آخر تحديث:13:55(بيروت)
الخميس 15/10/2015
share

بيروت وقد رُسِمت أمراضها النفسية بلا تفجّع

ميموزا العراوي | الخميس 15/10/2015
شارك المقال :
  • 0

  • بيروت وقد رُسِمت أمراضها النفسية بلا تفجّع
    المعرض خلطة بين الطب والرسم
  • من المعرض
    من المعرض
لا إحراج في النظر إلى الصور الفوتوغرافية المشغولة بتصرف صّناعها في صالة جانين ربيز الفنية تحت عنوان "فوضى في بيروت". فكل ما سيراه المشاهد معلقاً على جدران الغاليري يأخذه بعيداً إلى التفكّر في "هوية" بيروت التي شكّلها ناسها. وهُم أولاد وأحفاد 40 سنة من "إنشراح" لبناني لا يزال يزاد إنشراحاً  كلما مر الوقت وتعاقبت الأزمات وصولاً إلى جيل ينتمي إلى ذاته فقط، ومن هنا أزماته الحانقة التي لا تُعدّ ولا تحصى.

صُناع هذه الصور الفوتوغرافية هم ثلاث نساء ينتمين إلى مجالات اختصاصية مختلفة في الظاهر، ومتواطئة من حيث صياغة نص بصريّ غنيّ يتناول مشاهد بيروتية نعرفها جيداً وضِعت من ناحية تحت عين مجهر علمي- طبيّ لا يرحم، وأمام دقة عدسة فوتوغرافية جرّدت المشاهد من ألوانها (الصور بالأسود و الأبيض) من دون أن تُفقدها واقعيتها وحيويتها، بل على العكس، إذ مكّنتها من تصويب نظر المشاهد إلى تفاصيل نفسية واجتماعية مأزومة باتت من نسيج المجتمع المدني.

اشتركت في تأليف هذه الصور ميشيل ستاندجوفسكي، المولودة في بيروت العام 1960، وهي رسامة ومصممة، تعمل في مجال النشر والإعلام والإعلان، وأستاذة في مجال تصميم الرسوم الكرتونية في جامعة "الألبا". ومعها في العمل ميريام بولس، التي حازت شهادة ماجيستر في التصوير الفوتوغرافي من جامعة "الألبا" العام 2015 وحصلت على جوائز فنية عديدة. أما الشخصية الثالثة التي تقف وراء هذه المجموعة من الأعمال المعروضة في صالة ربيز، فهي لورا جويس بولس، الحائزة شهادة جامعية في علم النفس العيادي من جامعة اليسوعية في بيروت وتعمل حاليا في انجاز دكتواره في هذا المجال، ولها خبرة عملية لا تقل أهمية.

نتيجة هذه "الخلطة"، ما بين العلم والطب من جهة، والفن والدراية بالتركيبة الإجتماعية التي يشترك فيها جميع اللبنانين من جهة أخرى، هي تكّون نصّ فني طريف وشفاف يحلو الوقوف أمامه والتمعن في رسائله. لا بل أن الكثير من زوار المعرض سيرون في "أحضان" هذه الصور هيئات لأشخاص يعرفونهم أو لحالات اختبروها عن كثب إن من خلال تجارب شخصية أو من خلال مقّربين لهم.

لا إحراج في الإسترسال في ما تعلنه أو تعنيه هذه الصور، لأنها ليست سوى تظهير فني واقعي بليغ لما نعيشه اليوم. انه تصوير وقح ولطيف في آن واحد لما بات طبيعياً وعادياً اعتدنا على قبوله وتضمينه في صلب حياتنا اليومية.

أما "الأشخاص" الذين رسموا وحضروا داخل الصور، ولا نقول أُضيفوا، فهم في غاية البساطة والصعوبة في آن واحد. رسوم قادرة على حمل المعنى المُراد لهم، وهم قادرون أيضاً، رغم أشكالهم الكرتونية، أن يكونوا واقعيين وحقيقيين.

ثمة متعة في النظر هذا الصور ودهشة حميمة ورغبة في اكتشاف المدلولات قبل قراءة التصنيفات والتوصيفات الطبيّة لحالات هؤلاء الأشخاص النفسية، والتي كتبت في مستطيلات صغيرة بالقرب منهم. نذكر من التوصيفات "اكتئاب طفيف"، و"اكتئاب حاد"، و"عدم القدرة على التكيّف"، و"ادمان"، و"أرق مرضي" و" هوس جنسي"، و"بيرومانيا أو الرغبة في افتعال الحرائق"...ألخ... توصيفات تذكّر بأسلوب وضعها من ضمن الصور بـ"الـستيكرز" الذي يضع عليه القارىء ملاحظاته كي لا ينساها أو لكي يستعملها في مكان ما من بحثه العلمي أو الأدبي.

فوضى هادئة هي فوضى بيروت. لا توفّر كبيراً أو صغيراً أو امرأة أو رجلاً، يعثر عليها المُشاهد في صور واقعية لشوارع "مونو" و"فردان" و"الروشة" و"الحمرا" و"وسط بيروت". من المستحيل ألا يتعرف سكان بيروت على هذه الشوارع والمناطق الشهيرة، فهي مأخوذة من الزوايا الأكثر شهرة، ربما لرغبة أصحاب المشروع الفني في جعل المتلقي أكثر قدرة على رؤية ذاته أو رؤية كل ما وكل من هو مألوف لديه. حتى أنه من ضمن هذه الصور، صورة مأخوذة بالقرب من صالة ربيز في الروشة.  لذا، حذارِ أن تجد نفسك في صورة من تلك الصور وأنت خارج من الصالة في هيئة كرتونية وعلى محياك شكل من أشكال الفجيعة اللبنانية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها