آخر تحديث:11:21(بيروت)
الإثنين 20/03/2017
share

العيش التهكمي في بيروت

روجيه عوطة | الإثنين 20/03/2017
شارك المقال :
  • 0

العيش التهكمي في بيروت "كيف تتحملون العيش هنا؟".. نمضي وقتنا منشغلين بدرء هذا السؤال، وكأننا نعيش من أجل ألا نردّ عليه
يقول لنا الأصدقاء الذين يأتون من بلدانهم لزيارتنا في بيروت أن مدينتنا مكلفة للغاية. ذلك، أنهم ليتدبروا يوماً واحداً فيها، يحتاجون مبلغا مرتفعاً من المال. يضيف هؤلاء على ملاحظتهم سؤالاً يعمدون إلى طرحه علينا كأنهم يدفعوننا إلى التعرف على أنفسنا: "كيف تتحملون العيش هنا؟". على أننا، في أغلب الأحيان، لا نجيبهم بأننا نعيش، ونمعن في عيشنا، لكي نتلافى سؤالهم، فنحن المقيمين في هذه المدينة، نكاد نمضي وقتنا بأكمله منشغلين بدرء ذلك السؤال، وبإنكار ضرورته، إلى درجة نبدو فيها كأننا نعيش من أجل ألا نرد عليه، وربما، من أجل ألا نسمعه.


دقيقة هي ملاحظة ضيوفنا، فسعينا إلى عيش لائق في بيروت هو بالفعل باهظ، وفي الوقت عينه، شبه محال. إذ إننا نجهد ونكد في أعمالنا لكي نحقق البديهي منه، وفي أثناء ذلك، نشعر بأننا دائماً على وشك الإخفاق. فلكي نستأجر مسكناً، ونجهزه بالماء الملوثة، والكهرباء المنقطعة، والإنترنت البطيء، نبتر من رواتبنا نصفها، أما، نصفها الثاني، فمهدور في المواصلات على طرق مزدحمة، وفي إتمام إحتياجات أساسية أخرى، كالمأكل والملبس والقليل من الإستجمام.

على هذا المنوال، تدور عجلتنا الإقتصادية، التي، ومهما سرعت، تبقينا في مكاننا، فلا تمتنه، وطبعاً، لا تنقلنا إلى غيره، بحيث أنها، وما أن يدخلها مبلغ من المال، حتى توزعه بمجمله، فلا تحتفظ بجزء منه،  بل أنها، وفي بعض المرات، تتعطل، فتطلب المزيد لكي تستمر في دورانها. هذه العجلة هي، وببساطة، عجلة إستهلاكية، لكنها، وعلى الرغم من هذا، لا ننال، كمشغلين لها، سوى خدمات باهظة السعر، ورديئة النوعية، كما لو أنها خدمات ساخرة من تعبنا ومن عنائنا، بالتوازي مع إيهامها لنا بأنها حظنا، فإما علينا أن نقبل به، أو لن نحصل على غيره.

يتسم عيشنا في بيروت بنوع من الباروديا، فنحاكي من خلاله، وبطريقة تهكمية، تصوراً معيناً عن العيش البديهي وغير المتكلف، مدركين في سرنا أننا لن ننجزه. وهذا التصور ليس إقتصادياً فقط، بل شامل، بحيث أننا، وفي لحظات تأديتنا له، نظهر كأننا نحاول، وبكل طاقتنا، إثبات عيشنا في المدينة، وإثبات أن هذه المدينة معدة لممارسة الحياة فيها.

فإذا كانت، وبحسب أدبيات نقدها، مسرحاً، فالممثلون على خشبتها، غالباً ما يطلون بوجوه، لا تخفي إرهاقهم، ولا تخفي رغبتهم في التوقف عن التمثيل، وإعلان لا جدواه. فلا أحد منهم يعتقد بأن تأدية عيشه هو عيش فعلي، ولا أحد منهم يعتقد بأن بيروت سانحة له، ومع هذا، وللأسف الشديد، هي المسماة "مدينتهم"، وعلينا أن يؤكدوا، وبأي ثمن، هذه التسمية، ذلك، حتى لو كان الثمن هو تكذيب أنفسهم، والضحك المستمر عليها. ثمة، في كل هذا، نوع من جنون العيش، الذي تفرزه بيروت، وتعطيه أشكالا لتصريفه، وجعله مألوفاً، بحيث أن الكلام حوله يصبح مملاً، لا يقتضي سوى النطق به كشكاية، قبل الإسراع إلى التغاضي عنه كقضاء.


حين يسألنا زوارنا "كيف تتحملون العيش هنا؟"، قد نجيبهم بأننا، عكس ما يفترضون، في أحسن حال، وقد نجيبهم أيضاً بأننا نحاول تغيير أوضاعنا، لكن، هذا لا يحصل سوى عبر "المراكمة"، مثلما قد نجيبهم بأن "الأزمة عالمية". ستتباين إجاباتنا، لكنها، في المحصلة، لن تنم سوى عن كوننا نعيش في بيروت من باب عدم تحملنا العيش فيها. فأن نعيش في هذه المدينة يعني أننا نتدرب على العيش في أي مكان من بعدها، حيث سيكون الضغط أقل، والقلق منخفض، والإنسداد أخف وطأة.

أما، لماذا نتحمل العيش هنا؟ فهذا، أيها الأصدقاء، ما لا تسألوننا عنه، وهذا مرده ما يشبه الجنون، الذي نصِفُه، أحياناً، بالـ"فرصة".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها