آخر تحديث:23:52(بيروت)
الخميس 29/05/2014
share

جميل ملاعب: جئت من حياة أخرى

عبيدو باشا | الخميس 29/05/2014
شارك المقال :
  • 0

جميل ملاعب: جئت من حياة أخرى "الحزن له علاقة بطفولتي"
 لا يشتغل الفنان التشكيلي اللبناني جميل ملاعب على مفهوم الوصيفات. كل أشغاله، راديكالية الموقع في حياته. الرسم، التلوين، النحت، فن الغرافير. لا بلاغة في أشغاله. لأن البلاغة، عمى الإلهام أو حفر الإلهام بالغياب لا بحياة الفن. ستّون لوحة من لوحة الغرافير، تعمّق حضور الخطّ واللون بالحفر على الخشب. المادة هنا، منصّة لا دوامة. المادة هنا، تفسح في المجال لحضور الأطياف الفنية على سطوحها، بالعبارات المجنونة. اكتشف جميل ملاعب زهرة الغرافير في بيروت. يقول في حوار مع "المدن": "لم أترك محترف الحفر في الجامعة اللبنانية مذ اكتشفت موقعه في مبنى الجامعة. جذبني الفن هذا، منذ ذلك الوقت. وجدت فيه واحدة من هويّاتي العينية. لأنني أمتلك العديد من الهويات في الهوية الواحدة. بدوت كأنني وسط غرافير عملاقة، إذ حوّلت المعهد إلى لوحة حفر. فن لا يبدو معقداً، بيد أنه في غاية التعقيد. عمليات دقيقة مدهشة، تحوّل اللوحة إلى كون وتحوّل الكون إلى لوحة. لا نمذجة في هذا الفن، حتى ولو سيطرت روح النموذج عليه". 
 
أدار المحترف الفنان حليم جرداق، أحد أبرز الأسماء العربية العاملة في مجال الغرافير. لوحات الأخير تشبه صمته المحروث بالتواضع والإلهام. اختار جميل ملاعب الغرافير، لأنه فن حزين، أو فن بمقدوره أن يعبر عن حزن الإنسان، عبر الحزن المشترك بينهما. يروي الفنان، أن حزنه ولد، لحظة ولادته. حبس الحزن فيه وانحبس بالحزن. ولادة حزينة، طفولة حزينة. "الحزن له علاقة بطفولتي، طفولة مسكونة بالحزن. جئت بالحزن إلى الطفولة من حياة سابقة، لا من حياتي الحالية". 
 
ينتبه ملاعب، إلى السؤال المنتظر التصريح هذا، عن الحياة السابقة. سؤال يدور حول العلاقة بالحياة الأخرى. بالتقمّص. لا راديكالية في جوابه. ثمة ما يذيبها في واحدة من أنواع الوحدة العليا بين البشر. عنده، التقمّص موجود. "أؤمن بالتقمّص. أؤمن بالحياة والحياة الأخرى. أؤمن بالمعابر بين الحياة والحياة. غير أني ميال إلى أن يفهم الآخرون التقمّص، لا من حضور الفلسفة هذه لدى الدروز، بل من حضور فلسفة التقمّص، في العالم بل في الكون. التقمّص كوني. ليس حدث تحقيق الذات بالذات فقط. التقمّص، رباط أخلاق وعقل، تتقاطع في أشكال مسبحية، بحيث تطرح واحدة من أهم قضايا الوجود، لا قضية الآخرية". 
 
النفس الحزينة في الغرافير توائم نفسه الحزينة. للحزن مصدر. ثقل الحزن أثقل من أن ينتج ثقله شخص واحد. "نفسي مسكونة بالحزن منذ الطفولة، من مآسي حملتها من حيث أتيت. مآسي حروب سابقة خاضتها مجتمعاتنا، من حروب سابقة، من أحداث سابقة. أخافتني أصوات الطائرات منذ الطفولة. يذعرني الضجيج. لا علاقة لذلك بحياتي. لا أتذكر شيئاً قادني إلى هذا الخوف المبكر من أصوات الطائرات والضجيج. وجد الخوف معي، منذ لحظة الولادة". يؤمن الفنان بالتقمّص الجسدي والتقمّص الفني. كل الفنون تتقمص بجمع التجارب إلى بعضها. الموسيقيون يعملون بما هو غائر بعمق فيهم. تجارب الموسيقيين السابقين. هكذا الأمر، بالمسرح والفنون التشكيلية والثقافة والفن. "اللوحة تعبّر عن روحي أكثر من تعبيرها عن أي شيء آخر. التعبير بالأسود والأبيض وحدهما، أقوى التعبيرات. أرسى الفنان التشكيلي برناد بوفيه هذا المفهوم بأعماله، وبالعالم، عبر الأعمال هذه. الكتابة بالأبيض والأسود كتابة المعيوش بالفن. كتابة الحياة بالفن. كل الحضارات القديمة، خرجت من الإرباكات الحديثة بالكتابة والرسم باللونين الأبيض والأسود وحدهما. الحضارة البابلية، الحضارة الفرعونية، حضارة بلاد ما بين النهرين. ميالٌ دائماً إلى الكتابة، إلى الرسم، إلى التشكيل، إلى الحفر باللونين، وبالألوان المحتشدة بالمسافة بين اللونيين، وهي ألوان كثيرة محجوبة عن النظر، لأنها ألوان رؤية". يخرج ملاعب بذلك من حالة الشجار مع النفس، إلى حالات صفاء ونقاء مبثوثين حتى في اللوحات المحفورة بأقوى انضغاطات الجسد على اللوحة. لأن ملاعب، لا يستعمل المستويات الافتراضية، في كتابة لوحته. الأخيرة نتاج شغل يدوي، لا الآلة. الحفر والطباعة الحفرية على الخشب. بيد أن ثمة لوحات تزهوا بألوان لا تزال تضجّ بروح الأرض. ألوان تنطق بالألوان وهي تخرج اللامرئي إلى المرئي. تنطق الألوان ما لا تستطيع الأدوات الأخرى إنطاقه. 
 
تضيف الألوان على لوحات الغرافير قوة من التعبير الإضافي في بعض الحالات. لم يستطع الألمان أن يداووا جروح الحروب الكبرى في حياتهم إلا بالحفر. ليس هناك مادة تعبر عن المأساة بقوة تعبير الحفر عن المأساة. يغني اللون اللوحة ويضاعف الحياة فيها. يجعلها تتنفس برئة إضافية. يخلق اللون توازن بعض اللوحات. التوازن من العمليات الضرورية باللوحة. "لا يخفّف اللون من القوة التعبيرية باللوحة هذه أو تلك، حين يمنحها الأبعاد الضرورية الغائبة في أوقات. اختبرت كل ذلك. لم أصل إلى هذه المعادلة فوراً. لم أصل، لم أعلن شيئاً إلا بعد اختباره. أو إجراء الاختبارات عليه. بالتشكيل، بالحفر، بالشغل على الموزاييك. أحبّ المواد، لا أجدها خرساء ولا متحجّرة. أجدها بين يدي كالبذور، بالطريق إلى تحوّلها إلى شتول. المواد ليست ميتة".

Jamil_MOLAEB-476.jpg
 
لم يترك جميل ملاعب حياته لمجازفاته وحدها. لم يترك تجربته لذلك. تركها للخيار، خياره وخيار الآخرين. شكل من الخيارين قناعاته. أستاذه بالجامعة الأميركية، حيث درس، أكد صوابية الخيار الخاص به. درس الحفر بجامعة "برات انستوبوت". دهش الأستاذ بأعمال الحفر على النحاس. الأستاذ اتانسكي، الأميركي من أصول روسية أدهشته الأعمال الحفرية لجميل ملاعب، بعدما عرض أمامها نماذج كثيرة من أعماله بأساليبها المتعدّدة. "ثمة مقالة في مجلة "آر إن أميركا" توقف كاتبها أمام أعمالي الحفرية. أنا أحب الشغل بتقنيات الحفر، تتعبني كثيراً، هذا صحيح. الصحيح، أنني أستمتع بالشغل عليها، لأنها أعمال تشبه بناء الكائن. شيء يتجسّد بين يديك. أحفر وأضغط ما حفرته باليد. لن تصرع عملية عملية ثانية، ذلك أن العمل بالحفر يشبه التنفس، بصيرورة تفترض تعاضد الأعضاء والحواس في مهمة لا تقود إلى تصوير التشكيل بالمزايا، تقود إلى تصويره بالحب. لا أنكر هنا، انجذابي إلى الرسم بمادة الزيت وألوان الغواش والألوان المائية. لا تكفي كلها لكتابة ما أرغب بكتابته. هناك تراث من السلالات، هناك الحالات، الأساطير، الله، الدنيا، الوجود، الوجودية، الآخر، الطقس، الحرب، الثورات، الفقر، الجوع، الخوف الأسطوري من كل شيء، من المذبحة، من الآخر، من نفسك. فلسطين. العراق. لن تكفي كل الأساليب والأدوات والمناهج والأدوات، لتحقيق أعمال، ترادف كل ما هو همجي بالعالم. توازن اللوحة بمواجهة خراب العالم. الجزئيات مهمّة جداً. أنا ملوّن. أنا رسام. أنا حفّار. أنا من أنا ضد مذاهب الإجماع على الموت. أرسم ضد الموت. أرسم لكي لا أموت. عليك امتلاك التقنيات. الإيقاع باللوحة معيار اللوحة. ألعاب توازي الكتل. الضوء والظلّ. سوف يحرمك هذا من اللغة العادية. وهذا ما أرغب به". 
 
لا تميل لوحة جميل ملاعب إلى الخداع البصري. يكتب بها تجانس عالمه المذعور، من هيمنة الغالبيات على الأقليات، من هيمنة المعوّج على الاستقامة، من هيمنة الظلام على التنوير. لا شيء باللوحة، إلا ما يساهم بإرساء نظم الجمال والعدالة والخير والشرف. لذا، يرسم الأرض، الطبيعة، الناس، القرية، بثقافة تحمل مفاهيم الصراع من لطخة الدم إلى غناء اللون. لا تعجز اللوحة عن التمثل هنا، لأن وظيفتها بناء الصورة عن ذات صاحبها، لا عن ذوات الآخرين. 
 
شارك المقال :