آخر تحديث:19:46(بيروت)
الخميس 07/05/2015
share

كمال جنبلاط يعود إلى الحياة في فيلم هادي زكاك

هوفيك حبشيان | الخميس 07/05/2015
شارك المقال :
  • 0

كمال جنبلاط يعود إلى الحياة في فيلم هادي زكاك الزعيم والمفكر اللبناني
في "مارسيدس"، طَرَح المخرج هادي زكاك سيرة الحرب الأهلية اللبنانية عبر الطلّة البهية للسيارة الألمانية التي تكاد تكون من الأشياء القليلة التي يتفق عليها أبناء الشعب الواحد. ومن خلال "درسٌ في التاريخ"، نقّب عميقاً في المناهج الدراسية ليكشف رؤية الطوائف المختلفة حيال ما عاشته جنباً الى جنب داخل الـ10452 كلم في زمن المِحَن. جديده، "جنبلاط: الشاهد والشهادة" (في الصالات اللبنانية بدءاً من الخميس المقبل)، لا يختلف البتة عن كلّ ما سبق للمخرج الشاب أن صوّره خلال السنوات الماضية، إذ نعيد اكتشاف كمال جنبلاط، المعلّم الثائر الذي طمحَ الى رصّ الصفوف حول الثوابت الوطنية وإرساء مبادئ العلمانية داخل مجتمع لا يزال يعيش دوامة الاصطفاف الطائفي البغيض.

 
غنيٌّ عن القول، إن هذا كله بات شأناً بعيداً اليوم في ذاكرة اللبنانيين المنكوبة؛ هم الذين بلغوا طوال العقود الأربعة الماضية نقطة اللاعودة في الخطاب الطائفي المسبب لكلّ انقسام، ما يتناقض مع ما كان يحلم به "سيد القصر" منذ نشأته ووعيه على العالم. يأتي زكاك بهذا الوثائقي المتسامك شكلاً ومضموناً ليذّكرنا باحتمالات كانت مطروحة أمامنا على امتداد تاريخنا المعاصر، في محاولة صريحة لربط الماضي بالحاضر. هنا، الماضي يتمخّض من الحاضر في خطاب ثنائي بينهما، يضيف عليه زكاك بعضاً من لمساته الشاعرية عبر لعبة بازل متداخلة. إنها سينما هادفة، كما قال رئيس "رابطة أصدقاء كمال جنبلاط" ليلة العرض الأول للفيلم في "سينماسيتي" أسواق بيروت، إلا انه بالنسبة الى كثيرين من هواة السينما، يقوم الفيلم على حرفة ممتازة، خصوصاً في ما يتعلق بالتداخل بين العام والخاص، بين صور الأرشيف والمَشاهد التي التقطها زكاك حديثاً (تصوير موريال ابو الروس)، وأخيراً بين صوت كمال جنبلاط وصوت رفعت طربيه.

اهتم زكاك بجنبلاط عندما قرأ كتاب ايغور تيموفييف، "كمال جنبلاط، الرجل والاسطورة"، فوجد في الزعيم والمفكر اللبناني مادة غنية ومتشعبة لصناعة فيلم. ولأن الطبع يغلب التطبّع، وجد المخرج في سيرته المأسوية مناسبة لطرح تساؤلات الجيل الذي ينتمي اليه؛ جيلٌ ولد مع الحرب اللبنانية ولا يزال يسعى الى فهم ما جرى، ويختلف على كيفية كتابة تاريخه. في ظلّ منطق النكران الذي يدعونا الى قلب الصفحة وردم الذاكرة وتجاهل التاريخ، يغدو الفيلم شاهداً على مرحلة زمنية من خلال عيني جنبلاط، ولكن أيضاً من خلال روحه الطفولية البسيطة المتمردة التي تُسَهِّل الانحياز لمعسكره.

هذه ليست المرة الأولى التي يُنجَز فيها فيلمٌ وثائقيٌّ عن جنبلاط، فسبق أن خصصّ له مارون بغدادي شريطاً غداة رحيله عام 1977، إلا أنّ عمل زكاك يختلف لجهة كونه يستند الى كتابات المعلّم، حدّ تحويله الى "شاهد على حياته". تتحول كتاباته ومقابلاته الصحافية هنا المادة الأساسية التي يستند اليها سيناريو الفيلم، منذ طفولته فدراسته في فرنسا ورحلاته المتكررة الى الهند بحثاً عن الروحانية، ثم نضاله السياسي وأفكاره التقدمية ومعارضته الدولة في عهد كميل شمعون، حتى لحظة اغتياله في السادس عشر من آذار 1977 (لحظة مجسدة بطريقة ايقاعية مشوقة). ولكن هل فعلاً مات جنبلاط وهو يسقط تحت وابل الرصاص في ذاك اليوم المشؤوم؟ ربما ليست كلمة موت الأنسب لوصف اغتياله، إذ كان يقول: "نحن موت وحياة دائمان. كلّ مرحلة من الحياة تمحي المرحلة السابقة. نحن لا نموت، بل نعبر. الجسد هو الذي يموت".

يطرح الفيلم جنبلاط باعتباره علمانياً يؤمن بالعنف في مواجهة العنف إذا اقتضت الحاجة. وهو بهذا المعنى نذير الانتفاضات العربية الحديثة. في إحدى المقابلات، يؤكد أنّ الذين وقفوا في وجه الفيودالية لم يكونوا فقراء بل ميسوري الحال، ويذكر كارل ماركس مثالاً. جنبلاط هنا متصوف ناسك أكثر من كونه سياسياً محنكاً، ويمكن القول استطراداً انه لو كان كذلك لما اغتيل.

نزور بصحبة ابنه وليد غرف قصره في المختارة، نخترق حميمية أشيائه التي كساها الغبار وأغرقتها الدماء. ننتشل من بين متروكاته كتاب "نكون أو لا نكون". ندخل الى المكان حيث كان يفترش أرضاً ليقرأ، دائماً محوطاً بالكتب وبوقار البساطة بعيداً من التكلف. الايمان العادي لم يرضه، كان يرى فيه حائطاً عليه أن يقفز فوقه ليكون سيّد نفسه. في فيلم لا ينطوي على مقابلات كثيرة، تتحول شهادة جنبلاط الابن لحظة مراجعة مؤثرة. يختلف هنا "وليد بك" عن اطلالاته التلفزيونية المعتادة. كاميرا زكاك تنجح في استدراجه، على الرغم من انه يتمسك بـ"جنبلاطياته". نراه قدميه على الأرض ورأسه في الغيوم. يعبر الفيلم كالتائب ("أبرياء مسيحيون قُتلوا جراء الثأر ولم يكونوا على علاقة بالاغتيال")، قبل أن يشبك يديه خلف ظهره ليمضي. وليد جنبلاط هو "حنظلة" هذا الفيلم.

في السطر الأخير من المقال الأخير لكمال جنبلاط قبل اغتياله، أضاف الجملة الآتية: "ربي أشهد أني بلغتُ". وها إنّ السينما موكلة اليوم إبلاغ إحدى الصفحات السوداء في التاريخ اللبناني.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها