آخر تحديث:12:46(بيروت)
الأحد 19/03/2017
share

مثلية تي أس إليوت

محمد حجيري | الأحد 19/03/2017
شارك المقال :
  • 0

مثلية تي أس إليوت "الأرض الخراب" أم خراب الزواج؟
قصيدة "الأرض الخراب (أو اليباب)" للشاعر الأميركي تي أس إليوت، لطالما ارتبطت في ذهن القارئ العربي، بأنها مشهد حي لما تعرضت له "الأرض والقيم من كوراث"، وصار عنوان القصيدة مثلاً يشبه العناوين التوراتية "سفر الخروج"، "سفر التكوين". لكن الواقع أن للقصيدة الإليوتية الشهيرة وجه آخر، ربما لم يألفه الكثير من الكتّاب العرب. ففي العام 2001 كتب الباحث العراقي سلام خياط في مجلة "الوسط" المحتجبة، عن كتاب "طيف ملون" لكارول سيمور ـ جونز يقلب الأمور رأساً على عقب كل ما تعارف عليه النقاد من طروحات أثناء دراستهم لشعر اليوت. تعرض بشكل تفصيلي لمثلية الشاعر وعلاقته بزوجته فيفيان وود. وعلاقة فيفيان بالفيلسوف برتراند راسل، وجهدت سيمور جونز لرفع الحيف الذي لحق بفيفيان وود، ووصمها بالعهر ظلماً. هذا الزواج لم يمرّ بعلاقة حب، إنما، كما قال إليوت نفسه، "أقنعتُ نفسي بأني أحبّها، فقط لأني أردتُ أن أقطع على نفسي سبيل الرجوع إلى أميركا، وأن أبقى في إنكلترا". بين مثلية إليوت ومظلومية فيفيان وانتهازية راسل، يرتسم مشهد السيرة المعقدة، ويتظهر وجه اخر للقصيدة الشهيرة. فالشاعر المحبب ثقافياً، وصاحب أشهر قصيدة في أوروبا والعالم في القرن العشرين، والنموذج الأول الأكثر تعبيراً عن الحداثة الذي طالما شغل الشعراء، سواء بتأثيراته فيهم (من السياب الى محمود درويش وصلاح عبد الصبور)، او شغل النقاد في دراساتهم عنه، كانت سيرته مليئة بالتأويلات والمتاهات والهوامش. قيل إنه تزوّج فيفيان، "لأنه أراد أن يتخلّص من عذريته الجنسية"! وهو اذ ما تخلص من عذريته وقع في مشهد "ديوثيته" (قال ابن منظور: "الديوث هو الذي لا يغار على أهله"). لم يُجامع زوجته سوى مرّة واحدة في الليلة الأولى، إذ سرعان ما ترسّخ بينهما النفور فأخذت فيفيان تنام على السرير وإليوت على أريكة في المطبخ. وما زاد الأمور تعقيداً، هو أنه دعا أستاذه برتراند راسل عندما عاد من جامعة هارفارد إلى إنكلترا، للعشاء وللتعرّف إلى فيفيان؛ هذا العشاء الذي كان بداية علاقة امتدَّت ثلاث سنوات بين فيفيان وراسل.

والغريب أن إليوت، رغم جحيم زواجه وسخافته، حافظ على برودة شخصيته تجاه وجود زوجته في سرير غيره، ما حدا بفيفيان بحسب جونز التي انتهت في مصحّ عقليّ إلى التصريح، قبل موتها بقليل، بأن برودة إليوت وصمته هما المسؤولان عن مرضها ودمارها النفسي. والأفظع، لم يتّخذ إليوت أي موقف من انتهاك أستاذه لحرمته، بل شكره لأنه ساعده في مجالات عديدة من بينها إيجاد عمل له في إحدى دور النشر! بلغت الذروة بين إليوت وزوجته عندما طلب الطلاق من فيفيان بحجّة "أنها عاهرة". وهنا تعلّق جونز قائلة: "إذا كانت فيفيان عاهرة، فمن كان القوّاد يا تُرى"؟ هكذا كان المجد الشعري لإليوت مصحوباً بسفالة في الحياة الاجتماعية، وهذا يزيد من الجموح في تقديم الدراسات عن الشاعر وشعره وعلاقته بزوجته.

وأكثر من ذلك، تُعزي الكاتبة، برودة العاطفة لدى الشاعر إزاء زوجته، كنتيجة لتجربة تعرض لها وهو في العشرين من عمره، عندما كان يدرس في السوربون بباريس. فقد تعرف على شاب وسيم، يدرس الطب في السوربون اسمه جان فرديناند. وتؤكد جونز وغيرها من الكتّاب بأن تلك العلاقة أيقظت عواطف الشاب إليوت المكبوتة والكامنة تجاه الجنس المثلي. وعلى رغم افتراق الاثنين، إلا أنهما ظلا يتبادلان الرسائل إلى أن جاء يوم قضى فرديناند نحبه غرقاً... وهذه الحادثة كانت كالصاعقة في حياة إليوت. كتب الكثير من قصائده من وحي ذاك الغياب، بما فيها أشهر قصائده "الأرض اليباب" بدليل أنه أهداها للغائب الذي "رحل باكراً عن العين وأقام كامناً في عمق اللاشعور، فالأرض من ثم قاحلة والدنيا خواء والحياة يجللها الجفاف والقحط".

هذا التفسير ينسف من الأساس ما تعارف عليه النقاد من تفسير للقصيدة من أنها "مشهد حي لما تعرضت له الأرض والناس والقيم والأعراف من دمار وخراب وتقويض اثناء الحرب العالمية الأولى"... وكان الشاعر عبد القادر الجنابي كتب في صحيفة "الغاوون" المحتجبة: "الأرض الخراب"، في نظر عدد من النقّاد، مستوحاة أساساً من خراب زواجه، ولما كان لها أن تغدو قصيدة كونيّة لو لم تحذف زوجته أكثر من نصفها، من جهة، خصوصاً العبارات الواضحة الدلالة، ولو لم يحذف باوند (الشاعر) أشياء كثيرة منها لمصلحة الإيحاء الشعري والصور المتوتّرة، من جهة أخرى، بحيث وَصَفَ باوند نفسَه بأنه القابلة وإليوت أمّ القصيدة، وذلك في قصيدة احتفالية بـ"الأرض الخراب" أرسلها إلى إليوت.

والمثلية الجنسية في حياة إليوت، كانت صلب اهتمام الشاعر العراقي محمد مظلوم، في تقديمه وتحقيقه لترجمة "الأرض الخراب/ مع التفسيرات النقدية الجديدة"(منشورات الجمل) بتوقيع الشاعر الراحل توفيق صايغ، وهي الترجمة العربية الأولى للقصيدة... يكتب مظلوم: "لم أتردد في الجزم بأن جميع الدراسات النقدية العربية عن تجربة اليوت، و"الأرض الخراب" على نحو خاص، لم تتوقف بشكل جدي عند أثر الحياة الشخصية وخصوصاً علاقته الزوجية المتوترة، فكل تلك الدارسات بلا استثناء تقريبا، كانت تمر على مراحل عامة من حياته المهنية". يضيف: "من هنا فإن مأزق الهوية الجنسية لإليوت، والمضامين الجنسية في الأرض الخراب، وفي عموم تجربته، لم تُقارب، في ما أعرف، في أي دراسة نقدية أدبية مكتوبة بالعربية، بما فيها الترجمات العديدة التي اشتغلت على شعر إليوت... في مطلق الأحوال فإن الأرض الخراب دخلت عالم التشريح النقدي، ومنذ أوائل التسعينيات رأى بوركر وجوزيف بنتلي، في كتابهما "قراءة الأرض اليباب: الحداثة وحدود التفسير" أن المحتوى المعقد لأهم عمل شعري في القرن العشرين، بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة لاكتشاف المزيد من خفايا ذلك المحتوى".

وكان الناقد الكندي جون بيتر أول من لمح نقدياً الى شهوة مثلية في شعر إليوت، ونشر مقالا في مجلة "مقالات في النقد" بعنوان "تفسيرات جديدة للأرض الخراب"، فالقصيدة برأيه كانت في صميم الرثاء الحميم، وعندما قرأ إليوت التفسير الجديد لقصيدته الأكثر شهرة أوعز الى محامية بإيصال تهديد لرئيس تحرير المجلة بأنه بصدد رفع دعوى تشهير ضد هذه المادة التي تتعرض لحياته الشخصية، وأبلغ المجلة عبر محاميه بأن هذا التفسير "سخيف ويثير الدهشة والاشمئزاز وخاطئ تماماً".

في تلك المرحلة كان المثليون ما زالوا يتعرضون للعقاب في بريطانيا، وبعد أربع سنوات على وفاة إليوت، أعادت المجلة نشر مقال بيتر مع إضافة هامش حدد في أصل فليباس الفينيقي في "قسم الموت عن طريق الماء" على أنه جان فيرديناد، زميل إليوت المستأجر في غرفة ضمن سكن مشترك خلال اقامته في باريس بين 1910 و1911 وحينما كان إليوت طالباً في السوربون...

الفرضية النقدية التي وصفها إليوت بالسخيفة والخاطئة، والتي تقول بأن الأرض الخراب أو بأن جزءاً منها على الاقل، يمكن أن يُقرأ على أنه رثاء لشاب حميم مات غرقاً، اكتسبت شيئا من المعقولية مع نشر المخطوطة الأصلية للقصيدة ومسوداتها العام 1971... ومن إشارة بيتر، ومع نشر أصول مسودات القصيدة، شرع جيمس ميلر والذي كان استاذاً للغة الانكليزية في جامعة شيكاغو، في مشروع كرس له أكثر من كتاب وبحث ومقال، لتحويل الفرضية الى اعتقاد، وتوسع في تقصي شخصية فيرديناد ورصد تأثيره في أهم أعمال إليوت الشعرية... وفي كتابه الصادر العام 1977 الذي درس فيه شخصية إليوت في الأرض الخراب، يركز ميلر بشكل خاص على اعادة قراءة المسودات الأصلية للأرض الخراب.

ومن دون شك، وبحسب تحليلات كتاب توفيق صايغ، حظيت "الأرض الخراب" بالمزيد من الهوامش والتعليقات والتفسيرات النقدية والشروحات التأويلية، حتى أصبحت تقليداً مع كل طبعة جديدة للقصيدة... 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها