آخر تحديث:11:41(بيروت)
الثلاثاء 12/09/2017
share

... وانتصر عمرو دياب على مفيد فوزي

وجدي الكومي | الثلاثاء 12/09/2017
شارك المقال :
  • 0

... وانتصر عمرو دياب على مفيد فوزي عمرو دياب البدايات
في نهاية عقد الثمانينات، بزغ نجمان فى الوسط الغنائي المصري، شكلا تهديداً لقيم وولاءات الجيل القديم فنياً: علي حميدة، الذي تسببت أغنيته "لولاكي" (1988) فى موجة عاصفة هدمت، بحجم مبيعاتها، الثوابت والمرتكزات الغنائية في الوسط المصري، وعمرو دياب الذي أصدر ألبومه "ميال" في العام نفسه.
 

أثارت هذه النجاحات في سوق الكاسيت المصري، موجة من الامتعاض لدى النخبة الموسيقية، التي لن نبالغ إذا وصفناها بالنخبة البرجوازية، نظراً لسيطرتها على أشهر ملحنيها، وشعراء أغانيها، وأدوات الإنتاج الموسيقي في ذلك الوقت، إلى الحد الذي جعلها تستنكف الاعتراف، أو الترحيب بالمغامرين الشبان الجدد، الذين كسروا احتكارها لسوق الكاسيت المصري في نهاية الثمانينات، وإن لم يكسروا احتقارها لهم والذي تضاعف نتيجة لهذه النجاحات.

كان عمرو دياب واحداً من هؤلاء المطربين الشبان. وأطلقت أغنيته "ميال" استعلاء عليه واحتقاراً له لدى النخبة الموسيقية، من مستمعي عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب. الإقبال الشبابي على حفلاته، والنجاح الذي حققته "ميال" أدى إلى لغط واستنكار، مغلَّفَين بحقد دفين وحسد مكتوم تجاه الشاب الذي سطع نجمه وسط جمهور العمالقة، وكان محمد عبد الوهاب يستعد لإصدار أغنيته "من غير ليه" في العام التالي، 1989، بعد سنوات من تأخير إصدار الأغنية نتيجة وفاة عبد الحليم حافظ.

في مقابلة مع عمرو دياب نهاية الثمانينات، أجراها مفيد فوزي، الذي اشتهر بأسلوبه المفاجئ للضيف ومقاطعته له، نستشف بسهولة سخط النخبة الموسيقية على نجاح عمرو دياب، واكتساح أغنيته "ميال"، وأثرها المستمر في نفوس مستمعيها، على الرغم من نجاح "من غير ليه" ورقم توزيعها، الذي قفز، بفضل جهود الدولة لمساندة هذا اللون من الغناء، إلى مليون أسطوانة بعد شهور من إصدارها بصوت محمد عبد الوهاب الذي تغنى بها للمرة الأولى منذ توقفه عن الغناء قبلها بخمسة وعشرين عاماً.


بدأ مفيد فوزي حصاره لعمرو دياب في ذلك الحوار، بمقولة الموسيقار محمد الموجي الذي هاجم جيل المطربين الشبان، فوصفهم بـ"الجيل العاق". ضغط فوزي على الكلمات أثناء نطقها، متعمداً إشعار عمرو دياب بالإهانة.

في هذا الحوار بدا عمرو دياب متصدياً وجريئاً، معبّراً عن طموحاته، مُشهراً في وجه محاوره، سلاح الرغبة في مقاومة هذا الاستعلاء بشتى الطرق. والمتابع لهذا الحوار، يكتشف أسباب استعادتنا له في هذا المقال. فهو حوار كاشف عن مطرب كان منذ ذلك الحين يحفر لنفسه موطئاً في الساحة الفنية، أمام محاور يزدريه، ويزدري ما يفعله، ويكره ما يقدمه، وكانت النتيجة التي نعرفها الآن وما حققه عمرو دياب طيلة مشواره.

يقول فوزي لضيفه: محمد الموجي يرى أنكم جيل بلا أساتذة، من جواكم تطلعوا كتاب أغاني، وملحنين، أولاد عاقين؟

فيرد عمرو دياب: في اعتقادي، أن الموسيقار محمد الموجي العظيم، لما يقول حاجة زي كده، بالتأكيد عنده وجهة نظر، احنا مش ممكن نكون جيل بلا أساتذة، أنا دارس في أكاديمية الفنون، بسمع القديم، جيل عاقين اتهام فيه تحامل علينا، أنا لا اتفق مع أبناء جيلي الذين يقولون بلاش قديم، القديم بالنسبة لنا هو الدراسة، أنا حابب أتكلم عن نفسي، مين هم المطربين الشبان من وجهة نظرك، الشاب عندكم يعني إيه؟ من بعد عبد الحليم حافظ كل المطربين اللي ظهروا وصفتوهم بالمطربين الشبان..

ويعاود فوزي هجومه: هل أنتم ليكم مستقبل؟ ولا هتكونوا موضة؟
فيرد عمرو دياب بأريحية وثقة: أنا أتمنى أن أكون موضة، وما ابقاش موضة، لما أعمل موضة في عالم عربي، يبقى أنا بأثر.


مناورات مفيد فوزي استمرت مع عمرو دياب خلال الحوار، في محاولات دؤوبة لإجباره على الاعتراف بكونه "قزماً" في ساحة العمالقة. ومن تلك المحاولات، سؤاله: أين أنتم من عبد الحليم حافظ؟ فرسم الضيف ابتسامة مطمئنة، فيها شيء من السخرية كأنه يغمغم "أدركت لعبتك"، ثم ردّ بحماس: عبد الحليم حافظ ده عملاق، مش عاوزين نتكلم في حاجة زي كده.
وتصاعدت سخونة الحوار، حينما حاول فوزي التقليل من شأن كلمات الأغاني التي يختارها عمرو دياب وجيله، حينما سأله عن موضوعات أغانيه. فيرد الضيف بجرأة: أنا بشوف الكلمات البسيطة، أحنا لينا أساتذة، عبد الحليم حافظ كان أبسط ما يكون، لكن جديد، وكذلك محمد فوزي، والموسيقار عبد الوهاب.

يتبدى في الحوار إصرار مفيد فوزي على أن جيل عمرو دياب لا يبذل جهداً في اختيار كلماته، بينما يرد عمرو مصرّاً على أن هذا الرأي خاطئ: "أنا قعدت سنة كاملة لاختيار كلمات أغنية ميال".

ظهرت أيضاً في الحوار محاولة فوزي تفخيم أغاني الأجيال السابقة، مثل نجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ، في الشارع المصري، ليرد عمرو بشجاعة: "أغاني هؤلاء ستظل مطلوبة، إلى جانب أغانينا التي يغنيها الناس في الشارع".

الجمهور وذائقته، كانت نقطة فاصلة في الحوار. يقول فوزي إن الأستاذ محمد عبد الوهاب يرى أن الجمهور مات وشُيعت جنازته، وهو ما يرفضه عمرو دياب بإصرار ويباغته محاوِرَه: مكنش الجمهور سمع "من غير ليه"، يعني أنا لما يجي لي في الحفلة 20 ألف واحد، ولا 30 ألف واحد، يبقى الجمهور مات، وأغنية "من غير ليه" لما نجحت هذا النجاح الهائل، طيب كيف نجحت والجمهور مات..؟

كانت الإجابة بمثابة هجمة مرتدة لدياب، فوجد فوزي نفسه محاصراً فى حلبة الحوار، ليضطر إلى رد متلعثم: "من غير ليه" أيقظت الجمهور... فهز المطرب الشاب رأسه مستسلماً، وربما ساخراً، لكن فوزي أصرّ على الطعن في الجمهور، بقوله: هل الجمهور ذوقه اختل؟

يستنكر عمرو دياب السؤال، وتتقلص ملامحه امتعاضاً: والله العظيم بتظلموا الناس، يعني الناس اللي بتحضر حفلاتي دي.. جاية لي صدقة.. حرام عليكم بتظلموا الناس.. أنا لو مكنتش ناجح مكنش حد ناجح.


إجابات عمرو دياب تعبر عن رفضه للوصاية التي يمارسها مفيد فوزي على الجماهير المحبة لأغنية "ميال". وفوزي لم يكن الوحيد الذي يمارس هذا الاستعلاء على جماهير اتجهت إلى علي حميدة وعمرو دياب، وهجرت الذوق القديم. بل كان وراء فوزي، جيل عريض من النخبة البرجوازية المثقفة، المحتكرة لأدوات الإنتاج الموسيقى، تقاوم الموجة العارمة. وعجزُ هذا الجيل عن مقاومة هذه الموجة، جعله يستنكر نجاح عمرو دياب. واللافت، أن مفيد فوزي ما زال يعبّر عن امتعاضه من فن دياب، مثلاً في حوار تلفزيوني أجرته معه ريهام سعيد قبل أشهر. لكن إنجازات عمرو دياب تؤكد انتصاره على ازدراء مفيد فوزي لفنه، منذ ذلك الحوار قبل نحو 30 عاماً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها