آخر تحديث:08:37(بيروت)
الأحد 12/11/2017
share

غذاء للقبطي.. مسيحيو مصر يفرضون ذاتهم عن طريق المَعِدَة

أحمد شوقي علي | الأحد 12/11/2017
شارك المقال :
  • 0

غذاء للقبطي.. مسيحيو مصر يفرضون ذاتهم عن طريق المَعِدَة معدلات بيع الشيبسي تصبح صاروخية في أوقات الصيام
في المرحلة الابتدائية، كنت عضوًا في فريق الإذاعة المدرسية، وظيفتي تلاوة القرآن كفقرة افتتاحية، وكانت الفترة الإذاعية تضم، إضافة إلى ما أؤديه، فقرات مثل: إلقاء حديث نبوي، إنشاد قصيدة، كلمة الصباح، معلومة اليوم، نشرة الأخبار، وأخيرًا عزف الموسيقى. وحدث يومًا أن تغيبت زميلتي المسؤولة عن إلقاء الحديث، فطلبت مني مشرفة الإذاعة -وكانت إحدى مدرسات اللغة العربية- أن أنيب عنها، وسألتني عما أحفظه من الأحاديث، فأجبتها بما كان نصه: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا مسلمًا"(*)، فاصفر وجه المعلمة، قبل أن تصرخ في وجهي "أنت عايز تقول كده قدام مديرة المدرسة المسيحية"!


كان نص الحديث خاطئًا، ولم تنتبه المعلمة إلى ذلك، أو أنها كانت تحمل في عقلها الباطن الاعتقاد الراسخ نفسه، الذي أعاد صياغة النص في ذهني، فلم تنشغل في البحث عن صحة العبارة من عدمها، وإنما خشيت أن ينكشف ذلك المعتقد أمام مديرة المدرسة المسيحية: أن المسلمين لا يحبون مشاركة الطعام مع المسيحيين، أو بشكل أكثر دقة: لا يحبون تناول طعام المسيحيين.

ورغم مرور سنوات على تلك الحادث، تخلصت خلالها –أو أظن- مما تشبعت به طفولتي من خرافات متعددة، نسجتها المخيلة الإسلامية المصرية حول حياة خصوصيات الأقباط؛ أقبلت على قراءة كتاب "غذاء للقبطي"(**) للمصري شارل عقل، الذي يتناول قائمة طعام المطبخ المسيحي، بفضول لا يهدف الى التعرف عليها، بقدر ما يسعى إلى اكتشاف الأسباب التي تبرر عزوف المسلمين عن تناول ما يطبخه المسيحيون، وكأنني رغم كل تلك السنين، مازلت حبيسًا للمقارنة التي "طالما كانت نحن وهم".

غير أن الكتاب خيَّب سعيي، فنص عقل ليس تدويناً عن الكيفية التي يعد بها الأقباط طعامهم، وإن اشتمل على العديد من وصفات الطبخ، وإنما استعراض متعمق للحياة الشخصية لمسيحيي مصر وعلاقاتهم بمن حولهم -والمرتبطة بالطعام، بسبب اضطرارهم للصوم لفترات طويلة، تصل لنحو مائتي يوم في السنة- يكشف من خلاله المؤلف عن صورة أكثر وضوحًا وحيوية لذلك المجتمع، الذي لطالما بدا لي ولغيري من المسلمين غامضًا، كونه منغلقًا على ذاته.

ويعرض المؤلف المحب للطهي، موضوع الكتاب، المقسمة فصوله تبعًا للروتين القبطي على مدار العام، بداية بالصوم وانتهاء بالعيد وما يتخللهما من عادات غذائية، في إيقاع تشويقي متصاعد، ولكنه متأن في الوقت ذاته، وكأنه يدعو قارئه إلى مأدبة غذاء، تبدأ بالمقبلات ثم الشوربة فالطبق الرئيسي وتنتهي بالحلو، وهي وجبة على الرغم من دسامتها إلا أنها خفيفة على القلب، بفعل الأسلوب الساخر للكاتب، والذي يضفي على النص طرافة ويزيده إمتاعًا.


ومن بين السمات العديدة للمجتمع القبطي، يشير المؤلف إلى سمتين جديرتين بالتأمل، تفسران أداء هذا المجتمع، وتوضحان حجم قوته السياسية والاقتصادية، رغم قلته العددية، وتكشفان كذلك مدى قابليته للتكيف والتفاعل مع من حوله رغم ما يبدو عليه من انغلاق. اذ يلفت شارل عقل إلى ما يصفه بـ"الكتلة المسيحية" كجماعة شديدة الفعالية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فعلى الرغم من قلة المسيحيين عدديًا مقارنة بإجمالي السكان المصريين، وجدارتهم –وفق هذا العدد- لأن يوصفوا كأقلية دينية (يبلغ عددهم حوالي 10% طبقًا لروايات المسيحيين الرسمية، أو 4.5% وهي النسبة التي يطمئن إلى تصديقها المؤلف) إلا أنهم يملكون حضورًا لافتًا لا يتبدى في الخطاب الرسمي للدولة الذي يصفهم بـأحد "عنصري الأمة"، وإنما في قدرتهم على التحرك ككتلة واحدة تجبر السوق على الانصياع لعاداتهم الغذائية: "فليس العدد وحده هو المؤثر ولكن التحرك ككتلة واحدة. لذلك يبدو تأثير هذه النسبة من الأقباط على اختلاف تقديرها ملموسًا ومؤثرًا. فبما ان هذه النسبة تتحرك ككتلة واحدة تقريبًا في أوقات الصيام وغير الصيام، من دون انحرافات تذكر، فلا بدّ أن يأخذها العاملون في الصناعات الغذائية في الحسبان، فعندما يتحول خمسة ملايين فرد على الأقل بالانقطاع عن بعض المأكولات والتوجه إلى غيرها، يصبح ذلك مؤثرًا على معدلات بيع هذه المنتجات، مما يجعل الشركات تغيّر من معدلات إنتاجها، حسب طلب السوق، أو في بعض الأحيان تصدر منتجات خاصة لاكتساب السوق. فنجد مثلا أن معدلات بيع الشيبسي بالملح والشمعدان الأحمر تصبح صاروخية في أوقات الصيام، وعلى الصعيد الآخر تجد المطاعم، حتى العالمية منها مثل بيتزاهات وماكدونالدز، قد يصدران في أوقات الصيام بعض المأكولات للصائمين، ليفوزا بهذه الكتلة الضخمة".


وفي المشهدية نفسها، يحرص السياسيون على متابعة توجهات المسيحيين السياسية "لقراءة هذه الكتلة التصويتية وتوقع حركتها في المستقبل"، ويضرب عقل مثلًا في ما يحدث في قداس العيد، حيث إن "أي اسم يعلن عنه كأحد الحضور، أو الذين قاموا بالزيارة قبل القداس، أو من اتصلوا هاتفيًا للتهنئة، أو من أرسلوا برقيات؛ يقوم شعب الكنيسة الحاضر بالتصفيق. ومن قوة التصفيق ومدته وعدد المصفقين تستطيع أن تعرف موقف الأقباط من ذلك الشخص (...) توجد المبالغات التي يجب أن يتفهمها المستمع كرسالة مباشرة، كدعم صريع أو تهديد صريح. كمثل امتناع الحضور عن التصفيق لأي مرشح له علاقة بالأحزاب السياسية الإسلامية، وأتذكر أنه حينما ذكر اسم الرئيس السابق محمد مرسي في أثناء فترة رئاسته، انقطع صوت التصفيق نهائيًا وكأنه خلل صوتي حدث في البث التلفزيوني، وخيم صمت تام".


أما السمة الثانية لذلك المجتمع، فتخص ما طرأ عليه من تغيير بسبب تفاعله مع الأغلبية المسلمة، والذي أنتج فئة جديدة من الأقباط أسماهم المؤلف بـ"الأقباط المتأسلمون"، وهم: "الأقباط الذين ينظرون لأنفسهم بنظرة تقييم إسلامية. وهم فئة كبيرة مهما بلغت في تشددها الديني المسيحي إلا أن معايير تقييمهم لأنفسهم، هي معايير إسلامية من الطراز الأول"، وهذا تحول يمكن فهمه نتيجة للمقارنة الندية المنعقدة دائمًا بين الجماعتين الدينيتين، فـ"نظرًا لتلك المجاورة التاريخية والجغرافية الممتدة، يبرهن المسيحيون دائمًا عن تدينهم بأنهم ليسوا أقل من المسلمين، فهم يوحدون بالله (واحدًا وليس ثلاثة –بكثير من التأكيد المقلق)، ويصلون سبع صلوات أساسية بدلا من خمس، ويصومون عددًا أكثر من الأيام خلال السنة، الكثير منه صوم انقطاعي يشابه كثيرًا صوم رمضان ولكنه أكثر حدة، ويذهبون إلى الصلاة في الكنيسة كل أيام أسبوع، ويقدمون العشور (عُشر دخلهم) بشكل منهجي (ما يقابل الزكاة)، بل ويحجون إلى القدس بإصرار منهجي متزايد. ثم ينساقون في هذه المزايدة ليضموا إلى قائمة الفروض والمحظورات، أنهم أصبحوا مؤخرًا لا يشربون الخمر ولا يأكلون الخنزير. أي أنهم أكثر من المسلمين إسلامًا. وهي كلها أمور تتخذها الأرثوذكسية المسيحية المصرية –دون أي طائفة مسيحية أخرى- بكثير من الشعائرية، والتمسك الدستوري الفرضي بطقوس العبادة، بمبدأ من الندية والمنافسة. ولا تقاس درجة تدينهم إلا بالمقارنة بنظيرهم من العائلات المسلمة".


لا يعتبر "غذاء للقبطي" بحثًا لاهوتيًا، رغم دأب مؤلفه على تفنيد كثير من نصوص الكتاب المقدس، ومقاربتها في أداء المسيحيين والكنيسة روحيًا واقتصاديًا، ولا تجديفًا، وإنما مغامرة لغوية جريئة تسائل الثوابت الجامدة وتشاكسها، لتقدم قراءة متعمقة لواقع المجتمع القبطي المعاصر، تفتقر إليها المكتبة المصرية والعربية، وتفتح الباب الذي طالما أوصده الأقباط  طويلًا على ذواتهم.

(*) النص الصحيح للحديث:" لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي"- سنن الترمذي.

(*)  صدر الكتاب عن دار "كتب خان" في القاهرة، وهو الأول في سلسلة جديدة أطلقتها الدار تحت عنوان "بلا ضفاف"، تعنى بنشر التجارب الأدبية الجديدة، والخارجة عن التصنيفات المتعارف عليها من قصة ورواية وشعر ومقال.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها