آخر تحديث:13:51(بيروت)
الأربعاء 19/07/2017
share

أخبار الأدب.. أرض الحياد بين المثقف والدولة

هشام أصلان | الأربعاء 19/07/2017
شارك المقال :
  • 0

أخبار الأدب.. أرض الحياد بين المثقف والدولة منذ عام أو أكثر قليلًا، بتّ أذهب إلى مقهى السائقين من دون الجريدة
1
قبل 12 عامًا وشهور، انتقلت من العُمق الشعبي لحي إمبابة إلى السكن في ضاحية المقطم، حيث تجلٍ خاص لما تبقى من ملامح الطبقة الوسطى والأعلى منها بقليل. أخذت وقتًا حتى واءمت نفسي مع كيمياء المكان الجديد. لم أستسلم لخصائص سطحه تمامًا، واستطعت العثور في قلبه على شيء من الأجواء القريبة لطبيعة نشأتي.

الشارع الرئيس الطويل ينتهي بمربع شعبي، يتصدر ميدانه مقهى عُرف كاستراحة سائقي "الميكروباص". ارتحت للجلوس فيه مساء الجمعة عن الجلوس في المقاهي الحديثة عند وجه الضاحية.

بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع، لم تعد جلستي مُمسكًا بالجريدة ذات القطع الصغير غير المعتاد للعامة تدهش الجالسين. صارت بيني وبين بعضهم إيماءات تحية، واختفت تمامًا نظرات الفضول للآتي إلى مقهى السائقين أسبوعيًا، لينشغل عن شاشة التلفزيون بتصفح الجريدة ذات القطع الغريب عليهم.

2
"إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحاري
لا تطلق النيران، إلا حين تستدير للوراء.
إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء:
لا تقتل الأعداء.. لكنها تقتلنا، إذا رفعنا صوتنا جهارًا
تقتلنا، وتقتل الصغار".
في أعقاب رحيل مبارك وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحكم، كان يمكنك أن تقرأ هذا المقطع الحاد والمباشر من قصيدة أمل دنقل "تعليق على ما حدث" على غلاف "أخبار الأدب"، الجريدة التابعة إداريًا للدولة، بينما نفسيًا وعمليًا، هي جريدة المثقفين العرب وليس المصريين وحدهم.

كانت الكاتبة عبلة الرويني تولت رئاسة التحرير بعد معركة مشهورة خاضها الزملاء مع إدارة المؤسسة والصحافي مصطفى عبد الله الذي تولاها لفترة قصيرة عقب خروج الروائي جمال الغيطاني إلى التقاعد. المحررون أصبحوا أسماءً معروفة في عالم الصحافة الثقافية والكتابة الروائية، وكرهوا أن يقودهم عبد الله، لأسباب تتعلق بحدود الموهبة والميل السياسي، بعدما عيّنه مسؤولو مؤسسة "أخبار اليوم" التابعة لها الجريدة لأسباب وظيفية، وعدم إدراك لطبيعة المطبوعة وعلاقتها بالأوساط الثقافية.

كانت من قبل متروكة لتصرف مؤسسها جمال الغيطاني، الذي استطاع طيلة الوقت ضبط العلاقة بين مطبوعته والمثقفين من ناحية، وإعفائها من الحرج مع السُلطة من ناحية أخرى، فصارت مثل أرض محايدة بين المثقف والدولة.

تلك المعركة الشهيرة لم يقف فيها محررو الجريدة بمفردهم أمام إدارة المؤسسة، ولكن وقف معهم عدد كبير من المثقفين المصريين. "أخبار الأدب" لا تخص العاملين فيها وحدهم. كانت معركة الحفاظ على متنفس وحيد تقريبًا، يحمل بين صفحاته مساحة لاحتواء الأصوات بتنوعها.
أصبحت عبلة الرويني أول رئيس تحرير يأتي بالانتخاب في الصحافة المصرية عمومًا، والحكومية خصوصًا.

ـ جمال الغيطاني في أعقاب المعركة:
"الوقفة الشجاعة لمحرري أخبار الأدب فرضت هذه النتيجة التي تُعد جديدة على الصحافة في مصر، فلأول مرة يتم اختيار رئيس تحرير نتيجة اختيار المحررين وليس مفروضًا من خارجهم، أو نتيجة تدخل غامض، نتمني أن يصبح هذا قاعدة في جميع المناصب القيادية، رؤساء التحرير بالانتخاب، هذا مطلب قديم يتحقق لأول مرة".

3
أسسّ الغيطاني "أخبار الأدب" أوائل التسعينيات، حيث فترة زمنية تحرك ماؤها الراكد لأسباب عديدة. زخم بتغير في المفاهيم الثقافية ومحاولات ملحوظة لتحقيق هذه المفاهيم. شكل العلاقة بين المثقف والدولة. الفكر الوهابي يترسخ. انتشار الجماعات التكفيرية في عدد من أحياء القاهرة نفسها، وعمليات إرهابية منتشرة هنا وهناك ضد الأقليات والسُيّاح وغيرهم، لدرجة أن بعض أمراء هذه الجماعات المتمركزة في أركان الأحياء الشعبية أصبح معروفًا للمواطن العادي.

ظلّت "أخبار الأدب" سنوات كثيرة الجريدة الثقافية الأشهر والأهم في مصر، فيما يصل صداها إلى الجماعات الآداب والفنون في أغلب البلاد العربية. لم تكن اُخترعت مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الاعتماد على مثل هذه المطبوعات أساسيًا في التواصل، ليس بين الكاتب والقارئ فحسب، ولكن بين الحلقات الثقافية في العالم العربي.

استوعبت الجريدة أكثر من جيل أدبي، وكانت مُلتقى لكُل الأسماء الثقافية الكبيرة داخل وخارج مصر، وملاذًا للقارئ المُهتم. أعطاها الغيطاني من عمره، وأكسبها أهمية تجلى ظهورها بعدما تقاعد، لتفقد الكثير من بريقها، باستثناء فترة تولي عبلة الرويني. هناك من كان يرى في لمعان صاحب "الزيني بركات" شيئًا من رئاسة تحرير "أخبار الأدب"، وجهة نظر ستتهاوى بعد ما تركها الرجل، ليعيش سنواته الباقية محتفظًا ببريقه.

ـ الغيطاني بعد بلوغ التقاعد:
"سبعة عشر عامًا في ظروف صعبة جدًا، كانت أخبار الأدب منبرًا للثقافة العربية كلها بنيت بمشاركة كل المثقفين العرب، وكانت منبرًا ضد الفساد في الثقافة وفي كل نواحي الحياة، انطلاقًا من موقف يعتبر الثقافة شاملة لكل أنشطة الحياة، كثيرون كانوا يعتبرون الجريدة منبرًا معارضا ويبدون دهشتهم من صدورها عن مؤسسة قومية، ويكفي تصفح الجريدة خلال أزمات بيع عمر أفندي وغرق العبارة وحريق قصر ثقافة بني سويف، جميع الاتجاهات الجديدة في الثقافة خرجت من أخبار الأدب، مواقفها في الدفاع عن الحرية وعن أي اضطهاد وقع لأديب أو مثقف عربي حاضرة ومعاينة أما قيمتها على المستوى العربي والعالمي فمعروفة، يكفي أن العديد من القضايا التي آثارتها كانت تناقش في كبريات الصحف العالمية، أما كبار أدباء العالم العربي، والعالم بشرقه وغربه، والمعاهد العلمية في جميع الثقافات، فكانت الجريدة بالنسبة لهم مصدرا رئيسا لمعرفة أحوال الأدب العربي".

5
منذ عام أو أكثر قليلًا، بتّ أذهب إلى مقهى السائقين من دون الجريدة. لم تعُد جذّابة، ربما بديهي مع سوء الوضع الصحافي بشكل غير المسبوق في مصر عمومًا. أو أنني أدركت أن ما يستحق القراءة فيها، إن وُجد، سيقابلني رابطه الإلكتروني، بالضرورة، أثناء تصفح فايسبوك.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

هشام أصلان

هشام أصلان

كاتب مصري

مقالات أخرى للكاتب