آخر تحديث:13:49(بيروت)
الأربعاء 21/09/2016
share

منى كريم لـ"المدن": بالشِّعر أتغلّب على سادية المكان

صلاح باديس | الأربعاء 21/09/2016
شارك المقال :
  • 0

منى كريم لـ"المدن": بالشِّعر أتغلّب على سادية المكان موقف الشعراء من الشعر محمل بمشاعر الذنب والكراهية وكأنها لعنة
نشرت الشاعرة العراقية منى كريم (1987) ديوانها الأول "نهارات مغسولة بماء العطش" (دار قرطاس) في سن مبكرة (14 عاماً) ليعقبه الديوان الثاني "غياب بأصابع مبتورة" (دار شرقيات) بعد عامين، ثم درست الأدب واشتغلت في الصحافة والترجمة، قبل أن تهاجر الى أميركا لمواصلة الدراسة والعمل، لتعود، بعد 12 عاماً، بديوان ثالث "ما أنام لأجله اليوم" عن دار "نوفا بلس" بالكويت. تعيش كريم اليوم في نيويورك، حيث تعدّ رسالة دكتوراه عن الرواية النسوية المعاصرة، وتشتغل في تدريس الكتابة والترجمة. تصدر لها هذا العام ترجمة انكليزية لديوان أشرف فياض "التعليمات بالداخل"، وترجمة عربية لمختارات من شعر الأرجنتينية أليخاندرا بيزارنيك.

- نبدأ من ديوانك الأخير، "ما أنام من أجله اليوم"، أصدرته بعد 12 عاماً من ديوانك الثاني، لماذا هذا الصمت الطويل، ومتى كُتبت هذه القصائد؟
كتابة الأدب في سن مبكرة مسألة شائكة. حتى أن فكرة هجران الشعر بحد ذاتها تصبح مغرية. يبدو أن موقف الشعراء من الشعر محمل بمشاعر الذنب والكراهية وكأنها لعنة يرغب الواحد في التخلص أو الشفاء منها. أنظر مثلاً إلى رامبو الذي نتحدث عنه بحالة من الاعجاب والتقديس لأنه كتب الشعر صغيراً وتعافى منه في أول شبابه. بعد نشر ديواني الثاني، "غياب بأصابع مبتورة"، بسنوات قليلة، لم يعد أمر الكتابة والنشر والتواصل مع القارئ أو الآخرين في الوسط الأدبي شيئاً مهماً أو مغرياً، بل بالأحرى بات منفراً. مجهد فعلاً أن تعيش طفلاً أو مراهقاً في وسط أدبي ذكوري مشحون بالأمراض وفارغ تقريباً من الأفكار. تصبح العزلة أفضل الخيارات وأكثرها أريحية. ولم أشعر بأن العودة مهمة إلا بعدما خلخلت الثورات العربية حالة السبات ونبهتني أن عليّ استعادة لغتي (الأدب) التي من دونها لن أقترب من خلاصي الذاتي. طوال فترة الصمت هذه، كنت أكتب القصائد بشكل متقطع، وحتى الآن لا أعرف كتابة الشعر بشكل دوري. لكن ديواني الجديد يحمل أحدث القصائد والتي أجد أن جمالياتها تمثل أسلوبي الحالي مع بعض القصائد القديمة في نهاية الديوان التي فكرت أن القارئ قد يحب العبور بها.

- من خلال قراءة الديوان نشعر أنّ هنالك محاولة محو للأنا وتبديله بأنوات أخرى، هذا غير القصائد التي رسمتِ فيها بورتريهات أو سمّيتها مباشرة "منى كريم"، أو كقولك "أريد أن أكون من مونتريال/ حيث الجميع أجانب"، تقولين أيضاً أن المكان سادي ويملك المفتاح، فهل هي كتابة عن المكان بقدر ما هي كتابة عن الأنا، أو ربما هما أمر واحد؟
بالتأكيد سؤال المكان يشغلني دائماً وأحاول تجاوزه من خلال حالة تبدل الأنا المستمرة هذه. في المجموعة الجديدة أردت أن أؤسس لنفسي ممارسة ذاتية في كتابة الشعر بامكانها أن تمتد إلى كتابات مستقبلية. أخاف أن يغلب سؤال المكان على كل ملامح ذاتي ويقلصها إلى كائن أحادي البُعد. في قصيدة "لست أنا"، مثلاً، كتبت أهم رغباتي في اعادة تشكيل الذات المحتقنة- الذات لا تجد لها جذوراً في المكان، المهمشة المرفوضة التي لا يريد أحد أن يرى تعدديتها وتعقيداتها. ومن ثم في نهاية المجموعة وضعت قصيدة "منى كريم"، التي أكتب فيها ببساطة أن الشعر في النهاية ليس أقل من رحلة شخصية لإعادة تشكيل الذات. هكذا يُمكّنني الشعر من التغلب على سادية المكان سواء بالعبور تجاوزاً أو بالتصارع المنهك أحياناً.

- تظهر أميركا بصورة شاحبة في قصائد قليلة، إحداها بعنوان "في فوائد الحداثة"، وفي قصيدة أخرى توجهين دعوة لأبناء الحداثة لكي يقذفوا القصيدة من فوق باخرة القصيدة، كيف أثّرت هجرتك الى أميركا على باخرتك أنت؟ 
وصلت إلى نيويورك في سن الثالثة والعشرين لأدرس الأدب المقارن وأيضاً بحلم تكوين حياة جيدة لي. مازلت في الطريق ذاته إلا أني وجدت في هذا المكان قدرة سحرية على النمو بشكل كبير. أظن أن أي أديب حقيقي يجد نفسه في مدينة مركزية سيعرف كيف ينمّي معرفته عبر متابعة الحراك الفني والأدبي. لكن هذا الزخم لا يخلو من حالة الوحدة المفروضة على أي شخص يكتب بلغة أجنبية. أحاول مؤخراً اقتفاء أثر الأدباء العرب ممن هاجروا إلى أميركا- سواء كانوا يكتبون بالعربية أو غيرها. كلهم مروا بحالة من الاستدراك في سنواتهم الأولى قبل أن يشقوا الطريق مرة أخرى. بعض الإضافات التي جاءتني من التجربة الأميركية حتى الآن أن الأدب بطبيعته حالة ثورية ومسيّسة حتى في جمالياته وبأن اللغة أداة فلسفية يمهر الأدباء في تطويعها لتحدي المسلّمات الرتيبة المرتبطة بالهوية الجمعية وحدود النص.

- تذكرين دائماً في مقالاتك وحواراتك قراءاتك الأولى، ترجمات سركون بولص وسعدي يوسف للشعر العالمي والاميركي خاصة، الى أي درجة تنحاز منى كريم الى "الجُملة المترجمة" في الشعر وفي الترجمة أيضاً خاصة وأنك تترجمين منذ سنوات، من والى الانكليزية؟
في كتابة الشعر لم أنطلق من البداية المعتادة التي تمر بالقصيدة العمودية أو التفعيلة، فذهبت مباشرة إلى قصيدة النثر. كان واضحاً بالنسبة لي من قراءاتي المبكرة أن قصيدة النثر فيها من روح الشعر المترجم. بل أن البعض مازال يصف قصيدة النثر العربية و”كأنها شعر أجنبي/مترجم”. إذن، "أجنبية" قصيدة النثر هي جزء لصيق بها. وتكتسب هذه الجزئية أبعاداً جديدة حينما يخرج الواحد من الشعر إلى ترجمته. كتب دريداً كثيراً في مسألة اللغة وهو الذي كتب بفرنسية فذة على الرغم من أنه لم يصل إلى فرنسا إلا في سن الثامنة عشر. ظل دريدا مشغولاً بتفكيك خرافة "اللغة الأم" و"اللغة الأجنبية" لنجد أننا نقف على ذات البعد من الاستحالتين. بالتأكيد رمزية اللغة هنا تترجم أيضاً إلى واقع الهويات بين الأصيل والأجنبي أو المستضيف والضيف وغيرها من الثنائيات الإشكالية. مثل هذه القراءة تساعدني على التحرر من جماليات فارغة مثل المجاز والأصالة كما تدفعني للتعامل مع كل ترجمة باعتبارها كتابة جديدة وكل كتابة كترجمة جديدة.

- إحدى قصائد الديوان، "كوماري"، قرأناها في "مانيفستو ضد المرأة" الذي كتبتِه بعد الثورات العربية، المانيفستو الذي يتقاطع مع عملك الأكاديمي والذي كتبته ضد المرأة (لا النساء) التي تظن أن كل النساء واحد، والتي تشبه طبقتها ودولتها وتحمل البطريرياكية على أكتافها... كان غريباً أن نقرأ قصيدة داخل مانيفستو، كيف يقترب الشِعر من شيء مماثل ويبقى شعراً؟
كتبت المانفستو بهدف خلخلة المصنف المطلق والاشكالي لـ"المرأة" المرتبط تلقائياً بدور الضحية. هي مداخلة مختصرة في نقد نسوية كلاسيكية لا تعترف بتقاطعات الطبقة والعرق والجنسية والجنسانية التي تحدد تموقع النساء في مجتمعات الدويلات القومية. بحث الدكتوراة الذي أعمل عليه في السنتين الأخيرتين يتناول الرواية النسوية المعاصرة لمناقشة تموقع المرأة الكاتبة من الجماعات المهمشة وكيف تتماهى أو تختلف في كتاباتها عن السرديات القومية للأمة والجماعة. كنت قد كتبت قصيدة “كوماري” قبل المانفستو عن عاملات المنازل في الخليج المتهمات بالجنون والشعوذة بسبب عمليات القتل التي يرتكبنها بحق أسيادهن. تقف هذه الخادمة على الطرف النقيض من المرأة الكاتبة المواطنة ابنة الطبقات العليا ولا تمر في الرواية النسوية المعاصرة إلا كشبح عابر. لكن مثل هذه المداخلة لا تقتصر على عملي الأكاديمي لأنها أيضاً هم شخصي وحاضر حتى في قصائدي. لطالما وجدت في قصيدة النثر كتابة مفتوحة مضادة للأجناس الأدبية والمفارقة أن المانفستو في بدايات القرن الماضي جاء كمضاد للأجناس الأدبية مثلما نلاحظ في تجارب السورياليين والمستقبليين. وبذلك يلتقي المانفستو بالقصيدة عند نقطة المرونة هذه باتجاه ممارسة كتابية لا تعترف بالحدود بين التنظيري والسردي والشعري. 

- وحتى نعود الى ديوانك، هل تتشابه النساء في ديوانك، تلك الطفلة الضائعة التي لا يفهمها أولاد عمومتها وأخوتها، المرأة التي تهرب لتصير مهرجاً في الليل، الشاعرة التي قد تكون اتيل عدنان، الأم التي أنجبت سبعة أطفال، خافيات العيون المتجاهلات لوجود هذا العالم، وأشباح الخادمات التي عليها أن تتصرف كأشباح، هل هنالك شيء مشترك بينهن عدا هذه النون؟
لا شبه بينهن غير أني أحمل أشلاء من هذه الشخوص أو عبرت ببعضها الآخر. كما ذكرت، أريد أن نتحرر من هذا المصنّف المختلق لـ “المرأة” ولربما تأتي تعددية الشخوص في المجموعة كتدعيم لهذه الفكرة.

- تكتبين "لماذا تسرق الوحدة من المرأة انسانيتها؟"، وفي موضع آخر نقرأ "أحلامي لا تتسع/ لكل هذا العدد من البشر/ من ارتكب هذه الهجرة الجماعية نحوي؟"، لكنك أيضاً تكتبين "بإمكانك أن تحب نفسك/ حباً من طرف واحد/ لكن الأفضل أن تضيّع عمرك/ في مكان غير مشتبك مع العالم." هل هذا المكان هو الحل لكل تلك الأشياء، ومن ضمنها الوحدة، هذا المكان، هل هو ممكن؟
أحياناً قد تكون الحياة فارغة ومملة وبطيئة بما يكفي بحيث تصادف العالم في طريقك فتمر بجانبه دون اكتراث. وأحياناً أخرى تضطر لخلق هذه المسافة لحماية روحك من حالة احتقانية تجر روحك الخفيفة إلى الأسفل. أشاهد زملائي في الأدب منهمكين باللّحظة اليومية (لا اللّحظة المعاصرة) تستهلكهم كل يوم. صار عندنا الكثير من "أدباء المآسي" ممن استسلموا لممارسة الكتابة باعتبارها رد فعل بدلاً من أن تكون فاعلة بحد ذاتها. يرى ساباتو أن الإنسانية شيء والجمهور شيء آخر فالجمهور مستسلم للتربية النمطية بينما خلق الفنان لأنه غير قادر على التكيف ولتمرده وجنونه. وبذا اذا تكيف الأديب مع العالم/الجمهور يتنازل عن الفن والإنسانية معاً.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

صلاح باديس

صلاح باديس

كاتب جزائري

مقالات أخرى للكاتب