آخر تحديث:01:22(بيروت)
الأربعاء 30/04/2014
share

أحمد علي يشقّ وجهة للنظر في باريس

راشد عيسى | الأربعاء 30/04/2014
شارك المقال :
  • 0

أحمد علي يشقّ وجهة للنظر في باريس الزوار يتفاعلون مع تجهيز "وجهة نظر"
في 15 آذار 2011، كان الفنان التشكيلي السوري أحمد علي قد وصل إلى باريس ليتابع بحثه المعرفي في مجال الفنون، لكن مصادفة اندلاع الثورة السورية في ذلك اليوم التاريخي ألقت عليه أعباء أسئلةٍ جديدة، جوهرها كيف يمكن له أن يتابع مشروعه الشخصي فيما بلاده تغرق في دوامة الموت؟ لكنه  سرعان ما حسم: "الثورة جعلتني أتخلى عن أنانيتي"، يقول الفنان وهو يترك وراءه مشروعه الشخصي البحت ليعمل على موضوعات من قلب الثورة، بدأتْ بالملصق، ولم تنته بعمله التجهيزي الذي عرضه قبل أيام. علماً أن أحمد يشارك في معرض يستضيفه "معهد العالم العربي في باريس" (2 أيار - 22 حزيران 2014) بعنوان "سوريا: الأزمة والفعل.. فنانون بصدد الإبداع".
 
في حديث لـ"المدن" يصف أحمد عمله التركيبي، الذي جعل المتلقي جزءاً من التجربة، بالقول: "اسم العمل Point de vue نقطة رؤية، أو وجهة نظر. هي وجهة نظر كل متلق جاء ليرى هذا العمل. التجهيز عبارة عن ستة خطوط سوداء على الأرض والجدار، تتغير معاني هذه الخطوط للمتلقي، الذي يمكن أن يراها بشكل مباشر سجناً، خصوصاً أن كاميرا مقابلة تصوّره، وتعرض صورته داخل الخطوط، القضبان. من خلال نقطة الرؤية هذه، الخطوط البصرية تكمل بعضها وتكوّن بعداً واقعياً، وعمقاً للعمل. الأشخاص يرون أنفسهم داخل درابزين أو سجن. كانت ردود أفعال المتلقين مختلفة، السوريون رأوه سجناً على الفور، البعض رأوه خطوطاً تجريبية ولم يروا فيه سجناً". 
 
وينتقل الفنان إلى بعض ردود الأفعال: "لا يمكن للمتلقّي إلا أن يتفاعل مع هذا الشكل، غالباً هو يحاول أن يمسك الدرابزين ويقول أنا داخل السجن، حتى أن بعضهم صرخ، محاولاً أن يمثل دور سجين ينادي بأن يخرجوه. ردود الفعل لها علاقة بتجربة كل شخص وحياته وما رأى وبماذا مرّ. الناس تفاعلوا كثيراً مع العمل، بعضهم انبطح أرضاً محاولاً أن يبدو كما السجين في الصورة على الجدار المقابل. البعض الآخر وجد نفسه مذعوراً بالفعل حين رأى نفسه داخل السجن".

وجهة-نظر1.jpg
  الفيديو في تجهيز "وجهة نظر"

لكن التجربة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد أثارت نقاشاً آخر يتساءل من هم السجناء الفعليون؟ "البعض رأى في تلك الخطوط السجن الفكري، وكان هنالك التساؤل حول من هو السجين الفعلي، أهو الذي داخل القضبان أم خارجها؟ في لقاءاتي مع سجناء سابقين وجدت أن كثيرين منهم كانوا يتصرفون وهم في السجن بحرية أكبر منا نحن في الخارج، نحن سجناء الأشياء والأمور اليومية، هم فيزيائياً سجناء الحيطان الأربعة، لكنهم فكرياً متحررون مما يأسرنا".
 
ولدى سؤاله عما ألهمه فكرة هذا العمل، يقول أحمد: "في ما يخص الجانب التقني، أعمل منذ وقت طويل على موضوع "خداع البصر" وكيف أخلق منه أبعاداً واقعية. أما المحتوى الفكري، فقد جاء نتيجة النقاش مع أحد الناشطين الذي روى لي تجربة السجن، وكيف كانوا يؤسسون لأعمال وأفكار ومقترحات وهم داخله".
 
الفنان (وهو خريج "كلية الفنون الجميلة" بدمشق العام 2007) سيختبر جمهوراً آخر لهذا العمل حيث يعود إلى تقديمه في "معهد العالم العربي" في باريس، معتبراً أن "الاختلاف يتمثل في أن المكان الجديد أنظف، حيث يصعب أن يعطي تماماً إحساس السجن. سأحاول تبسيط العمل أكثر. كذلك لدي فضول لرؤية ردود أفعال جديدة لجمهور مختلف كلياً". 
 
ومن بين الأعمال التي يعتز الفنان بإنجازها، عمل بعنوان "الكرسي والبحر"، ويقول عنه: "هو فيديو عن الثورة سافرتُ إلى برشلونة كي أصوره. بنيت على الشاطئ كرسياً من الرمل، قريباً جداً من الموج. ثبتت الكاميرا لتلتقط حركة الموج الطبيعية، فتأخذ من الكرسي الرملي شيئاً فشيئاً حتى يمّحي الكرسي تماماً بعد دقائق ولا يبقى  له أي أثر. هذا من الأعمال المحبوبة بالنسبة إلي لأنه يشبه الثورة".
 
كما شارك أحمد علي في عمل جدارية في باريس: "كانت الفكرة لمصور فرنسي، هو فلوريان سيريكس، صوّر أطفالاً في الملاجئ في لبنان وتركيا والأردن، أراد كولاجاً على الجدار، وكانت تنقصه طريقة تقديم كما قال لي حين سألني اقتراحي. أنا قدمت الصور الثلاث بإخراج بصري يشبه الملصق (وقد شارك في العمل المصور السوري عمار عبد ربه). أدخلتُ رموزي البصرية التي أستخدمها عادة، طيارات تمرّ تحت الصور وتقف عند عبارة "أمل سوريا" المكتوبة باللغات الثلاث. أرضية العمل كانت مسقطاً لمدينة، أردنا أن نقول أن المدن تحولت إلى مخيمات لجوء بسبب الطائرات التي دمرتها. كان العمل مباشراً إلى حدٍ ما، لكن ذلك كان ضرورياً، فهو يقع مقابل سوبرماركت ضخم، يخرج الناس منه فيرون الأطفال في الملاجئ، أو يبحثون عن الطعام".
 
ملصق غير سياسي
غير أن الفنان برز، ومنذ بداية الثورة، في اشتغاله الدؤوب وتجريبيته مع الملصق السياسي، مع أنه لا يفضل تلك التسمية: "أنا ضد تسميتها بالأعمال السياسية، فأنا لست سياسياً. هي موضوعات إنسانية، وإذا كانت هناك من سمة سياسية فلأن السياسة غالباً ما تكون السبب وراء كل الجوانب الإنسانية". ويضيف: "لا أريد أن أقدم عملاً يحسب سياسياً إلى أي جهة، لأنه إذا استطاعت أعمالي أن تقنع أشخاصاً حياديين بأن هناك موضوعاً إنسانياً، وأن هناك ثورة حقيقية، أن تفتح العين على الجوانب الإنسانية والمسؤولين عنها تكون قد حققت ما تريد".
 
10256048_10152411010226171_769806165_n.jpg
من تجربة الملصقات

تتعدد موضوعات وعناوين أعمال ملصقات أحمد علي، من بينها "أثر الزهرة"، "ياسمين إرهابي"، "سقوط حر"، "صرخة امرأة"، "سجن منفرد"، "جنيف2 غراب طروادة"، "هجرة عبر البحر"، "يوم الطفل السوري".. وهو يقول، رداً على سؤال حول ما يريده من الملصق أن "رسالة الملصق يجب أن تصل خلال عشر ثواني. هو غالباً لا يحتاج إلى ثقافة عالية جداً للتلقي، لذلك في إمكانه أن يصل إلى أكبر عدد من المتلقين. ما كان يهمني أن تصل الرسالة بسرعة".
 
ويميز أحمد بين مرحلتين في شغله على الملصق: "في بداية الثورة كان شغلي يعتمد على تقنية الفوتومونتاج، وغالباً تجد عنوان العمل موجوداً على الملصق نفسه. منذ سنتين حاولت إيجاد خط آخر بالعودة إلى تقنيات الخداع البصري التي اشتغلت عليها سابقاً. هذا الفن كان فناً تجريدياً، بصرياً، بلا دوافع فكرية، أو رسالة واضحة. حاولت إدخال فكرة وموضوعات إنسانية. الغاية أن لا تتجاهل الرسالة، أن تشارك بصرياً، أن يجذبك العمل، ويعطيك الرغبة في المتابعة لترى الرسالة والرموز التي لها علاقة بواقعنا".

10268175_10152411010041171_2122551506_n-(2).jpg
  الخداع البصري.. بدافع جديد
 
ولدى سؤاله عن المكوّن الكردي وكيف يظهر في أعماله، يقول: "أحاول أن تكون سوريتي موجودة أكثر، لكني أحاول أيضاً ألا أتجاهل عيد النيروز، فلديّ عمل واحد في السنة عن النيروز، عدا عن ذلك أحاول أن أكون سورياً وحسب. العمل في النهاية عبارة عن تراكمات، هي نتاج ما احتفظت به ذاكرتك برموز وتفاعلات. لا يمكنني معرفة من أين جاءت النتيجة بالضبط". 
 
الفنان أحمد علي، ختم بالحديث عن الفن التشكيلي السوري وكيف رافق الثورة: "هناك من قدم أعمالاً مهمة ومتنوعة. تأخرنا قليلاً في مخاطبة  الغرب، فإنتاجنا كان محلياً أكثر. أخيراً هناك بعض الفنانين الذين باتوا يستخدمون رموزاً غربية لمخاطبة الغرب، مثالها أعمال تمام عزام وشغله على اللوحات العالمية، وكذلك أمجد وردة الذي حقق فيديو عن لوحات عالمية يتم قصفها بالطائرات والدبابات. لكني ما زلت أحس أن لدينا أكثر، وأن ظروفاً عديدة تربكنا، من عدم الراحة النفسية أو المادية إلى الهجرة وغيرها".
 
شارك المقال :