آخر تحديث:11:28(بيروت)
الأربعاء 24/05/2017
share

فلسطينية أميركية تصمّم "عودتها": مغامرة وجودية في لعبة فيديو

رائد الرافعي | الأربعاء 24/05/2017
شارك المقال :
  • 0

  • فلسطينية أميركية تصمّم "عودتها": مغامرة وجودية في لعبة فيديو
    تريد ياسمين، من خلال اللعبة، الوصول إلى جيل الشباب الأميركي
  • معرض الفنون الفلسطينية المعاصر في مانهاتن
    معرض الفنون الفلسطينية المعاصر في مانهاتن
  • ياسمين عمر عطا ولعبة الفيديو وجود
    ياسمين عمر عطا ولعبة الفيديو وجود
  • لعبة وجود لياسمين عمر عطا
    لعبة وجود لياسمين عمر عطا
فتاة تمشي في طريق مقفرة تبدو بلا نهاية، تبحث عن إشارة لتحلّ لغزاً من ماضٍ دفين. تطالعها مقتطفات من أفكار وأحاسيس يغطيها غبار الزمن، فتتساءل عن سبب وجودها في ذاك المكان والزمان.

ليست تلك مشاهد من فيلم كلاسيكي لأنطونيوني أو رواية فلسفية لألبير كامو. هي جزء من لعبة ڤيديو تختلف عن مثيلاتها من الألعاب بأنها، ما وراء مسمّى اللعبة، تحمل رسالة وجودية وسياسية بحتة. في أي وجود أو كينونة، تسعى مصمّمة اللعبة، ياسمين عمر عطا(*) إلى نقل شعور الحنين إلى فلسطين وفكرة حقّ العودة من منظار شخصي فريد تختلط فيه المشاعر الفجّة والمنتفضة بالأفكار الملتزمة سياسياً.

ياسمين عمر عطا هي فنانة فلسطينية-أميركية شابة، انتقلت في أعمالها من الفنون البصرية إلى عالم الكوميكس (الروايات المصوّرة) وألعاب الڤيديو. عمرها 26 سنة. قد لا يشير مظهرها الخارجي إلى هويتها (أو بالأحرى هوياتها المتعدّدة). فهي قد تبدو للوهلة الأولى فتاة "هيبستر" من أصول أوروبية، لكنها ترفض تعليب الهوية ضمن الخانات النمطية المعتادة. تقول عن نفسها أنها خليط من هويات متمازجة وغير متضاربة، كما قد يظنّ أغلبية الناس. هي فلسطينية، عربية، مسلمة وأميركية في الوقت نفسه. وهي من جهة أخرى من أحرار الجنس (كوير)، ترانس، وغير مقيدة بالتنميطات الجنسانية من ذكر وأنثى(**).

ترعرعت عطا في أورلاندو، وهي مدينة في ولاية ميامي، حيث جاليات عربية كبيرة. والدتها ألمانية الأصل، إلّا أن عطا تحس بإنتماء أكبر بكثير إلى والدها وعائلته الفلسطينية التي هاجرت إلى الولايات المتحدة من مدينة البيرة بالقرب من رام الله. تعلّقها بفلسطين يتخطّى المأكولات العربية (كالمجدرة كما تقول) والإحتفالات عبر السنين بعيد الفطر والتقاليد المحافظة التي عرفتها في طفولتها. فعطا تغذّت من قصص أهلها وأقربائها عن فلسطين. استمعت إلى روايات جدّتها النوستالجية حول أرض فلسطين الخصبة وروائح أشجارها وأرضها. وتأثرّت بمشاعر الغضب والأسى والأمل التي تخالج الأجيال المختلفة من الفلسطينيين الذين عاشرتهم. فأرادت أن تعبّر عن الحنين إلى فلسطين كأرض صلبة وكفكرة مجرّدة عابرة للمكان والزمان من خلال لعبة ڤيديو تختبر فيها مفهوم العودة كإحساس نابع من الأحشاء يصعب وصفه، خصوصاً بالنسبة لأبناء جيلها من الأميركيين الفلسطينيين. وهي لم تعرف فلسطين حتى الآن إذ تشعر أن الوقت لم يحن بعد لتزورها.

وقد صمّمت وطوّرت عطا "لعبة الوجود" بنفسها هذا العام، وقدمتها للمرة الأولى في معرض للفنون الفلسطينية المعاصرة في مانهاتن في نيويورك، قبل شهرين تقريباً. وتقوم اللعبة على أسلوب غرافيكي بسيط، وعلى شخصية واحدة هي شخصية فتاة آتية من المستقبل تجد نفسها في بيت مهجور قرب حدود منسية. وتعتمد المغامرة التجريدية تلك على تحريك "أفاتار" الفتاة داخل المنزل لكشف بعض الخيوط والمفاتيح بهدف حلّ لغز كاسيت (شريط مسجّل) مقطوعة شرطانه. وبينما تتحرك الفتاة تظهر على الشاشة الأفكار الداخلية التي تخالجها وهي مكتوبة باللغة الإنكليزية. ومهمتها استجماع ذكريات ورسائل هي عبارة عن أفكار خاصة بها بالإضافة إلى أقوال لمفكرين حول الحالة النفسية التي عاشها ويعيشها الفلسطينيون والمشتّتون في الأرض عموماً. وتضفي بعض المؤثرات الصوتية البسيطة جوّاً من الغموض على اللعبة. واللافت هو إدراجها أفكاراً مناهِضة للكولونيالية الثقافية، وأخرى معادية لسلب الفلسطينيين حقهم في الأرض، في قالب خاص بألعاب الڤيديو التي تعتمد على العوالم المستقبلية الغريبة. وهو ما نراه في لعبة سابقة صممتها عطا، قوامها أربعة مهاجرين مراهقين من خلفيات مختلفة يجدون أنفسهم في مصنع لصناعة الأسلحة، مهجور منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ردّ على الصورة النمطية للمهاجرين في الإعلام الأميركي.

في أحد فصول لعبة "الوجود"، تجد الفتاة (الأفاتار) نفسها في ما يشبه معرضاً للفن التشكيلي، فتتفاعل مع اللوحات وتعطي رأيها في أزمة الفنّ المعاصر وفراغه من أي معنىً سياسي أو إجتماعي.

أرادت ياسمين من خلال اللعبة الوصول إلى جيل الشباب الأميركي والمساعدة في تغيير نظرته نحو الفلسطينيين وقضيتهم. وهو طبعاً أمر صعب في ظلّ هيمنة الخطاب الصهيوني في الولايات المتحدة. ياسمين، كالعديد من العرب والمسلمين الأميركيين، عانت التمييز. وهي تذكر كيف أنّ زملاءها في المدرسة نعتوها بالإرهابية وهي في العاشرة من عمرها لأنها كانت بالصدفة مريضة ولم تأت إلى الصف يوم 11 أيلول 2001. وزاد الطين بلّة أنّ اسم شهرتها هو نفسه اسم أحد منفذي العملية ضد مبنيي مركز التجارة العالمي.

في الأجزاء الأخيرة من اللعبة، تجد الفتاة نفسها في طريق طويلة مقفرة وتتابع مسيرتها التي تبدو بلا نهاية، بتعب وقلق، متسائلةً عمّا ينتظرها. وتقول ياسمين إنها أرادت أن تعكس الوجع الداخلي الذي يخالج الفلسطينيين في بحثهم عن فكرة الوطن والأرض.  


‫(*) صممت اللعبة في إطار معرض لفنانين فلسطينيين معاصرين بعنوان ”فوق قوس قزح“ في معرض بايبي كاسلز (Babycastles Gallery) في مانهاتن/ نيويورك بين ١٦ مارس و ١٧ أبريل. والمعرض من تنظيم منظمة آرت بالستاين إنترناشيونل (Art Palestine International) ويهدف إلى تسليط الضوء على عملية التجديد والنهوض من تحت الأنقاض والأمل الذي تلى العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة في يوليو ٢٠١٤. ويمكن تحميل اللعبة عبر الرابط التالي هنا.
** تطلب ياسمين الحديث عنها باستعمال ضمائر الجمع (they, them…) فهي ترفض أن تضع نفسها في خانة الأنثى أو الذكر، وهو أمر شائع اليوم في بعض أوساط غير المتقيدين بالتنميطات الجنسانية في نيويورك. وبما أنّ ضمائر الجمع في اللغة العربية تفرّق بين ذكر وأنثى وإذاً هي ليست محايدة كما في الإنكليزية، قررنا لأسباب عملانية الإبقاء على صفة المؤنث (لغويّاً) في حديثنا عن ياسمين.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها