آخر تحديث:13:31(بيروت)
الإثنين 22/09/2014
share

"صُوَر مصدرها الحنين": كُنّ طفلات عندما كانت الحرب

نزار عثمان | الإثنين 22/09/2014
شارك المقال :
  • 0

  • "صُوَر مصدرها الحنين": كُنّ طفلات عندما كانت الحرب
    من أعمال ريما مارون
  • من أعمال شفا غدار
    من أعمال شفا غدار
  • من أعمال داليا بعاصيري
    من أعمال داليا بعاصيري
  • من أعمال لورا فرعون
    من أعمال لورا فرعون
يتعشق الحنين الى الصورة جليا في معرض الفنانات شفا غدار وداليا بعاصيري ولورا فرعون وريما مارون، المقام في غاليري جانين ربيز في بيروت بعنوان "صور مصدرها الحنين". فقد عمدت الفنانات الأربع إلى محاولة الإحاطة بذكريات الطفولة من المناطق اللبنانية التي عايشتها كل منهن بطريقة حلمية، وضاءة، أخاذة تحمل في طياتها الكثير من الشوق والتعلق لمرحلة مرّت في حياتهن، وما زالت حاضرة، ماثلة مستمرة في الوجدان. صور ولوحات تغتني بالحركية، وأشكال أخرى من استحضار الذكريات يقف المرء عاجزا أمام استحضارها ككل، فعمدن إلى تلخيصها بتقنيات مختلفة، وبتلاعب باللون والخامات، ووفقا لتيارات فنية متعددة، تشكل كل منها هوية تشكيلية خاصة بكل فنانة. 

تتمازج الأعمال المعروضة في بعضها، بين ما هو أقرب الى طفولة ارستقراطية، أبعد ما تكون عن الحرمان والألم والجوع والعوز والفاقة، أو لطفولة مثالية لا تشوبها شائبة، فيما يشبه سعي بعض الأعمال في جزء منها لإظهار وتصدير تصورها بالانتماء والرغبة والحلم لطفولة بريئة مرغوبة بعيدة عن المنغصات التي يحلم بها كل طفل ونسعى جميعا لتحقيقها للناشئة، وبين أعمال أخرى ليس فيها تناس أو اغماض عن الطفولة المعذبة التي عانت الخراب والدمار والحروب. كأن الرسالة من وراء هذا الدمج، العمل على خلق عالم أفضل ينعم فيه الاطفال بالمساحة المفروضة لعيش طفولة جميلة. وهنا ملاحظة أن الفنانات لا يعمدن لإظهار كل ما حفلت به طفولتهن، بل يتمسكن بجزئية معينة يسعين من منظارها إلى تكوين صورة مجملة تعكس الملامح الاجتماعية التي عايشنها، وفق جماليات أسلوبية تستخرجها كل منهن من ذاتها، ورؤيتها وآفاقها.

فها هي شفا غدار، تعمل على أساس أثر بصري، يمزج بين الفوتوغراف والكولاج واللون، لتستحضر النبات الذي بات بينها وبينه حكاية، في نص تصويري أشبه بالحياكة اللونية في اللوحة، لتصنع من الخلفية الفوتوغرافية مساحة من التقسيم الممزق لجزء من الصورة وتشكل فيه جزءا من الذاكرة وجزءاً آخر مفقود منها في حين، او للتبقيع اللوني الاقرب الى اللاشكلانية والتجريد في الفن في حين آخر، لتعلن موت الصورة المشخصنة أمام غزو اللون بعجينته السميكة ولتبلور هيئة جديدة قوامها تفكيك الأطر، واستجلاب الامكانات أمام الرائي. فهي تصوغ شبكة من الاحتمالات حول عملها أساسه رفض المفاهيم التقليدية في بناء السطح التصويري، وقولبة هذا السطح وفق اختيار يستحضر إشارات تغتني بالحركة تعبر عنه بانعكاس من الذاكرة المجبولة بمادة اللوحة وهيئتها.

أما داليا بعاصيري، فقد استحضرت بمعالجة صورها ولوحاتها، الأثر الذي تتركه الحرب على الجدران والأثاث ومن ورائهما الذات الانسانية، في محاولة لأنسنة الأشياء المحيطة بالمرء، وجعلها تعاني كما يعاني من سطوة الخراب والدمار، وهي اذ ابتعدت قليلا عن سني طفولتها الاولى، فقد تناولت مشهديات مؤلمة متأخرة بعض الشيء عايشتها في مدينتها صيدا عام 2013، ولعل ما يميز أعمال بعاصيري هو استعمال الفحم وغيره من المواد على الجدران كمؤثر خاص في تكوين العمل الفني، في سعي دؤوب لاستخدام البديهي من أشكال الأشياء المحيطة بالمرء، وتغير مناخها وطبيعتها بعد أن داستها قدم الحرب.

بالنسبة للورا فرعون، فقد عملت على سطح تصويري يرفض الشكلانية وينتمى إلى التجريد، لتظهر التغيرات في البيئة، وما يطرح على بساطها من تبدلات في أشكال الطبيعة المحيطة. تلتقي أعمالها غير المشخصنة مع بروز الصورة التي خلقتها، فتتحول على أساس الألوان السميكة المستخدمة إلى ما يشبه الجدار، وفق تحكم بالمادة ومهارة تقنية تساهم في تحويلها إلى قطعة جمالية.

وأخيراً مع ريما مارون، نجد سعيها الدؤوب ينصب باتجاه العزلة والتأمل، إذ تظهر في أعمالها فتاة تجلس على مقعد وتنظر إلى الفراغ. يصاحب هذه الأعمال مناظر طبيعية من قريتها، التي يصح أن تكون أي بقعة ريفية من لبنان. تعمد مارون لمعالجة لوحاتها وفق التغبيش وعدم الوضوح في الرؤية، واستلهام أقرب ما يكون إلى الفراغ الهامشي الذي يعاني منه المرء في علاقته مع ذاته وعلاقته مع الاخر.


يستمر المعرض حتى 17 تشرين الاول/اكتوبر في قاعة جانين ربيز في الروشة.
شارك المقال :