آخر تحديث:12:40(بيروت)
الأربعاء 19/04/2017
share

التأويل والعقل و"الرُّشْدية العربية":أحلام يبددها العنف المصري

شريف الشافعي | الأربعاء 19/04/2017
شارك المقال :
  • 0

التأويل والعقل و"الرُّشْدية العربية":أحلام يبددها العنف المصري "فلسفة التأويل" مؤتمر المفارقات، والتناقضات، والمحدودية في الحضور والتأثير
فيما لم تتوقف "زلزلة الأرض" بعد، في أعقاب "أحد السعف" الدامي بمصر، والتفجيرات الداعشية لكنيستي "مار جرجس" بطنطا و"مار مرقس" في الإسكندرية، تجددت في المشهد أفكار وأطروحات حول محاصرة الإرهاب ومواجهة العنف. هذه "التصوّرات" أو "المجرَّدات"، التي تفجرت بدورها من رؤوس فلاسفتها في هذا التوقيت، ربما بالصدفة، يكاد يقصيها الظرف الأرضي الراهن إلى سماء الأحلام السابعة.

أكثر من مفارقة انطوى عليها المؤتمر الدولي الرابع لقسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة، الذي انعقد مؤخرًا بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة على مدار يومين تحت عنوان "فلسفة التأويل: آفاقها واتجاهاتها" بحضور مفكرين وفلاسفة وأكاديميين مصريين وعرب، على رأسهم البروفيسور مراد وهبة، أستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس ورئيس "الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير".

المفارقة الأولى، هي ذلك التزامن بين أشغال المؤتمر وبين أعمال عنف هي الأكبر والأسوأ من نوعها في مصر منذ فترة، إذ انطلقت شرارة المؤتمر الافتتاحية بعد ثلاثة أيام من تفجيرات الكنيستين، وهو المؤتمر المعدّ والمدرج موعده قبل التفجيرات بشهور، لكن انفجار الأحزمة الناسفة قبيله بأيام، جعله بمثابة "رد فعل" لأمر وقع، وليس فعلًا يراد به تغيير واقع.

المفارقة الثانية، أنه في حين ناقشت الغالبية من متحدثي المؤتمر وفلاسفته ومنظريه، مسائل عميقة تتعلق بالتأويل وإعمال العقل وقبول الآخر وقضايا الحريات والإصلاح الحقوقي، كمعابر للسيطرة على العنف والإرهاب ودحض الأصوليات الدينية، فإن تصديقًا برلمانيًّا مصريًّا على قرار رئاسي بفرض حالة الطوارئ على البلاد لمدة ثلاثة شهور قد سبق المؤتمر أيضًا بوقت وجيز، الأمر الذي يبرز الآلية "المادية" المغايرة، التي تنتهجها السلطة لمجابهة ذلك العنف، ومن ثم بدا المؤتمر كأنه تحليق في فراغ، خصوصًا أن المخاوف تزايدت من إفضاء تلك الإجراءات الاستثنائية إلى التضييق على الرأي والتعبير ومصادرة الحريات.

وتتيح حالة الطوارئ في مصر، وفق قانونيين ودستوريين "وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور فى أماكن أو أوقات معينة، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال، وكذلك الأمر بمراقبة الرسائل، أيًّا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها، ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها، وتحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، والأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها"، وغيرها من الأمور.

أما المفارقة الثالثة، ولعلها الأخطر، التي تجلت في مؤتمر "فلسفة التأويل: آفاقها واتجاهاتها"، فهي المتعلقة بمضمون وطبيعة بعض الأبحاث المطروحة في المؤتمر، إذ دعا عدد من المشاركين، في أوراقهم ومحاضراتهم، إلى ما يمكن وصفه بوضوح بأنه "معاداة للتسامح"، و"إقصاء للآخر"، ولو بقدر، أو بشكل ما، ولربما "تكفيره"، في نهاية المطاف، إذا لزم الأمر مزيدًا من الإفصاح، والصراحة.

في المؤتمر، الذي حمل "التأويل" عنوانًا له، جاء، على سبيل المثال، أحد الأبحاث بعنوان "دور الإمام الغزالي في مواجهة التأويل الباطني -  دراسة تحليلية نقدية". ويوضح صاحبه الدكتور فتحي محمد الزغبي، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية في جامعتي الأزهر والشارقة، أن بحثه هذا يتعلق بـ"تأويل التراث الإسلامي: الفلسفي، الصوفي، الكلامي، الشيعي، الخ"، ويدور حول دور الإمام أبي حامد الغزالي "حجة الإسلام" (450-505 هـ)، في نقد التأويل الباطني لدى الباطنية، ومواجهته.

ويمضي الزغبي، في مؤتمر "التأويل"، مستعرضًا آراء الغزالي في "رفض التأويل"، إذ أدرك "رحمه الله"، في تشخيص "هذه الأمراض" أثر التراث، الذي تسلمه جيله من الأجيال السابقة، والذي تكمن فيه "جذور الانحرافات القائمة، وأصول الإصلاح المنشود". ويستعرض الزغبي دور الغزالي في ما وصفه بتمحيص أكداس التراث العقائدي والاجتماعي، ومواجهة "الفلسفات الغازية" والمعادية للإسلام والمتمثلة في الفلسفة اليونانية والباطنية، ومقاومة التيارات الفكرية "المنحرفة"، ومناقشتها مناقشة علمية "موضوعية"، وتفنيدها تفنيدًا قويًّا، ومن ثم بيان "خروجها عن الإسلام".

ويصف الزغبي، في مؤتمر "التأويل"، مهمة الغزالي بأنها "متميزة في تاريخ الفكر الإسلامي"، خالطًا بالضرورة بين "الإسلام" و"حكامه"، إذ تصدى الرجل للنحل المنشقة، والفرق الهدامة، والفلسفات الوافدة، والبدع الفكرية المحدثة، والأفكار الغازية، الأمر الذي أدى إلى شك في الدين، وضعف في اليقين، وانحلال في الأخلاق، و"اضطراب في السياسة"، وفساد في الاجتماع، بسبب ما أشاعه "أتباع الفلسفة، ودعاة الباطنية".

ووسط حشد الفلاسفة، وأنصار إعمال العقل في مؤتمر "التأويل"، يمضي الزغبي في استعراض آرائه وآراء من سبقوه حول الغزالي، إذ استطاع "الرجل العبقري"، بتعبير واصفيه، أن يمضي إجمالًا وتفصيلًا مع الباطنية في "تأويلاتهم الفاسدة الحمقاء"، وفي استدلالاتهم بأسرار الحروف والأعداد، وفي براهينهم "الضالة" على إبطال النظر العقلي حيال ساحة الإمام المعصوم". واصلًا في النهاية إلى "فتوى الشرع" في حقهم، من "التكفير" و"سفك الدم".

وقد حكم الغزالي "كقاضٍ مسلم وكحجة للإسلام" بأنه "لا يكفر منهم سوى من أنكر حقيقة التوحيد الإسلامي كما جاء بها القرآن، وكما جاءت بها السنة، وسوى من أنكر اكتمال دعوة الأنبياء بختام أكمل الشرائع، وسوى من أنكر الجزاء والحساب والبعث والمعاد، وسوى من أول كل أمر من أمور الدين في العبادات والعقائد والمعاملات في الدنيا أو في الآخرة، على السواء".

المقام، هنا، ليس مناقشة ولا تفنيد ما طرحه الغزالي، ولا ما استعرضه الزغبي، فهذا له متخصصون أكثر أهلية ودراية، لكن هي مجرد إشارات أولية إلى جُملة مفارقات "المؤتمر الدولي"، الذي حمل عنوان "فلسفة التأويل – آفاقها واتجاهاتها"، فاتحًا ذراعيه للآخر، وسط شعارات براقة تتردد بقوة عن تجديد الخطاب الديني، وسماحة الأزهر الشريف حتى مع المختلفين معه، والتعايش في وطن واحد وعالم واحد، وسعة الصدر للتأويل وإعمال العقل، وإعلاء سقف الحوار، وتنمية ثقافة الاختلاف، وما نحو ذلك من كليشيهات، لا وجود لها على الأرض.

هذه المطبات، بل الدروب غير المعبّدة، جعلت ما أتى به فلاسفة ومفكرو المؤتمر، تحت سقف الجامعة، وعلى رأسهم البروفيسور الدكتور مراد وهبة، بمثابة المضيّ غير الآمن صوب الأحلام أو المجهول. ولعل من هم أكثر تشاؤمًا يرون في طيات تلك المطبات ألغامًا مخبوءة، لا يقوى على النجاة منها متحرك أو عابر سبيل.

بالعودة إلى أصل موضوع المؤتمر، الذي كاد يصير فرعًا بفعل هذه المفارقات أو "الشيطنات" التي نسفته، تتجلى عناوين وأوراق ومداخل مثيرة لشهية التأمل والجدل، منها ما قدمه الباحث التونسي نور الدين السافي في ورقته "التأويل وحق الاختلاف" حول أن التأويل هو الذي يمنح الإنسان المعنى بوجهيه؛ معنى وجود الإنسان وهو قبالة العالم، ومعنى العالم عند اتصال الإنسان به. وما طرحه المغربي محمد بوعزة في بحثه "تأويل النص في الدراسات الثقافية" وما يتعلق بذلك التأويل من أسس معرفية وتاريخية. وما ناقشه الباحث المصري كرم عباس في ورقته "تأويل التأويل في مؤلفات الأحكام" بشأن أن التأويل يمثل شكلًا من أشكال الإزاحة والخلخلة لرسوخ سلطة المعنى الواحد للنص.

كذلك من الأبحاث اللافتة: "الفهم الفلسفي لمتشابه الشرع على رأي ابن رشد" للتونسي مقداد عرفة منسية، وفيه يحلل أقوال ابن رشد في وصف الآلية المتوخاة من الشارع في وضع الشرع وصياغته أولًا، وفي تحديد خاصيات خطاب الشرع ثانيًا، وفي التحقيق في متشابه الشرع ثالثًا، والورقة البحثية "قضية التأويل بين المحددات الدينية والسياسية والفكرية عند المسلمين" لحسين محمد صبري من جامعة زايد في الإمارات، وفيها يتساءل: هل هناك معايير يمكن أن تضبط عملية تأويل النصوص وربطها بالواقع، أو ضبط النص على الواقع؟ وأيضًا بحث "نظرية المعنى والإشارة عند ابن سينا" للمصري عصام جميل، وإلى أي حد يمكن إيجاد تلك البنية القائمة عليها النظرية، وما أوجه الشبه والاختلاف بين ما ذهب إليه ابن سينا وبين أقوال المعاصرين؟ وغيرها من الأبحاث والأوراق والاجتهادات.

أما الورقة الأبرز، على كثافتها، فلعلها كانت لمراد وهبة، بعنوان "التأويل والرُّشْدية العربية"، وفيها يذهب إلى أن قضية "التأويل" هي القضية المحورية في هذا الزمان، ولكنها في الوقت ذاته "مرفوضة من الأصوليات الدينية السائدة"، التي تقف ضد إعمال العقل في النص الديني، الذي هو "شرط التأويل".

يضع وهبة يده، بوضوح، على أن تجديد الخطاب الديني لمواجهة "الإرهاب الأصولي الإسلامي" يستلزم بالضرورة مجاوزة التقليد، لأن التقليد يستلزم عدم الاختلاف. ويطرح وهبة تساؤلًا حول العلاقة بين التأويل وتجديد الخطاب الديني، مشيرًا إلى مفهوم التأويل عند ابن الأثير، حيث إن مغزاه عنده أن التأويل "يشترط تجاوز ظاهر اللفظ"، وإذا كان هذا الظاهر مرتبطًا بالحس، فتجاوزه يعني "تجاوز الحس إلى العقل"، إلا أن هذه المجاوزة تنطوي على "مخاطرة"، لأن العقل، في هذه الحالة، يكون معرضًا للخطأ، وهو يبحث عن دليل لتبرير إعمال العقل.

ويستعرض وهبة، في ورقته البحثية، سعي الغزالي إلى البحث عن "قانون للتأويل"، ولكنه في النهاية تراجع عن هذا البحث، ومن ثم "بقي التأويل بلا قانون". أما ابن رشد، وفق رؤية وهبة، فقد ارتأى أن تراجع الغزالي عن صياغة قانون للتأويل مردود إلى أنه كان ملتزمًا بالإجماع، أي أنه كان ملتزمًا بالمنقول دون المعقول، ويدل على ذلك "تكفيره فلاسفة المسلمين، لأنهم تأثروا بالفلسفة اليونانية الوثنية، المتمثلة في سقراط وأرسطو وأفلاطون".

فلتكن هي "الرُّشدية العربية" في مواجهة "التكفير" و"الإرهاب"، ولدحض الأصوليات المتشددة. هكذا خلص مراد وهبة، مبرزًا في شرحه نظريته أن ابن رشد لم يعرف التكفير، إذ دعا إلى مراجعة كتب القدماء، "فإن كان ما بها صوابًا قبلناه، وإن كان غير ذلك نبهنا عليه". وقد انتصر وهبة، كعادته، لابن رشد، بوصفه "الأصلح لهذه الأمة"، و"الهامشي" في الحضارة الإسلامية، الذي حان وقت خروجه من الهامش. ومن خلال "الرشدية العربية"، سيمكن فتح حوار حقيقي إيجابي مع الآخر، خصوصًا الغربي المتبني بالفعل فلسفة "الرشدية اللاتينية" المؤسسة للعقلانية الأوروبية، ومن ثم يتحرك العالم خطوات نحو سلام منشود.

"الرشدية العربية"، كذلك، من شأنها مواجهة التيارات الأصولية، جذريًّا وبشكل متعمق، ومن ثم اجتثاث الإرهاب من منبعه الفكري ومنبته الأرضي. هكذا يرى مراد وهبة في ورقته، داعمًا ما ذهب إليه من قبل بشأن ضرورة أن تتحول "الرشدية العربية" من فكرة إلى تيار، من أجل أن تسهم في تغيير الواقع وتطور الحضارة الإنسانية، وهذا يستدعي أيضًا حوارها مع مثيلتها اللاتينية، لتكوين تيار مشترك أو "رشدية إنسانية" تقف ضد انتشار العنف.

هل حان بالفعل خروج ابن رشد من ذلك الهامش الضيق؟! هذا ما يراهن عليه وهبة بحماسة يُحسد عليها، على أن شروط ذلك الخروج "الرُّشدي" و"الإعمال العقلي" لم تتحقق بعد على الأرض، فيما يبدو، وفق المشهد الكلي الراهن، بل وفق أجواء المؤتمر الضيّق.

مؤتمر "فلسفة التأويل: آفاقها واتجاهاتها"، هو مؤتمر المفارقات، والتناقضات، والتهويم الخيالي، و"المحدودية" في الحضور والتأثير، على الرغم من أن فكرة واحدة من بين سطوره، بإمكانها أن تغيّر عالمًا بأكمله، إذا توافر الطقس الملائم.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها