آخر تحديث:10:00(بيروت)
الخميس 12/10/2017
share

الصواب السياسي كقضية لبنانية

رشا الأطرش | الخميس 12/10/2017
شارك المقال :
  • 0

الصواب السياسي كقضية لبنانية مَن يحمي هذا اللاجئ السوري الصغير من مغبة الخطاب الباسيلي؟ (غيتي)
وسط هيمنة مفزعة لخطاب رُهابي لبناني، يجافي أبسط المبادئ الأخلاقية والإنسانية المعاصرة، بل وحتى الحقائق واضحة الأرقام، بدءاً من تغذية كراهية السوريين المقيمين الآن في لبنان والتحريض عليهم ككتلة بشرية، وصولاً إلى الخيال الطائفي المريض بوَهم الاضطهاد رغم حيازة السلطة.. هل يمكن الحديث عن مسألة الصواب السياسي وإشكالياتها كقضية لبنانية جديرة بالتبني؟ 

للدقة، ربما يجب تفريع السؤال إلى اثنين: هل يتأثر لبنان الآن، إضافة إلى علاته المعروفة، بصعود خطاب مضاد للصواب السياسي، والمدفوع، ضمن أسباب أخرى، بموجة يمينية متشددة شبه عالمية تضرب حتى أكثر دول العالم تسامحاً وتنوعاً؟ أم أن لبنان حالة مشرقية أقرب إلى زمن ما قبل خطاب الصواب السياسي، وبالتالي تستدعي حميّة مختلفة لإرساء قيم الصواب العتيد، قبل تهشيمه والتمرد عليه؟

وبهدف العجالة هنا، لعله من الجائز اختزال مفهوم "الصواب السياسي" (politically correct) في صورة شرطي الممارسات والسلوكيات والتراكيب اللغوية والأطر الفكرية والاجتماعية والسياسات، التي قد تؤذي أو تهين أو تميّز ضد أي من الفئات البشرية في مجتمع ما، لا سيما المهمشة منها، وخصوصاً على أساس عرقي أو إثني أو ديني أو جندري. وإذا كان مفهوم "الصواب السياسي" قد استجمع قوته وتبلور في الولايات المتحدة، منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين، بجذور ضاربة في عَقد الستينات وحِراكاته، فقد أحدث جلبة سياسية وأكاديمية وإعلامية كبيرة ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، جدلياتها مستمرة في أوروبا والغرب عموماً، حيث يبدو لزاماً على العقّال والنخب النظر بعين الشك أحياناً إلى حالات تعصب أعمى لـ"الصواب السياسي"، أي عندما يقع "الصائبون" في فخ ما يحاربونه.

غير أن الكلام عن الموضوع، لبنانياً، ربما يُشابِه السَّير على حبل مشدود. إذ يسهل السقوط في هوة الفوارق الجذرية بين منظومتين: غربية، قد يشوبها الكثير، لكنها، بلا شك، كرّست حقوقاً مدنية لا رجعة فيها، إضافة إلى المساواة والمواطنية والاحتكام إلى دساتير متقدمة في صياغاتها وتطبيقاتها الحامية للكرامة الإنسانية والجوهر البشري، على الأقل في ما يتعلق بمواطنيها.. ومشرقية، أقل ما يقال فيها إنها تدير الدولة و"ترعى" المجتمع وفقاً لديناميات الجماعة وزبائنياتها وسردياتها، ولا قيمة معتبرة فيها للمؤسسات أو القوانين إلا بما يخدم تلك الديناميات. لكن، يبقى ذلك الحبل المشدود، رابطاً تفاعلياً بين المنظومتين. اليوم، بحُكم العولمة. وقبله، بحُكم موجات هجرات وعَودات كبرى عمرها قرن في أقل تقدير، إضافة إلى تقاطعات تاريخ سياسي واقتصادي وثقافي قديمة ومتجددة.

قد لا يكون "الصواب السياسي"، رغم أهميته، مفهوماً جميلاً بالمطلق. بل لعله يستفحل أحياناً إلى درجة تقييد حرية التعبير والإبداع والإدارة. وأحياناً، يمسي نكتة سمجة أو سمة جنونية من قبيل الخبر الذي نشرته الصحافة البريطانية مؤخراً تحت عنوان "جنون الصواب السياسي". وفي الخبر أن "مكتب الإحصاءات الوطنية" رفع إلى البرلمان البريطاني، توصية لحذف السؤال المتعلق بالجنس/الجندر من الاستمارات التي يتم إعدادها تمهيداً لإنجاز الإحصاءات السكانية للعام 2021، تلافياً للإساءة إلى أشخاص لا يرون أنفسهم في أي من الإجابات: "ذكر"، "أنثى"، أو "آخر". وعلى المنوال نفسه، ألغت جامعة كامبريدج مؤخراً حفلة كانت مقررة بتِيمة "حول العالم في ثمانين يوماً"، استجابة لاحتجاجات طلاب توجسوا من المعاني التي قد يحملها ارتداءُ المحتفلين أزياءَ تحيل إلى جماعات إثنية معينة. كما أدت احتجاجات طلابية إلى إلغاء استعادة مسرحية لأوبرا "عايدة" في جامعة بريستول، بناء على التخوف من أداء طلاب بِيض لأدوار تلزمهم بالتعاطي مع شخصيات قدامى المصريين كعبيد.

وها هي الصحافة الأميركية تعجّ بالجدل حول عرض الأزياء الأخير للمصمم مارك جاكوبز في نيويورك، حيث خرجت عارضاته ذوات البشرة البيضاء بتسريحات شَعر تحاكي "الراستا" الإفريقية، وهو ما اعتبره البعض "استحواذاً ثقافياً". كما أثارت تصريحات الكوميديان الأميركي الشهير، ميل بروكس (91 عاماً) لـ"بي بي سي" قبل أيام، عن "الصواب السياسي الذي يقتل الكوميديا المعاصرة"، نقاشاً محتدماً. وبدا معارضو مقولته، حتى من محبي أعماله، أكثر وأعلى صوتاً من مؤيديه. وهذا كله في ظل فوز دونالد ترامب، وما/مَن يمثّل، برئاسة الولايات المتحدة، وفوز اليمين أو تحقيقه نتائج ملفتة في أكثر من انتخابات أوروبية.

بقدر ما تبدو الأمثلة أعلاه مضحكة، وأحياناً سوريالية مستفزة، أو منفلتة عنفياً على غرار أحداث شارلوتسفيل الأميركية، فإن النقاش الغربي يبقى محكوماً بأطره. والأهم أنه لا يتوانى عن كسر أي قدسية محتملة للسلطة وشخوصها. وأكثر ما في وسع ترامب فعله، هو الشجار الطفولي مع وسائل الإعلام، وحجب منتقديه من بين متابعيه في "تويتر". وحتى الأفعال محدودة التأثير هذه، تعود عليه بمزيد من الهجوم والسخرية.

أما نحن...
فلدينا وزير خارجية ورئيس تيار سياسي أساسي في البلد، يحرض على النازحين السوريين في لبنان، من دون أن يعبأ بنتائج كلامه كمسؤول معني بالسِّلم الأهلي، أو يفترض أن يكون كذلك. يفاخر بأنه "عنصري في لبنانيته"، وأن "كل أجنبي قابع على أرضنا من غير إرادتنا هو محتل من أي جهة أتى"، ولا يجد من يحاسبه إلا بعض مدوّني وسائل التواصل الاجتماعي. وحتى هؤلاء، نراهم داخلين-خارجين من "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" المستجيب لشكاوى معالي الوزير، وهو نفسه الذي حقّر زميلته في الوزارة من دون أن يرف له جفن.
مشاعر وطنية؟ اعتزاز بالهوية؟ ممازحة مسؤول ذَكر لزميلة أنثى؟ لا، أبداً. هنا حاجة مُلحّة إلى شرطة "الصواب السياسي" ولمجتمع مدني أنضج وأكثر فاعلية، طالما أن العمل السياسي المباشر مسدود الأفق في لبنان، وطالما أن بعض تجارب الحملات المدنية حقق نتائج لا بأس بها.

الإعلام اللبناني، في معظمه، يحرّض على السوريين، كأبرز مرتكبي الجرائم، وسارقي فرص العمل، والمتسببين في شحّ الماء والكهرباء.. وبطء الانترنت! في حين أن الإحصاءات الجنائية، والجداول الاقتصادية والمصرفية، والملفات الخدماتية اللبنانية، إذا قُرئت بموضوعية، ترسم صورة لا براءة فيها للبنانيين – حكومةً وإعلاماً وبلديات وأحزاباً وطوائف وعصابات ومليشيات.
حرية تعبير؟ عمل صحافي؟ لا، أبداً.

في الجامعة اللبنانية (الوطنية)، تحيي أحزابٌ ذكرى عاشوراء، ويسود السواد، ويهتف هاتفون "نحن أبناء خامنئي"، و"أحفاد معاوية" أعداء، وهؤلاء الأخيرون طلاب أيضاً في الجامعة.
حرية ممارسة معتقد؟ إحياء مناسبة دينية؟ لا، أبداً.

وشهدنا أزمة جريدة "آوتلوك" الطلابية في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث التبس مفهوم "حرية التعبير". وسمعنا خطاب نائب أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم عن المُطلَّقات، وخطاب الأمين العام حسن نصر الله المدافع عن زواج القاصرات، ولم نسمع اعتذارهما. وتابعنا جدليات البوركيني في المسابح الخاصة. وذهلنا بالاحتجاج على فرض الضرائب على الكحول، ليس لأنها عبء جديد على المواطن، بل لأن المحتجين مقتنعون بأنها "تستهدف المسيحيين"!

لكل ما سبق، وأكثر، ربما يجدر التفكير في "الصواب السياسي" كقضية لبنانية، وإن لم تكتمل حوامله بعد. لا نظام ديموقراطياً يرفده، صحيح. لكن إعلاء خطابه بات ضرورة، بما تيسّر من أدوات ومنصّات، بالضبط لأنه بلا ظَهر دستوري أو قانوني... ولو فقط كرادع أوليّ. أما مسوغات تحدّيه والانقلاب على قيوده، بإسم الإدارة الرشيدة أو الحرية أو الإبداع، فما زالت بعيدة، بُعدَ لبنان عن أميركا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير