آخر تحديث:12:07(بيروت)
الجمعة 17/02/2017
share

"إسمعي" لفيليب عرقتنجي: صالح للأذن وطالح للعين

روجيه عوطة | الجمعة 17/02/2017
شارك المقال :
  • 0

  • "إسمعي" لفيليب عرقتنجي: صالح للأذن وطالح للعين
    ثمة تمرين، على المتفرج أن يمارسه عندما يشاهد الفيلم
  • اسمعي
    اسمعي
قد يكون "إسمعي" لفيليب عرقتنجي نموذجاً وافياً عن السينما اللبنانية، التي، وما أن ينطلق القيمون عليها من "رسائلهم"، حتى يبعثوا بها ككليشيه، لا يفضي بإخراجه سوى إلى تمتينه. إذ يعلقون فيه، وإذا شعروا بضرورة الإنصراف منه، يواظبون على إطالة وقته، وتزيين إطلالته، فتنقلب غثاثته المحمولة إلى ملل حاد. هكذا، بدا "إسمعي" بمثابة شريط يدور على عواهن ذلك الكليشيه، الذي برز في الإيقاع البصري، وفي التداول الكلامي، فضلاً عن سردهما ومبناه. أما، التصويت، فمن ناحيته، هو الوحيد الذي يعين المتفرج في التجلد على التصوير، لكنه، بذلك، يبقى وسيلة مساعدة، لا تصنع فيلماً بقدر ما ترد هوامه.

ثمة تمرين، على المتفرج أن يمارسه عندما يشاهد "إسمعي"، أو أي فيلم من قبيله، تكون صورته في خدمة الكليشيه، وصوته مُنزّه عنهما. هذا التمرين، من الممكن تسميته "مطاردة المتوقع"، الذي كاد يلوح على طول المشاهد، حتى حولها إلى قطعٍ جامدة، نزلت متتابعة، كأنها تطبق صيغةً، أو تملأ إستمارة، ملتزمةً بالمترقَّب منها. على هذا النحو، قدّم الفيلم قصته كقصة منتظرة: مهندس الصوت جود (هادي بو عياش) يلتقي بالممثلة رنا (ربى زعرور)، الفرق بينهما بديهي، لكن، السيناريو، ولكي يجعله "قضيةً"، يغلظه هوياتياً وطبقياً ومناطقياً وقيمياً، إلا أنه، وبدلاً من أن يبينه فعلياً، يظهره بركاكةٍ.

بين البطلين، ولقائهما المعقود بذهاب وإياب لا داعي لوفرتهما، تجيء الكاميرا بـ"عدة الحشو". فمن أجل أن توضح "السياق السياسي" للقصة، تبرز تلفزيوناً ومذياعاً يبثان نشرات الأخبار، التي جاء في واحدة منها عبارة "صباح الخير" مع أن المشهد حينها كان ليلياً. ومن أجل أن توضح "السياق المكاني" لها، تبرز من لحظة إلى أخرى مدينة بيروت الشاهقة. ومن أجل أن توضح "السياق المجتمعي"، تبرز الشخصيات أمامها ككائنات، لا شيء يدل على اجتماعها، أكان ضاغطاً أو موائماً، سوى الكلمات المسحوبة على عجل من أفواههم، وليس من أحوالهم.


فجأةً، أو بنيّة المخرج على وجه الدقة، تحل الحبكة، بحيث تدخل رنا في غيبوبة من جراء حادث في الطريق، وخلفها، يدخل جود في رحلة تسجيله لأصوات المدينة، ليسمعها إياها، علّها تستيقظ. في أثناء كل هذا، تشير الكاميرا إلى كون النساء أكثر عدداً من الرجال في البلاد، ثم، تدخل، بدورها، في "معالجة" هذه "الإشكالية"، لكنها، عوضاً عن ذلك، تقفز إلى ما عرضته كهجس المرأة في جسدها، وفي المال، وفي المنفعة، وفي التقسيمة المسيئة "عقل\عاطفة"، ذلك، قبل أن تجاورها بتظاهرة تحاكي تنميطياً الإحتجاجات النسوية.

كل هذا، كانت الكاميرا تلتقطه بطريقةْ متأرجحة بين تكلفين غير منجزين. الأول دعائي، والثاني فيديوكليبي. ولما تريد أن تفلت منهما، تقتنع بأن مجرد الهبوط إلى تحت الماء هو أسلبة فنية، أو أن مجرد تسجيل المعاشين الجنسي أو الإغرائي بعدسة "الكشف عن المستور" ما زال يعدّ فعلاً "جريئاً".

في مقلب آخر، أتى أداء الشخصيتين الأساسيتين، بالإضافة إلى شخصية مروى (يارا بو نصار)، منسجماً في حال ربطه بجو القصة الممثلة ومعاييرها المضعضعة. أما عند فصله عنها، وهذا الأهم ربما، فيكون مبالغاً أو مفرطاً في مبالغته، لدرجة أنه لا يعود على علاقة بالمواقف، التي ينفعل بها، أو يحاول فعلها، تماماً كما في مشهد تفجع جود أمام منزل رنا.

وهذا لا يلغي أن لكل من الشخصيات الثلاث هنا، سمة منفردة، كبشاشة بو عياش، وطلعة زعرور، وتحديقة أبو نصار، لكن هذه السمات شبه تشتت في حمأة ومهب تنقلهم من وضع إلى ثان بلا إتمامه أو تحقيقه كاملاً، حتى أن أغلب وقائع عيشهم لاحت من دون تماسكهم في تمثيلهم لها.


لم يبتلع الكليشيه صورة "إسمعي"، بل إن هذه الصورة بدت كأنها ولدت مبتلعة به، وقد أخرجت بالإستناد إليه، في حين أن صوتها يترفع عنها، ويحاول إنجاز ما فشلت في تنفيذه. وربما، من الممكن القول أن "إسمعي" فيلم صالح للسمع بالأذن وطالح للمشاهدة بالعين، وذلك، بعد التغاضي عن الحوارات، التي لم تندرج في غير سياق المتوقع ولسانه.

وعلى هذا، قد لا تكون مشكلة السينما اللبنانية الرائجة في كونها تتناول موضوعات إنطلاقاً من الكليشيه الملتقط لها، لكن مشكلتها أنها، بذلك، تستسلم له وتجاهر به وتعيد إنتاج مقامه. فإذا واصلت تلك السينما مقاربتها لموضوعات الكليشيه في السبيل ذاته، وبالنظر ذاته، فعندها علينا أن نأخذ بما قالته إحدى المتفرجات في صالة العرض مع نهاية فيلم عرقتنجي: "كأنه تمهيد لمسلسل درامي، كأن جود هو أمير الليل في مراهقته"!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها