آخر تحديث:12:05(بيروت)
السبت 27/05/2017
share

جونسون ديفيز.. من جلسة قديمة

هشام أصلان | السبت 27/05/2017
شارك المقال :
  • 0

جونسون ديفيز.. من جلسة قديمة بعد مشاكل بينه وبين الجامعة الأميركية، ترك ديفيز مصر، لكنه عاد سريعًا
كأن دنيس جونسون ديفيز رأى مستقبل العلاقة بين الكاتب العربي واللغة.
منذ البداية، قال إنه لا مستقبل للفصحى الخالصة. البداية تعني أكثر من خمسين عامًا مضت، عند أولى ترجماته من العربية إلى الإنكليزية. كانت إحدى قصص "همس الجنون" لنجيب محفوظ. نشرها ضمن مختارات بعنوان "قصص عربية حديثة". في ما بعد، سيترجِم له إلى الإنكليزية خمس روايات. إلا أنه لم يكن من أنصاره في التعامل مع اللغة، كان من أنصار يوسف إدريس، الأجرأ على تكسير التابو اللغوي. الأمر نفسه حدث مع محمود تيمور. كان أول من ترجم له ديفيز مجموعة كاملة، "مرة كتب تيمور قصة بالعامية، ثم قلبها إلى الفصحى. قلت له بوضوح إنه أفسدها"، يحكي دنيس. وبعد سنوات ليست كثيرة، سيأتي كتّاب يدركون المسألة. كيف لجميع شخوص العمل أن تتحدث لغة واحدة؟

قبل أيام، مات شيخ المترجمين من العربية، أكثرهم شهرة وأطولهم وتاريخًا. ذهب في الخامسة والتسعين. تسرب الخبر على استحياء، بين صخب الاهتمام برحيل الروائي والمناضل اليساري شريف حتاتة، قبل ساعة واحدة، وفي العمر نفسه تقريبًا، 94 عامًا!

قبل سنوات ليست بقليلة، وفي جلسة جمعتني بديفيز، مع عدد قليل من الزملاء القريبين، حكى الرجل كثيراًَ من حياته.

"عايز أدرس عربي"، يقول لوالده من دون أن يعرف لماذا. سيقضي ديفيز، المولود في كندا 1922، فترة من طفولته فى مصر، قبل أن ينتقل إلى السودان ثم أوغندا وكينيا وبعدها إنكلترا لاستكمال الدراسة: "لم أحب ضبابها وبرودتها". درس الأدب العربي فى جامعتى لندن وكامبريدج قبل الالتحاق بالقسم العربي في "بي بي سي"، ثم عاد إلى مصر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ليلتقي، أثناء عمله مدرسًا في جامعة القاهرة، بنجيب محفوظ ويحيى حقي وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وغيرهم. والمشوار الممتد لنقل الأدب العربي إلى الإنكليزية، بدأ من مؤسس الرواية العربية الحديثة حتى بعض كتاب التسعينيات، فضلًا عن عدد لا بأس به من كتّاب العالم العربي عمومًا.

"في إنكلترا أودعوني مدرسة داخلية، حيث كان العقاب بالضرب أمرًا طبيعيًا، وفى الرابعة عشرة منعنى ناظر المدرسة من ممارسة الاسكواش لصغر سني، ما لم يعجب أبي فأخرجني من المدرسة، وسألني عما أريد فعله في حياتي، فجاوبته برغبتي في دراسة العربية"، كما حكى لنا ديفيز. وفسّر انحسار الأدب العربي في العالم بأن إنتاجه لا يوازي، كمّاً وكيفاً، الأدب العالمي، من ناحية، ومن ناحية أخرى أن عدداً من المترجمين يربكون القارئ بهوامش وتفاصيل هو ليس مشغولًا بها. والمسألة، في تصوره، تتلخص في طبيعة العلاقة بين المترجم والمكان الذي ينهل منه: "من الضروري أن يعيش المترجم فى المكان الذى يترجم فيه لأصحابه، ومعظم الأدباء الذين ترجمت أعمالهم كانوا أصدقائي، مثل يوسف إدريس، وغسان كنفاني الذي ربطتني به صداقة قوية".

كان الكاتب المصري الراحل، محمد مستجاب، هو أصعب من واجهت كتابته ديفيز أثناء ترجمته، نظرًا، وفق ما قال في الجلسة القديمة، لصعوبة لغته وظروف بيئته مقارنة بمحفوظ، "الذى كانت كتاباته سهلة نوعًا مًا. يوسف إدريس، أيضًا، كان صعبًا أحيانًا، لكنه كان متصلًا بالناس ويكتب عنهم بعمق أكبر".

من المفارقات، أن ديفيز، أول مترجمي نجيب محفوظ، كان صاحب اقتراح أن تخصص الجامعة الأميركية في القاهرة جائزة سنوية باسمه. ذهب باقتراحه إلى الراحل مارك لينز، مدير النشر في الجامعة وقتها، ولم يهتم، قبل أن يعيد ديفيز اقتراحه مرة أخرى، لتنطلق الجائزة في 1996 وتحوز شهرة كبيرة، وتصنع جدلًا سنويًا حول اسم حائزها، سواء كان مصريًا أو من أي دولة عربية. وذلك رغم أن قيمتها المادية ليست كبيرة. ربما يرجع الأمر إلى الترجمة التي تنالها الرواية الفائزة، قبل أن يُلاحظ في السنوات القريبة أن عدداً من الروايات الفائزة بها دخلت القائمة القصيرة للبوكر العربية في العام نفسه.

بعد مشاكل بينه وبين الجامعة الأميركية، ترك ديفيز مصر، لكنه عاد سريعًا. غير أن فترة غيابه شهدت متغيرات: "كثير من التلوث والنفاق فيما لم يستطع الأدب المصري ملاحقة تلك التغييرات، حتى في رواية عمارة يعقوبيان"، ضرب بها مثالًا بوصفها ترصد تغيرات المجتمع المصري وانتقاله من ثقافة إلى أخرى في فترة مهمة من التاريخ.

بصراحة، أختلف مع ديفيز في هذه المسألة. ليس حول "عمارة يعقوبيان". بالأحرى، هو رأي يضع أسئلة حول وظيفة الأدب، هل من المفترض أن يلاحق تغيرات المجتمع؟ النموذج الذي وضعه في رواية علاء الأسواني يحيل إلى رؤية معينة، وهي تصوير ما يحدث، وليس وضع أسئلة حول التغيرات، أو عمل مجتمع مواز. ربما لم يلاحق الأدب تغيرات الشارع، لكن المؤكد، أن الأدب تأثر أيما تأثر بالواقع العربي وليس المصري وحده. نحن نشهد عودة لأسئلة القضايا الكبرى، بوصفها أسئلة يومية للفرد. لكن هذا حديث آخر.

بعد عودته، اشترى ديفيز بيتًا في قرية تونس، المُلحقة بمدينة الفيوم، حيث شيء من الهدوء. لم يبتعد عن هذا البيت حتى بعد موته. دفنوه في مقابر القرية كما أوصى.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

هشام أصلان

هشام أصلان

كاتب مصري

مقالات أخرى للكاتب