آخر تحديث:12:21(بيروت)
الجمعة 23/12/2016
share

آل مراش..سيرة حلبية:أول صالون ثقافي عربي وأول مذبحة طائفية

شادي لويس | الجمعة 23/12/2016
شارك المقال :
  • 0

  • آل مراش..سيرة حلبية:أول صالون ثقافي عربي وأول مذبحة طائفية
    مريانا مراش: أول صحافية عربية وأول شاعرة سورية، تأثرت بالصالونات الثقافية الباريسية ففتحت بيتها الحلبي لرواد عصر النهضة
  • حلب القديمة (غيتي)
    حلب القديمة (غيتي)
قبل أن ترتبط حلب بأخبار المعارك والحصار ومفاوضات وقف إطلاق النار، كانت مصادفتي لصورة فوتوغرافية للشاعرة والكاتبة الحلبية، مريانا مراش، قبل أعوام، سبباً لافتتاني بالمدينة التي كانت، في منتصف القرن التاسع عشر، مركزاً لالتقاء أحداث وتواريخ لا تقل اضطراباً ودموية عن اليوم. يحلو للباحثين في سيرة مريانا، المولودة في حلب العام 1848، أن ينسبوا لها السبق كأول امرأة عربية تكتب في الصحافة العربية بشكل دوري، بعد نشرها مقالها الأول في العام 1870 مذيلاً بتوقيع "امرأة"، كما يعتبرونها السورية الأولى، التي نشرت ديواناً شعرياً في العصر الحديث، بعد نشر ديوانها "بنت فكر" العام 1893. وبالاضافة إلى اعتبار البعض لها أول رائدة للحركة النسوية العربية، يرجّح أن مريانا التي شجعتها زيارتها لأوروبا على فتح بيتها في حلب لاستقبال النخب الثقافية ورواد عصر النهضة العربية، هي أول من استجلب تقاليد الصالونات الثقافية، بسِمتها الباريسية، إلى المجتمعات العربية. 

لكن الافتتان بمريانا لا يعود فقط إلى كتاباتها الداعية الى التمدن، وتجديد اللغة، وتحرير المرأة، ولا سيرة حياتها الاستثنائية والمأسوية التي انتهت بوفاتها في نهاية الحرب العالمية الأولى، العام 1919، بعد معاناتها لسنوات العزلة على خلفية اصابتها بمرض العصاب، بل بالأحرى إلى ما تشي به سيرة آل مراش، وسيرتها خصوصاً، عن الوعود المهدورة والمآسي الآتية التي تضمنتها تحولات عصرها.

كانت عائلة آل مراش تجسيداً لتاريخ مدينتها. منحها وضعها، كمركز تجاري يربط مركز السلطنة العثمانية بجنوب وغرب سوريا الكبرى، ورخائها المالي النسبي، بالإضافة إلى تنوعها الأثني والديني شديد الثراء، سياقاً اجتماعياً صالح لظهور طبقة وسطى مدينية، في فترة تاريخية فارقة واستثنائية. دراسة مريانا للفرنسية على إيدي راهبات الإرساليات الفرنسية الكاثوليكية في حلب، ومن ثم التحاقها بمدارس الإرسالية الاميركية في بيروت لدراسة اللغة الإنكليزية، ورحلتها لاحقاً لأوروبا، عكست التحولات الجذرية في المشرق العثماني وعلاقاته بالعالم الغربي، وقيمه. لم تكن مريانا وحدها بالطبع، فأخوها الطبيب والشاعر والكاتب، فرنسيس مراش قد سبقها إلى باريس لدراسة الطب، ليعود إلى حلب بعدما تنقل بين العواصم الأوروبية وبيروت والقاهرة والاسكندرية ويافا وأسكندرون وطرابلس، مراكماً تراثاً فكرياً لم يعقه فقدانه لبصره. فترواح بين ما يعتبره البعض أول محاولة لكتابة رواية عربية في كتابه "غابة الحق"، ودراسات في العلم والرياضيات وتعليم المرأة، ونقد للمجتمع البيروتي، وأدب الرحلات في كتابه "رحلة باريس"، يبدو فيها جميعاً متأثراً بالثورة الفرنسية والحرب الأهلية الأميركية ومعها قيم الفلسقة الإنسانية الغربية، والتي جعلته جديراً بلقب "أول مثقف عالمي عربي" الذي أطلقه عليه المؤرخ والباحث في الدراسات السورية ماتي موسى.

أما الأخ الأوسط، عبدالله مراش، وإن كان الأقل شهرة، والوحيد بين أخوته الذي توفي بعيداً من حلب، فإن انتقاله ما بين مانشستر ولندن التي أصدر فيها جريدة "الأحوال العربية"، ولاحقاً باريس حيث حرر جريدة "مصر القاهرة"، وكتابه "رسالة في علم الهيئة وتخطيط الأرض"، و"مختصر تاريخ حلب" وترجماته كتابات "خواطر الدوق دولار شفوكو" في الأخلاق، بالإضافة إلى نشاطة التجاري والمالي، تبدو الأكثر تعبيراً عن تعقيدات علاقات الرأسمالي والفلسفي والتاريخي والعلمي بعصره، وامتداد شبكاتها المادية والثقافية من حلب إلى القاهرة مروراً بمانشستر وباريس.

وفيما تكثف سيرة آل مروش، عمليات صعود الطبقة الوسطى في حلب، ومركزيتها في صياغة خطاب النهضة العربية، والترويج لقيم القومية والعلم والتمدن والإنسانية العالمية، وترسم صورة شديدة الثراء لعصر النهضة العربية وانتقال أفكاره ورواده بين عواصمه وأقطاره، فإن سردية آل مراش تكشف كذلك عن جانب شديد الاضطراب في تحولات مدينتها وعصرها.

لا نعرف عن عم مريانا وأخويها، القس الكاثوليكي بطرس مراش، سوى أنه قتل في العنف الطائفي في المدينة الذي أندلع  بين الروم الأرثوذوكس والروم الكاثوليك العام 1818، وهي الاضطرابات التي خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى، واستدعت تدخل الحامية العثمانية  لإخمادها بالقوة المسلحة فسقط على إثرها عشرات القتلى أيضاً. ولاحقاً نُفيت العائلات  الكاثوليكية من المدينة، ومن بينها عائلة مراش نفسها لبعض الوقت. وفيما حاول رب العائلة، القس فتح الله مراش، لاحقاً، مواجهة الطائفية، في كتابه الذي صدر العام 1894- بعد عام واحد من نشر ابنته مريانا لديوانها الشعري. أنكر في كتابه "قانون الإيمان"، واعتبر أن أصول الفتنة لم تكن لاهوتية بقدر ما كانت انعكاساً لتخبط سياسات الإصلاح العثمانية بخصوص المواطنة والحقوق القانونية للأقليات الدينية (المِلل)، وتضارب مصالح القوى الغربية وتنافسها على التدخل في الشأن السوري بحجة حماية الأقليات، مع تصاعد الوعي بالهويات الطائفية والإثنية والقومية في المشرق العثماني، بالإضافة إلى اتساع الفوارق الطبقية التي عمقها ازدهار التبادل التجاري مع الغرب، والذي استفادت منه أقليات بعينها على حساب السواد الأعظم من السكان.

لم يُكتب لجهود فتح الله في مواجهة الفتنة أن تؤتي ثمارها. ففي العام التالي على إصدار كتابه، وفي العام 1850، اندلعت أحداث العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين من سكان المدينة، والمعروفة باسم "قومة حلب"، فسقط مئات إن لم يكن بضع ألوف من المسيحيين، وأحرقت عشرات الكنائس والأديرة، ما أدى إلى هجرة جماعية لسكان المدينة من المسيحيين. كان لحلب، مركز أفكار النهضة العربية ونخبها في الشمال السوري، أن تكون موقعاً لما يطلق عليه كثيرون من مؤرخي الدولة العثمانية، أول مذبحة طائفية في التاريخ الحديث للمشرق العربي، ومقدمة لسلسلة من المجازر الطائفية في المنطقة، والتي سرعان ما تفجرت على نطاق واسع بعد عقد واحد، في الاقتتال الطائفي اللبناني الدرزي الماروني العام 1860، والذي امتدت مذابحه إلى دمشق، وتوجت بتدخل القوات الأوروبية، ما اعتبر حينها أول تدخل عسكري غربي "لأغراض إنسانية" في المنطقة.

يبدو من باب العبث افتراض خيط تاريخي مباشر يربط بين حلب آل مراش، وحلب اليوم ومجازرها، أو أن نجد في سيرة العائلة سبباً آخر للحسرة أو مادة لحنين إلى ماض كان واعداً. لكن سيرة آل مراش، وفتنتها، تبدو سبباً كافياً لتذكيرنا بماضي حلب، وصالوناتها الثقافية، جنباً إلى جنب مع مذابحها الطائفية، ودافعاً لنا لمراجعة البدايات الهشة والمضطربة للنهضة العربية، وأسئلة القومية والتمدن والتحرر، وفحص أسباب مآلاتها الحزينة، وإعادة قراءة السردية التاريخية الحديثة للمنطقة، والتي كتب لها أن تمر بها اليوم أيضاً، عبر خليط من طموحات التحرر وانتكاساتها المفجعة.
 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب