيلك كي أزيل مثالي وأزيل رغبتي فيه من أصلها". يا له من معسكر ضعيف حقاً، حتى لو أنجز كل يوم إنتصاراً!

وثالث الأفعال، ولما تشتد رغبة الفرع الصحافو-ثقافي، ومعسكره، في العدو، يعتريه الهوام الذي لا يتسم فقط بالتحذير من المؤامرة، بل في المطابقة بين درجات الاحتكاك مع العدو، وأشكاله وأنماطه ومواقفه، والتطبيع والعمالة أيضاً. فأن يلتقي أحدهم صدفة بمواطن من مواطني العدو في مقهى باريسي، يساوي أن يسرب للعدو معلومات عن بلده، ويساوي أن يزور الأرض التي احتلها، ويساوي أن يجري مقابلة مع صحيفة من صحفه، ويساوي أن يتفرج على فيلم تشارك فيه ممثلة من ممثلاته. فكل دنو، أياً كان، من العدو، يراه ذلك المعسكر، وبالإتكاء على رغبته، اندماجاً فيه وتجانساً معه، ويجب المعاقبة عليه: "مشاهدتك لفيلم إسرائيلي، أو مطالعتك لكتاب إسرائيلي، هو إحتكاك بالعدو، وتطبيع معه، وعمالة له".

ولا يمكن لمنطق الفرع الصحافو-ثقافي أن يستقر على هذه المقولة إلا في حال كانت رغبته الشديدة في العدو قد خنقته، حتى يصير خائراً بسبب وقعها عليه، وحتى يجد في أي فعل تعبيراً عنها، عن الانصهار بالعدو. تعبير عما لا يقدر على تحقيقه، وعما يعجز عن كبته على حد سواء: "ممنوع أي شيء حيال العدو، لأنك عندها تعترف بوجوده، فتتحرك رغبتي فيه، التي أحاول كبتها، وعندها تزيد من ضغطها عليّ، وعندها تضعني أمام المرآة، فأنا لا أريد أن أرى العدو كي لا أرى نفسي". في الواقع، الفرع يلوح بعدم التطبيع مع العدو، لا لمواجهته، بل لأنه لا يتحمل رؤية مَن يعتقد أنه يقوم بما يعجز عن القيام هو به.

غير أن الرد على خطاب الفرع الصحافو-ثقافي لا يستوي بمعاكسته، أي بقلب كرهه للعدو إلى حب للعدو، وتحقيق رغبته. فبذلك، ينقض على قالبي كرهه، أي على المأخوذين برغبته، وعلى مسجليها ومحققيها:"تحققون ما أعجز عن تحقيقه، لا أتحمل، فسأطيحكم". لا يقوم الرد على العدو بتبني خطاب من المعلوم أن العدو لا يلتزم به، ولا يعيره أي أهمية، بل بمواجهته من خلال ذلك المدى الذي يتيح الوقوف على حقيقته والكشف عنها، لا كما يقدم ذاته، ولا كما يريد تقديم الذات له: عند اللقاء مع أي من ممثليه في مناسبة من المناسبات، أكانت ثقافية وغيرها، يجب القول بحقه، أي قول حقيقته كما هي، وليس الانسحاب والتقهقر على ضعف من أمامه، أي مقاطعته، ولا التصرف معه كأن شيئاً لم يكن، ما يعني إنكار ارتكاباته.

بعد ذلك، على زياد دويري أن يعتذر، لأنه، وحين زار فلسطين المحتلة، حقق رغبة معسكر المقاومة والممانعة. وفي الوقت نفسه، على فرع ذلك المعسكر أن يتوقف عن حفلاته التخوينية لأنها تتحدث عما يضمره، ولا تؤدي سوى إلى تمتين رغبته في العدو، وإجلائها أكثر فأكثر، حتى أنه، وفي يوم من أيام مهزلته، سيضيف مواجهة العدو إلى قائمة الخيانة، التي يحشد الصغائر والكبائر فيها: "ممنوع محاربة إسرائيل، لأن في ذلك إعترافاً بها، ولأن ذلك يذكرني بما أسعى إلى إخفائه، بأني أرغب فيها، ولا أستطيع كبت رغبتي، وفي الوقت، لا أستطيع تحقيقها. أنا أكره إسرائيل لأني أحبها ولا أقدر على مكاشفتها ومكاشفة نفسي بذلك"! 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"