آخر تحديث:12:22(بيروت)
الخميس 05/01/2017
share

"جدران العار" لماريا شختورة... زمن حرب الشعارات

محمد حجيري | الخميس 05/01/2017
شارك المقال :
  • 0

  • "جدران العار" لماريا شختورة... زمن حرب الشعارات
    عندما يموت... شعارات من زمن حرب السنتين
  • الحزب الشيوعي
    الحزب الشيوعي
  • الكتائب
    الكتائب
  • شعارات
    شعارات
في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، أو "حرب السنتين"، صوّرت الصحافية ماريا شختورة، اثناء تجوالها في أنحاء لبنان، شعارات الجدران المتفلّتة من الانضباط والقانون، مخاطرة بحياتها في أحيان كثيرة. شختورة جمعت جزءاً من صورها، لتصدر في كتاب عنوانه "حرس الشعارت" (منشورات دار النهار 1978)، ويضمّ صوراً ترصد مختلف الشعارات السياسية والسوقية والتافهة للقوى المتحاربة والمتخاصمة...

وتنامت فصول حرب الشعارت تزامناً مع انهيار الدولة وتصدع أركانها، اذ تركت الأحزاب والجماعات لمقاتليها وأنصارها حرية سكب أحقادهم وغضبهم على الجدران المحروقة والمخردقة بالرصاص، ناطقة باسم هذا وذلك من اللاعبين المحليين والخارجين. أصبحت هذه الجدران بالنسبة للكثير من اللبنانيين، "جدران العار"(*)، ومنابر "سياسية" تكتب عليها العبارات السوقية والنابية والايديولوجية والحزبية والطائفية والثورية والفاشية والشيوعية، سواء من خلال رسوم الاستنسل الزينكو، أو الكتابة بالبخاخ (السبراي)..

وماريا شختورة العائدة إلى صورها في معرض "جدران العار"، بعد إصدارها في كتاب أخذ شهرة واسعة، تعتبر أن الكتابات الجدارية كانت حتمية في حرب السنتين، فقبل الحرب لم تكن الأحزاب اللبنانية وغيرها تستعمل سوى "اليافطات" للتعبير عن مواقفها. وعندما انفجر القتال كان الناس يموتون، والاعلام الرسمي يريد ان يبدو مطمئنا، فيما الاعلام الخاص كان مستتبعا. الشيء الوحيد الذي يعكس الحقيقة هو ما لا يقال، او تكتبه الجدران... وليست الكتابات الجدارية التعبير المعين، لمجموعة معينة في ظرف معين فحسب بحسب شختورة، وإنما أصبحت في السياق العام للحرب اللبنانية "لعبة"، أي شيئاً منسقاً له أشكاله الخاصة، وهكذا غدا تعبيراً منظماً لجماعة منظمة. فلكل معسكر لواؤه: الصليب للمسيحيين، وللآخرين الهلال أو أي نجمة ثورية أو منجل ومطرقة. وأياً كان الشعار، التعبير عنه كتابة على الجدران. إن أقرب الشعارات إلى الأذهان وأقواها انطباعاً في الذاكرة هي الكتابات على الجدران، أكانت من النوع الذي يستقطب المقاتلين (وطنية ثائرة أو دين واحد) أم الذي يكشف عن الأفكار التي لم يكن متاحاً لها أن تظهر وتذاع.

ومفهوم "الجدران تتكلم"، نشأ في القرن السادس عشر، وعرفت هذه العملية في ما بعد بـ"حرب الملصقات" أثناء الحرب بين البروتستانت والكاثوليك، فكانت "في البداية إعلانا عن عمق الخلافات الكامنة في النفوس. وأعطت هذه الحرب دروساً في التاريخ البشري، عن بشاعات الحروب الدينية، على الرغم من سيطرة فرنسوا الأول، ملك فرنسا، الذي اشتهر بسلطته القوية. من ثم ظهرت هذه الطريقة في الدول الديكتاتورية للتعبير عن الرأي. لكن في شهر أيار/مايو من العام 1968 إبان الحركة الطلابية الفرنسية، كانت هذه الطريقة الأقوى والأشهر في عملية التعبير والاعتراض والسخط التي طبع الطلاب فيها شعاراتهم على الجدران الباريسية. اليوم غسلت باريس جدرانها، ولكن ليس من مؤرخ يستطيع بعث تلك الأيام إلا إذا استعان بالصورة المحفوظة، وإعادة النطق لتلك الجدران...".

ومنذ نهاية الأعمال العدائية بين الجماعات اللبنانية عام 1990، اختفت أو بدأت تختفي أغلب تلك الشعارات الجدراية، محا النسيان تلك الكلمات التي عبأت وأثارت مشاعر التعصب عند الكثيرين. واللافت أنه في كل مرة يعود التنازع والتخاصم والعنف بين الجماعات السياسة والأهلية، تعود الى الواجهة كتابات الجدران. ولم يكن غريباً أن تعيد ماريا شختور طباعة كتابها عام 2005، سنة الانفجار الكبير واغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأصبح الكتاب مرجعاً أو حاضراً في الكثير من المقالات التي كتبت عن الجدران في زمن الانتفاضات والأزمات في العالم العربي بدءاً من العام 2011...

وفي معرضها الجديد تسأل شختورة أين أصبحت في الذاكرة الجماعية تلك الجدران حاملة الشعارات التي من أجلها مات الكثير من اللبنانيين. وحين تسمي ماريا شختورة معرضها "جدارن العار"، يمكنها التأمل في أن تلك الجدران لم تمح، بل تفشت وانتشرت وتعممت، وما كان موجودا على جدران خرساء، أصبح حاضرا بقوة على جدران افتراضية تويترية وفايسبوكية تشعل الفتن اليومية. وما كان يكتب تحت ستائر الليل، أصبح يقال على الملأ على شاشات التلفزة والمنابر، وما كان يكتبه زعران الحرب، صرنا نسمعه او نقرأه في مواقف الزعماء والقادة والحزبيين. مع فرق أكثر ان شعارات الجدران تحفظها الذاكرة بينما شعارات الانترنت سريعة التلاشي وعمرها ساعات...

ما تحمله صور ماريا شختورة، أنها تفضح الواقع اللبناني من خلال جدران مدينته، لم ينس اللبنانيون شتائمهم على جدران مدينتهم، بل جعلوها متن خطابهم اليومي...

(*) بيروت على موعد مع الدورة الرابعة من مهرجان “فوتوميد” لبنان للتصوير الفوتوغرافي في منطقة البحر الأبيض المتوسط من 18 كانون الثاني ولغاية 8 شباط 2017. ويُنظّم هذا الحدث بالشراكة مع مكتب وزارة السياحة اللبنانية في باريس. تُقام المعارض التي تضمّ عددًا من المصورين الدوليين واللبنانيين في كل من مقر بنك بيبلوس الرئيسي، المركز الثقافي الفرنسي في لبنان، فندق لو غراي، STATION، و D BEIRUT.

تتمحور الدورة الرابعة من مهرجان “فوتوميد” حول ثلاثة مواضيع: السينما، مدينة بيروت، والشعر من تحت الانقاض. كما ستكون فرصة لتكريم المصور الفرنسي الكبير الراحل: مارك ريبو.

وستعرض ضمن هذه الدورة أعمال مصورين عالميين ولبنانيين ونذكر: آلان فليشر، سيرجيو ستريزي، و ريتشارد دوما في مقر بنك بيبلوس الرئيسي، نيكول هرتزوغ-فيري في فندق لو غراي، مارك ريبو وكريستين علوي في المركز الثقافي الفرنسي في لبنان، جوليو ريموندي، جورج عوده، بلال طربيه، و لارا تابت في STATION، وأخيراً فيران فريكسا، نيك هانس، وسيم غزلاني، صور المخرجة دانيال عربيد، وكذلك أعمال تقدمها خمس صالات عرض لبنانية (غاليري أجيال مع كلارا أبي نادر، غاليري أليس مغبغب مع ماريا شختورة، غاليري جانين ربيز مع رانيا مطر وفرنسوا سارغولوغو، غاليري تانيت مع جيلبير حاج، و The Alternative مع ميشال زغزغي) في D BEIRUT.

وفي إطار برنامج الدورة الرابعة، ستكون جلسات دراسة الملفات مفتوحة أمام هواة التصوير الفوتوغرافي يومي الجمعة 20 والسبت 21 كانون الثاني 2017 من الساعة العاشرة صباحا حتى الواحدة بعد الظهر في مقر بنك بيبلوس الرئيسي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب